قبل 1 شهر
عبد الباري عطوان
39 قراءة

ما هي الأهداف الأمريكية الحقيقيّة وراء قرار مجلس الأمن الأخير؟

أن تنطلق صفّارات الإنذار اليوم في مدينة حيفا المحتلة، ويهرع المُستوطنون الإسرائيليّون فيها إلى الملاجئ والسّبب وصول مُسيّرتين أطلقهما مُقاتلو “حزب الله” من جنوب لبنان فهذا تطوّرٌ خطيرٌ جدًّا في الجبهة الشماليّة قد يُمهّد لحُدوثِ المُواجهة الشّاملة لأنّ عُمُق دولة الاحتلال لم يَعُد آمنًا على الإطلاق سواءً في جنوبه (غزة) أو في شِماله (مِنطقة الجليل)، وباتَ من المُستحيل عليها تحمّل النّتائج المُترتّبة على ذلك.
واللّافت أنّ هذا الاختِراق تزامن مع ثلاثة تطوّرات رئيسيّة على هذه الجبهة الشماليّة:
الأوّل: نجاح الدّفاعات الجويّة لحزب الله في إسقاط مُسيّرة إسرائيليّة مُتطوّرة من نوعِ “هيرميز 900” اخترقت الأجواء اللبنانيّة قبل يومين.
الثاني: اعتراف الجيش الإسرائيلي بإطلاق حزب الله اليوم 50 صاروخًا لقصف قواعدٍ عسكريّةٍ إسرائيليّة ومُستوطنة “كسرمين” في الجُولان المُحتل ممّا أدّى إلى إشعالِ حرائقٍ ضخمة.
الثالث: كشف وحدة الدّفاع الجوّي في الحزب عن امتِلاكها صواريخ مُتقدّمة تستطيع التصدّي لأي طائرات إسرائيليّة ثابتة الأجنحة مِثل “إف 16″ و”إف 15” ومنعها من اختراقِ الأجواء اللبنانيّة.

هذا التّصعيد الذي يتزامَن مع تزايُد الهجمات اليمنيّة على سُفنٍ أمريكيّة وإسرائيليّة في البُحور الثّلاثة (العربيّ والأحمر والمتوسّط) والمُحيط الهنديّ، يُعتبر أحد الأسباب الرئيسيّة التي تقف خلف حالة “السُّعار” الأمريكيّة الحاليّة للتوصّل إلى “هدنةٍ” في قطاع غزة تُطلق أيدي الجيش الإسرائيلي لشنّ هُجومٍ شاملٍ على لبنان على أمَل القضاء على “حزب الله”.
إطلاق المُسيّرات باتّجاه حيفا، ونجاحها في اختراقِ الدّفاعات الإسرائيليّة التي من المُفترض أنْ تكون مُتطوّرة جدًّا، رسالة تهديد للقيادتين العسكريّة والسياسيّة الإسرائيليّة تُؤكّد أنّ هذه المدينة، وغيرها من المدن الفِلسطينيّة المُحتلّة الأُخرى، باتت في مرمى نيران المُقاومة، وأنّ أي توسيعٍ للحرب واعتداء على لبنان، واستمرار حرب الإبادة في غزة، سيعني الرّد بتدميرها (المدن) بالكامل، فحتّى هذه اللّحظة لم تستخدم المُقاومة ما في جُعبتها من الصّواريخ الدّقيقة والثّقيلة التي يزيد تِعدادها، وحسب التوقّعات الإسرائيليّة، عن 200 ألف صاروخ، ولعلّ عدم تنفيذ نتنياهو لتهديداته بإعادة لبنان إلى العصر الحجري يعود إلى وعيه بضخامةِ ردّ المُقاومة الإسلاميّة اللبنانيّة وخُطورته على كيانه المُتهالِك.
حرب الاستنزاف التي تشنّها المُقاومة الإسلاميّة في لبنان في الشّمال الفِلسطيني المُحتل، مُنذ بداية الحرب على غزة، وما أسفرت عنه حتّى الآن من حرائق ودمار مادّيّ ومعنويّ، أدّت إلى ترحيل أكثر من 200 ألف مُستوطن في الجليل المُحتل إلى مناطقٍ آمنة حتّى الآن في الوسط، وخاصَّةً حيفا وتل أبيب وصفد والقدس، ولا يُمكن أن تتوقّف هذه الحرب إلّا بتوقّف حرب الإبادة والتّطهير العِرقيّ في قطاع غزة، وهذا ما يُفسّر قيام أنتوني بلينكن وزير الخارجيّة الأمريكي بالزّيارة الثّامنة له إلى المِنطقة للوصول إلى اتّفاقٍ يُؤدّي إلى وقفها برعايةِ الوُسطاء العرب وخاصَّةً مِصر وقطر.
 
صُدور قرار عن مجلس الأمن الدّولي بوقف الحرب في القطاع الذي لم تُعارضه الولايات المتحدة على غير العادة، لن يجد طريقه إلى التّرجمة الفِعليّة على الأرض، وسيُودَع في أرشيف المنظّمة الدوليّة الحافِل بعشَرات القرارات المُماثلة، لعدّة أسبابٍ أبرزها، أنّ المُقاومة الفِلسطينيّة لن تنخدع بمِثل هذه القرارات وإنْ رحّبت بها، ولا تثق بمِصداقيّة الرّعاية الأمريكيّة للمُفاوضات التي تجري في كُل من الدوحة ومِصر، خاصَّةً بعد أنْ حثّ الرئيس بايدن الوُسطاء العرب على مُمارسة ضُغوط على قادة المُقاومة (حماس والجهاد الإسلامي) للرّضوخ للشّروط الإسرائيليّة، وإذا رفضت تُعاقب بإنهاء إقامة قيادتها الخارجيّة من قطر، والأخطر من ذلك أن بلينكن الذي يتباهى بولائه الصّهيوني، ألقى باللّوم باستِمرار الحرب في القطاع على حركة “حماس” ووصفها بالعقبة الرئيسيّة أمام وقف الحرب، وكأنّ إسرائيل هي الحمَل الوديع، وهذا قمّة الوقاحة.
بعد مجزرة النصيرات التي ارتكبها العدو الإسرائيلي يوم السبت الماضي في مُحاولةٍ استعراضيّة نجحت في الإفراج عن 4 من الأسرى الإسرائيليين، وراح ضحيّتها أكثر من 300 شهيد و700 جريح، يُمكن القول إنّ مُفاوضات القاهرة والدوحة التي ترعاها الإدارة الأمريكيّة قد انهارت وفقدت ما تبقّى لها من مِصداقيّة، خاصة بعد أنْ ثَبُتَ بالأدلّة مُشاركة أمريكا وأجهزة استِخباراتها ومينائها العائم في التّخطيط والتّنفيذ لها (أيّ المجزرة).
وصول المُسيّرات إلى حيفا وعشرات الصّواريخ إلى مُستوطنات الجُولان السّوري المُحتل، وتساقُط الجُنود الإسرائيليين كالذّباب في كمائنِ المُقاومة في غزة، وتفاقُم الخِلافات في أوساط القيادة السياسيّة الإسرائيليّة وانهِيار مجلس الحرب العسكري، كلّها مُؤشّرات تُؤكّد أنّ نهاية دولة الاحتلال قد اقتربت، وأنّ النّصر الكامِل بات وشيكًا وما نحتاجه هو المزيد من الصّبر والصّمود وعدم الثّقة بأمريكا ووسطائها ومُفاوضاتها المِـصيَدة مفضوحة الأهداف، ولا نعتقد أنّ هذه الحقائق تغيب عن القادة الميدانيين للمُقاومة في القطاع التي خطّطت ونفّذت أعظم إنجاز فِلسطيني في التّاريخ “طُوفان الأقصى”.

 

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP