قبل 1 شهر
عبد الباري عطوان
38 قراءة

سوريا تتعافى والغارات الإسرائيلية على حلب دليل الإحباط

رُغم الغارة الجويّة الإسرائيليّة التي استهدفت فجر اليوم الاثنين قواعد يُعتَقد أنّها تابعة لـ”حزب الله” في بلدةِ حيان في ريف حلب، وأدّت إلى استِشهاد 16 مُقاتلًا، ولأوّل مرّة مُنذ الهُجوم على مقر القنصليّة الإيرانيّة في دِمشق، إلّا أنّ مسيرة التّعافي السوري تسير بخطواتٍ مُتسارعة سِياسيًّا ومَيدانيًّا وِفق سياسةٍ مدروسة، داخليًّا وخارجيًّا.
قبل الخوض في الأدلّة التي تُؤكّد هذه الحقيقة، لا بُدّ من القول إنّ هذا الهُجوم الإسرائيلي على قواعدٍ للمُقاومة في ريف حلب يأتي ردًّا على عمليّات فصائل محور المُقاومة المُتصاعدة ضدّ قواعد عسكريّة جويّة وبريّة إسرائيليّة في الجُولان المُحتل، سواءً من قِبَل مُقاتلي “حزب الله”، أو من خِلال الهجمات الصّاروخيّة التّابعة للمُقاومة الإسلاميّة العِراقيّة في إطارِ تفعيلِ جبهات المُقاومة ضدّ الاحتِلال.

الرّد العسكريّ الإيرانيّ القويّ (الوعد الصّادق) الأوّل من نوعه الذي تجسّد في إرسال 360 صاروخًا باليستيًّا ومُسيّرة حقّقت اختراقًا لا بأس به للمجال الجوّي الإسرائيليّ وأصاب أهدافه في قاعدتيّ النّقب الجوّيتين بدقّةٍ مُتناهية، رُغم حائط الصَّد الصّاروخيّ الأمريكيّ في الأردن، الأمر الذي أحدث حالةً من رُعبٍ عسكريٍّ ونفسيٍّ في صُفوف القيادتين السياسيّة والعسكريّة في دولةِ الاحتِلال، علاوةً على بثّ حالة الرّعب في صُفوفِ مُستوطنيها، وأهم إنجاز لهذا الهُجوم هو الانتقال إلى مرحلةٍ جديدة عُنوانها الثّأر للشّهداء الذين يسقطون بنيران العدو الإسرائيليّ في سورية ولبنان، وإسقاط عبارة “الرّد في المكانِ والزّمان المُناسبين” إلى غيرِ رجعةٍ، وإزالتها بالتّالي من قاموسِ المُقاومة.

إذا ألقينا نظرةً مُوسّعةً على المشهد السوري هذه الأيّام يُمكن رصد العديد من التطوّرات الإيجابيّة نُوجزها في النّقاط التّالية:

الأولى: تآكُلٌ مُتدرّج للحِصار المفروض على سورية عربيًّا ودوليًّا، وأبرز الأمثلة في هذا الصّدد عودة العرب إلى دِمشق، ومُشاركة الرئيس الأسد في القمم الأخيرة، وتطوّر علاقاته مع دُول خليجيّة مركزيّة مِثل الإمارات والسعوديّة، وقبلهما سَلطنة عُمان، وهُناك أنباء عن تقاربٍ قطريّ سُوريّ غير مُباشر تمثّل في إغلاقِ “سفارة” الائتلاف السّوري المُعارض في الدّوحة، وكذلك مدرسة للمُعارضة السوريّة، وإشراف الدّولة السوريّة مُباشرةً على قوافل حُجّاجها لأوّل مرّة.

الثانية: الاضطرابات الأمنيّة المُتصاعدة في إقليم إدلب حيث تُوجد سيطرة فصيل هيئة تحرير الشّام “المُعارضة”، وتصاعُد المُطالبات بإقالة محمد الجولاني قائدها، والإفراج فورًا عن المُعتقلين، ووقف أعمال التّعذيب، وتفاقُم الانقِسامات داخِل الهيئة، ويتردّد أنّ مُطالبات مُتصاعدة بعودة الأقاليم إلى سيادةِ النّظام في بعض الأوساط الشعبيّة بسبب الوضع المعيشيّ الذي لا يُطاق على حدّ وصف أحد الخُبراء المُتابعين للتطوّرات عن كثب.

الثالثة: تصاعد الدّعوات في تركيا لإعادة العلاقات مع سورية تمثّلت في دعوة السيّد دولت بهشتلي زعيم الحركة القوميّة التركيّة لحليفه الرئيس رجب طيّب أردوغان بضرورةِ عودة التّنسيق مع الرئيس بشار الأسد للقضاء على الطّموحات الانفصاليّة لقوّات سورية الديمقراطيّة في الشّمال السّوري.

الرابعة: تردّد أنباء شبه مُؤكّدة تُفيد بأنّ الرئيس الأمريكي جو بايدن بات على وشك الاعتراف بكيانٍ انفصاليٍّ كُرديٍّ في شِمال سورية، وربما بآخر في شِمال العِراق، الأمر الذي لو تم سيُشَكّل ضربةً قاتلةً للدّولة التركيّة، واستِقرارها وأمنها حسب الموقف التركي، وهذا ما يُفسّر زيارة السيّد محمد شياع السوداني، رئيس وزراء العِراق، قبل أيّام لأنقرة، وقيامه بدورِ وِساطة للتّقريب بين الرئيسيين السوري والتركي لمُواجهة هذا التحرّك الأمريكي.

الخامسة: إقدام الرئيس أردوغان على سياسة إقليميّة انفتاحيّة بعد عدم نجاح سياساته في التّقارب مع إدارة بايدن وخسارة حزبه العدالة والتنمية للانتخابات البلديّة بسبب تدهور الاقتصاد، وارتفاع نسبة التضخّم بمُعدّلاتٍ كبيرة تقترب من 70 بالمئة، علاوةً على استِمرار تراجُع اللّيرة، وأبرز خطوة في هذا الإطار مُحاولة إعادة الثّقة في العلاقات التركيّة- الروسيّة، وأبرز مفاتيحها ترطيب الأجواء مع دِمشق.

صحيح أن الأوضاع الاقتصاديّة السوريّة مُتدهورة، ومُعاناة الشّعب السّوري في تصاعدٍ بسبب الحِصار الأمريكيّ الخانِق (قيصر)، ولكن هُناك مُؤشّرات قويّة بأنّ إدخال إصلاحات داخليّة، أهمّها مُحاربة الفساد، وبدء تقليص سطوة القبضة الأمنيّة المُبالغ فيها، وإلغاء كُل أشكال التّعذيب التي كانت تُمارس في الماضي، وانفتاح بعض الدّول الأوروبيّة مِثل إيطاليا التي أرسلت رئيس مُخابراتها إلى دِمشق قبل أيّام، كُلّها مُؤشّرات إيجابيّة ربّما تُعطي بعض ثِمارها في المُستقبل القريب.
دولة الاحتلال الإسرائيلي مصدر كُل الكوارث في المِنطقة، تقف على حافّة الانهيار وتُواجه أزمات مُتفاقمة ابتداءً من الانقِسامات الداخليّة، وانتهاءً بالهزائم في غزة واليمن وجنوب لبنان، ولهذا فإنّ ضرباتها التي تستهدف العُمُق السّوري تعكس تكاذُبًا واضحًا، ومُحاولةً يائسة للإيحاء بأنّها ما زالت قويّة، وهي التي لا تستطيع هزيمة غزة التي يدخل صُمودها بعد أربعة أيّام شهره التّاسع، وتَبْذُل الرّئاسة الأمريكيّة جُهودًا ضخمةً لإنقاذها وتقليص خسائِرها، علاوةً على إنقاذ نفسها ومصالحها في المِنطقة.
سورية تعود بقُوّةٍ، وإن ببطء، لاستعادة مكانتها وريادتها العربيّة، وسيأتي اليوم الذي ستَرُدّ فيه على كُل هذه العُدوانات الإسرائيليّة التي تستهدفها تمامًا مثلما فعلت المُسيّرات والصّواريخ الإيرانيّة في “الوعد الصّادق” واليمنيّة في البُحور الأربعة.. والأيّام بيننا.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP