لماذا لا يقدم الإيرانيون “طوق النجاة” لترامب للخروج من مستنقع الحرب؟
ما يمكن استخلاصه من متابعة حالة الهدوء “الهشة” على صعيد جبهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على ايران، ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد الخروج من مستنقع الحرب، الذي اسقطه فيه بنيامين نتنياهو وحكومته، بأي طريقة وبأسرع وقت ممكن، لانه يدرك ان كل الأساليب التي اتبعها، بما في ذلك تصعيد لهجة التهديد لدرجة المبالغة، لم تحقق أهدافها في إرهاب القيادة الإيرانية، ودفعها الى تقديم تنازلات كبرى، وخاصة في الملف النووي، بل أعطت نتائج عكسية زادت من صلابة الصمود الإيراني وأثبتت صحة ادارته للحرب، وابرز فصولها إطالة أمدها ومضاعفة نزيفها بشريا واقتصاديا.
***
هناك عدة نقاط رئيسية تؤكد هذه الفرضية:
أولا: تخلي ترامب، ولو مؤقتا، عن لغة التهديد التي استهلك كل قاموسها من كثرتها، وخاصة تلك التي تقول بفتح أبواب الجحيم، وتدمير جميع محطات الكهرباء، وإعادة ايران الى العصر الحجري، جاء ذلك بعد انسحاب الوفد الإيراني بعد 21 ساعة من جولة المفاوضات الأولى في اسلام أباد، وتمسكه بكل مواقفه النووية، وتأكيده انه لن يفاوض تحت التهديدات بالقوة، ولن يتراجع مليمترا واحدا عن مواقفه التي اوجزها في النقاط العشر التي قدمها ردا على نظيرتها الامريكية المكونة من 15 نقطة.
ثانيا: تلقف البيت الأبيض للزيارة التي قام بها عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني لاسلام أباد بحالة من اللهفة، وتوجيه الأوامر الى الثنائي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لشد الرحال الى العاصمة الباكستانية اعتقادا بأن السيد عراقجي جاء للتفاوض ولقاء الوفد الامريكي وكانت خيبة البيت الابيض كبيرة عندما اكد السيد عراقجي انه يقوم بجولة تشمل باكستان وسلطنة عُمان وروسيا لا علاقة لها بالمفاوضات في رد مباشر على تصريح ترامب لوكالة “رويترز” الذي قال فيه ان ايران تقدم عرضا يهدف الى تلبية مطالب واشنطن.
ثالثا: توقف ترامب عن ترديد أسطوانته المشروخة التي تروج الى حدوث انقسامات في صفوف القيادة الإيرانية، بحيث انه لا يعرف مع من يتحدث، وان محمد باقر قاليباف رئيس الوفد المفاوض استقال، او أُقيل من منصبه، ليتلقى صفعة إيرانية تؤكد ان السيد قاليباف رئيس الوفد لم يستقيل من منصبه وما زال رئيسا للوفد المفاوض، وان القيادة موحدة، وكل الحديث عن وجود معسكرين احدهما متشدد والآخر معتدل مجرد اضغاث أحلام أمريكية.
رابعا: المفاوضات توقفت لعدة أسباب أبرزها ان ايران لم تتراجع مليمترا واحدا عن موقفها في الملف النووي، الذي يتلخص في حقها السيادي في تخصيب اليورانيوم، وعدم تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة تزيد عن 60 بالمئة للولايات المتحدة او أي دولة أخرى وسيظل هذا المخزون داخل ايران.
خامسا: ايران ترد بالأفعال لا بالأقوال على الغطرسة والتهديدات الامريكية، فبادرت بإغلاق مضيق هرمز فورا، ردا على الحصار الأمريكي على موانئها، واشترطت رفع هذا الحصار فورا لفتح المضيق.
سادسا: ترامب هو الذي مدد هدنة الأسبوعين ووقف اطلاق النار من جانب واحد، ودون وجود أي طلب إيراني، مباشر او غير مباشر، واستعداد ايران عسكريا لمواجهة أي استئناف للحرب والتلويح بوجود أسلحة جديدة سيتم استخدامها، خاصة في التعاطي مع حاملات الطائرات الامريكية الثلاث، “جورج بوش” و”أبراهام لينكولن” و”جيرالد فورد”، واغلاق مضيق باب المندب مدخل البحر الأحمر، الامر الذي ارعب ترامب وفجر خلافا مع قيادة جيشه لرفضها هذا التهور، ومعارضتها لاي حرب مع ايران، وانعكس هذا الرفض في استقالة خمسة جنرالات أبرزهم وزير البحرية والاساطيل، ورئيس هيئة اركان الجيش، ورئيس وحدة المخابرات المكلفة بمحاربة الإرهاب عالميا، فالانقسام كان في القيادة العسكرية الامريكية وليس الإيرانية وفي هذا الوضع الاستراتيجي الخطير الذي تواجهه أمريكا حاليا تحت قيادة ترامب وادارته المزدحمة بالسماسرة والانساب.
***
ايران ليست في عجلة من أمرها، فهي على عكس الإدارة الامريكية تدافع عن ارضها وسيادتها وكرامتها في مواجهة عدوان امريكي إسرائيلي فشل للمرة الثالثة في هزيمتها او تركيعها، وعندما هددت بالعودة فورا الى القتال وبدأت في سنّ صواريخها اذا لم يطبق وقف اطلاق النار على لبنان أيضا، جاء التجاوب سريعا من ترامب الذي كان قد رفض هذه الفرضية وامر نتنياهو بالرضوخ فورا دون نقاش، ودون عقد اجتماع لحكومة حربه لإبلاغها بالقرار.
الخطأ الأكبر الذي ارتكبه ترامب وقيادته، وكشف ضعفه، وجبنه وخوفه من العودة للحرب، انه جاهل بالتاريخ والجغرافيا، ولا يعرف ايران وشعبها، وخلط بين قيادتها ونظرائهم العرب الذين يتطاول عليهم، ويأمرهم فيطيعون دون نقاش.
قادة الجيش الأمريكي بمختلف فروعه البحرية، والبرية، والجوية، الذين افاقوا على فاعلية الرد الإيراني وتطوره، وحداثته، لا يريدون تكرار هزائم هذا الجيش في أفغانستان والعراق، وتحمل هزائم ثقيلة مكلفة ماليا وبشريا ومعنويا بالتالي، ولهذا فضلوا غسل أيديهم من “مغامرات” رئيسهم خضوعا للتعليمات والمخططات الإسرائيلية.
ترامب وقع في مصيدتين خطيرتين جدا، الأولى المكر الإسرائيلي، والثانية الدهاء الإيراني، ووجد نفسه وحيدا، وحتى اقرب حلفائه الأوروبيين تخلوا عنه، ولم يقدموا له “طوق النجاة” وتركوه يغرق، وبات امام خيارين اما الخروج من السلطة، او ربما الخروج من الحياة، وثقافة “الكاوبوي” التي يعتنقها ما زالت موجودة.. والله اعلم.