قبل 2 سنە
عبد الباري عطوان
332 قراءة

هل سقطت فعلًا مقولة “الرّد في المكان والزمان المُناسبين؟

احتجاز قوّات “كوماندوز” بحريّة تابعة للحرس الثوري الإيراني لناقلتيّ نفط يونانيتين كانتا تُبحران مساء الجمعة في مياه الخليج قُرب السّواحل الإيرانيّة، انتقامًا لخطف ناقلة نفط إيرانيّة بطلبٍ أمريكيّ يعكس أمرين أساسيين:

 

 الأوّل: إيران تُوجّه رسالةً قويّةً إلى اليونان وأمريكا، ودول الاتحاد الأوروبي الحليفة للاثنتين، بأنها سترد بالمِثل وفورًا، على أيّ عُدوان يستهدف ناقلاتها في المياه الدوليّة أو داخل أو خارج أراضيها.
الثاني: أن المُفاوضات النوويّة بين إيران والولايات المتحدة، ودول أوروبيّة أخرى في فيينا (فرنسا وبريطانيا) انهارت ولم يبق إلا إعلان فشلها بصُورةٍ رسميّة.
***
من المُفارقة أن اليونان التي كانت البادئة بالعُدوان واحتجاز الناقلة الإيرانيّة “بيغاس” و19 بحّارًا روسيًّا من طاقمها، وصفت احتجاز إيران لناقلتيها اللتين يحملان في جوفهما حواليّ مِليونيّ برميل من النفط العِراقي، بأنّه عملٌ من أعمال القرصنة، ويُشكّل انتهاكًا للقانون الدولي، أمّا احتجازها للناقلة الإيرانيّة في المياه الدوليّة، بطلبٍ أمريكيّ فهذا عملٌ مشروع، وقانونيّ، ولا علاقة له بالقرصنة، وإنه قمّة الغطرسة والكذب، والنّفاق التي آنَ الأوان لوضعِ حدٍّ لها.
الحرس الثوري الإيراني الذي أرسل طائراته المروحيّة للهُبوط على متن الناقلتين، والسّيطرة عليهما، ونقل طاقمهما إلى بيت ضيافة وفرض الإقامة الجبريّة عليهم هدّد باحتجاز ناقلات أخرى، وبالطّريقة نفسها، وأحصى 17 ناقلة يونانيّة تتواجد حاليًّا في مِياه الخليج قال إنها مُعرّضة للاحتجاز في أيّ لحظةٍ إذا تعرّضت ناقلات إيرانيّة للاختطاف.
الأمْر المُحيّر، بالنسبة إلينا على الأقل، أن اليونان التي تملك أُسطولًا بحَريًّا قد يكون الأضخم على مُستوى  العالم، لا تعرف إيران، وتجهل تاريخها الحافل بالرّدود الانتقاميّة السّريعة لأيّ اعتداء على ناقلاتها، أو انتهاك لأجوائها ومياهها الإقليميّة بصُورةٍ غير شرعيّة.
ففي عام 2019 احتجزت إيران ناقلتين بريطانيتين ردًّا على احتجاز زوارق بحريّة بريطانيّة ناقلة إيرانيّة في مضيق جبل طارق كانت في طريقها إلى سورية، وفي عام 2020 اعترضت الزوارق البحريّة الإيرانيّة ناقلة نفط كوريّة جنوبيّة، وصادت حُمولتها، لتجميد حُكومتها حواليّ 7 مِليار دولار من عوائد النفط الإيرانيّة التزامًا بالعُقوبات الأمريكيّة غير الشرعيّة، والأخطر من ذلك أن طائرات مُسيّرة يُعتقد أنها إيرانيّة، أو تابعة لحركة “أنصار الله” اليمنيّة، هاجمت سفينة شحن إسرائيليّة في مياه خليج عُمان، وقتلت بريطانيين كانا ضمن طاقمها، انتقامًا لاعتداءات إسرائيليّة على سُفنها وناقلاتها في المِنطقة، وهدّدت كُل من بريطانيا وأمريكا وإسرائيل برَدٍّ جماعيّ انتقاميّ مُزلزل، وحتى هذه اللّحظة لم يأتِ هذا الرّد، ولم تتعرّض أيّ ناقلة إيرانيّة لهُجومٍ إسرائيليّ.
ونزيدكم من الشّعر قصيدة، وليس بيتًا فقط، عندما نُذكّر بأنّ الدّفاعات الصاروخيّة الإيرانيّة الأرضيّة، أسقطت المُسيّرة الأغلى والأكثر تقدّمًا في سِلاح الجو الأمريكي (غلوبال هوك) في شهر حزيران (يونيو) عام 2019 عندما انتهكت الأجواء الإيرانيّة قُرب مضيق هرمز وكانت تطير على ارتفاع 20 كيلومترًا، وجرى الاستِيلاء على حُطامها، والعديد من الحواسيب والكاميرات التجسّسيّة المُتقدّمة جدًّا التي كانت مُجهّزة بها، مثلما قصفت قاعدة “عين الأسد” الأمريكيّة غرب العِراق بعدّة صواريخ في رَدٍّ “أوّليّ” على اغتيال اللواء قاسم سليماني وزميله أبو مهدي المهندس، ممّا أدّى إلى إصابة 100 جندي أمريكي ولم تكشف الحُكومة الأمريكيّة عن أعداد القتلى حتى الآن، وعندما نقول إنه “رَدٍّ أوّليّ” فإنّنا نُشير إلى تصريحاتٍ إيرانيّة أكّدت أن الانتقام الحقيقي سيكون على قدر مكانة الشهيد سليماني حتى إن كان من ضمن مطالب أمريكا أثناء مُباحثات فيينا النوويّة تخلّي إيران عن هذا الانتقام القادم لأنّها تعرف حجم ضخامته.
***
الرّد الإيراني المُنتظر، والمُتوقّع، قد يكون في فِلسطين المُحتلّة، أو في مِنطقة الخليج، انتقامًا لاغتيال “إسرائيل” العقيد حسن صياد خدائي في الحرس الثوري أمام منزله في طِهران قبل أسبوع، وشنّ طائرات مُسيّرة تابعة لها (إسرائيل) هُجوم على موقع عسكري إيراني أسفر عن استشهاد أحد المُهندسين العاملين فيه.
جميع السّفارات الإسرائيليّة في العالم تعيش حالةً من الرّعب والقلق، وتحت حراسة مُشدّدة هذه الأيّام تَحَسُّبًا لقصفٍ أو اقتحام لها، فمن يقصف بالصّواريخ قاعدة لـ”الموساد” الإسرائيلي في أربيل من غير المُعتقد أن يتردّد في قصف سفارة، أو هدف أمني واستخباري في أيّ بُقعةٍ في العالم.
السيّد حسن نصر الله أمين عام “حزب الله” أكّد في خِطابه بمُناسبة يوم القدس العالمي في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك أن محور المُقاومة، وإيران تحديدًا، سترد على أيّ عُدوان عليها في سورية أو غيرها، وأن نظريّة الرّد في المكان والزّمان المُناسبين قد سقطت إلى غير رجعةٍ ولا نستغرب أن يكون احتجاز السّفينتين اليونانيّتين بالقُوّة، وبهذه السّرعة، هو البداية التنفيذيّة العمليّة لهذا التّهديد، ولهذا لا نستبعد رُدودًا أكثر حزمًا وقوّةً في الأيّام والأسابيع القليلة المُقبلة.. والأيّام بيننا.

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء و التوصيفات المذكورة.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP