قبل 1 شهر
عبد الباري عطوان
42 قراءة

هل الهدف قتل مِليونين من أهل غزة جُوعًا؟

أعلن مُتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي الأربعاء سيطرة قوّاته بالكامِل على محور صلاح الدين (فيلادلفيا) الفاصِل بين مِصر وقطاع غزة، ممّا يعني سيطرة دولة الاحتلال على جميع المعابر، وبِما يُمكّنها من منْع أيّ معونات إنسانيّة لمِليونين ونصف المِليون من أبناء القطاع، ومن المُفارقة أنّ هذه الخطوة الإسرائيليّة المُتوقّعة تتزامن مع تفكّك الرّصيف البحَري الأمريكي ونقل معدّاته إلى ميناء أسدود المُحتل، ممّا يعني أنّ هُناك خطّة تجويعيّة يجري تنفيذها لإحكام الإغلاق على القطاع بمُوافقةِ جميع الأطراف المعنيّة وبإشرافٍ ومُباركةٍ أمريكيّة.
اللّافت أنّ قوّات الجيش الإسرائيلي سيطرت على هذه الحُدود مع القطاع التي يَبْلُغ طُولها 14 كيلومترًا تحت سَمْع وبصر القوّات المِصريّة التي تتمركز على الجانب الآخَر ودون إطلاق رصاصة واحدة، الأمر الذي يطرح العديد من الأسئلة حول هذا الصّمت الرسميّ والعسكريّ المِصريّ.
***
مِن المُفارقة أنّ رد الفِعل الرّسمي المِصري الوحيد جاء لنفي بيانات إسرائيليّة تتحدّث عن اكتشاف الجيش الإسرائيلي أنفاقًا لحركة “حماس” تمتدّ تحت هذه الحُدود، كما لو أنّ المُشكلة هي وجود أنفاق أو عدمها وليس انتهاكًا صريحًا ومُهينًا للسّيادة والكرامة الوطنيّة المِصريّة معًا، وانتهاكًا لجميع الاتّفاقات المُوقّعة بين البلدين، وخاصَّةً “كامب ديفيد” التي تفتخر السّلطات المِصريّة الحاكمة بالتِزامها الكامِل بها باعتِبارها تُمثّل دولةً تحترم تعهّداتها والقوانين الدوليّة المُتّبعة.
السيّد ضياء رشوان رئيس هيئة الاستِعلامات المِصريّة الرسميّة الذي يلعب دور وزير الإعلام، هو الذي أعلن أكثر من مرّة “أنّ محور صلاح الدين خطٌّ أحمر، وأي اقتراب منه، أو احتِلاله محظور، ويُشكّل تهديدًا بانتِهاكِ مُعاهدة السّلام المِصريّة الإسرائيليّة (كامب ديفيد) المُوقّعة في عام 1979″، والسُّؤال الذي يطرح نفسه بقوّة هو حول الغياب الكامِل لأيّ ردّ فعلٍ مِصريٍّ الذي من المُفترض أن يرتقي إلى حجم هذا الاعتِداء المُهين على الدّولة المِصريّة، فهل يعني هذا الصّمت، أنّ هذا الاحتِلال الإسرائيلي جاء في إطار اتّفاقات مُسبقة مع الجانب المِصري وبرعاية أنتوني بلينكن وزير الخارجيّة الأمريكي الذي قام بالعديد من الزّيارات المكوكيّة بين عاصمتيّ البلدين (سبع مرّات في غُضون ثماني أشهر) وما هو المُقابل؟
لا نملك أي إجابة على هذه التّساؤلات المطروحة في ظِل حالة الصّمت الملغومة التي تسود المشهد حاليًّا، وخاصَّةً من الجانب المِصري، ولكن ما نستطيع قوله في هذه العُجالة، أنّ السّلطات المصريّة، بالتِزامها الصّمت، تكون كمَنْ أطلق النّار على قدمه، وأظهر نفسه بمظهر المُتواطئ مع هذه الخطوة العُدوانيّة الاستفزازيّة على أكبرِ دولةٍ عربيّة، الأمر الذي قد تترتّب عليه أخطار كثيرة، تنعكس سلبًا على الأمن والاستِقرار الداخلي، فالاحتِقان الشعبيّ في ذروته.
احتلال قوّات الجيش الإسرائيلي لمحور صلاح الدين (فيلادلفيا) يعني للوهلةِ الأولى تخلّي الدّولة المِصريّة عن أهم وأقوى ورقة في يدها فيما يتعلّق بالقضيّة الفِلسطينيّة بعد خسارتها لورقة أمنها المائي ومحوره الأساسي سدّ النّهضة الإثيوبي، وتفاقم الأزمة الاقتصاديّة، وتراجُع عوائد قناة السويس بمِقدار النّصف، وانخِفاض تحويلات أبناء البلد في الخارج.
فعِندما تسحب إسرائيل ورقة فِلسطين من مِصر، وتُلغي الحُدود التّرابيّة مع قطاع غزة، فإنّها تجعل من مِصر دولةً هامشيّة في المِلف الفِلسطيني، مِثلها مِثل أي دولة عربيّة خارج الجِوار الفِلسطيني في المُستقبل المنظور على الأقل، خاصَّةً في ظِل تراجُع الدّور القِيادي والرّيادي لمِصر حاليًّا إقليميًّا ودوليًّا.
نشرح أكثر ونقول، لماذا تتزعّم السّلطات المِصريّة مِلف مُفاوضات وقف إطلاق النّار في القطاع إذا فقدت ثقة المُفاوض والشّعب الفِلسطيني، ونحنُ نتحدّث هُنا عن كتائب المُقاومة التّابعة لحركتيّ “حماس” والجهاد الإسلامي.
 

***
لا نُطالب السّلطات المِصريّة إرسال قوّاتها لتحرير فِلسطين، ولا حتّى للتصدّي لحرب الإبادة التي يُمارسها الجيش الإسرائيلي في القطاع، رُغم أنّ هذه الحِماية واجبٌ قانونيّ وأخلاقيّ بحُكم أنّ القطاع كانَ خاضِعًا للإدارة العسكريّة المِصريّة عندما جرى احتِلاله عام 1967، فقط نُطالبها كمُحبّين للجار المِصري العربيّ المُسلم بالدّفاع عن حُدودها وكرامتها الوطنيّة، والالتِزام بحُقوق الجِوار ولا نقول بِما هو أكثر من ذلك.
أبناء القطاع البواسِل الذين سطّروا المُعجزات والانتِصارات بصُمودهم، سيستمرّون في المُقاومة حتّى الشّهادة سواءً جُوعًا أو برصاصِ العدو، لأنّهم اختاروا المُقاومة دفاعًا عن هذه الأُمّة، وهذه العقيدة، حتّى لو تولّوا هذه المهمّة المُقدّسة لوحدهم، فالأبطال لا يختارون أقدارهم بل يصنعونها، فإذا كانت “مجزرة الخيام” في تل السّلطان غرب مدينة رفح التي استُشهد فيها الأطفال حرقًا، وهُم أحياء، لم تُحرّك هذا الجار الشّقيق الكبير، فلن يُحرّكه أي شيء آخَر في المُستقبل المنظور، ونقولها وفي الحَلقِ علقم، ولكن ما يُطمئنا أنّ مِصر ولّادة، وأنّ الشّعب المِصري العظيم لن يتخلّى عن أهله وأشقّائه في غزة، وسيهرع لنجدتهم، وهذا لا نقوله كنوعٍ من التمنّي، وإنّما استنادًا إلى إرثٍ مِصريٍّ من أهراماتِ الكرامةِ وعزّة النّفس، وتاريخ حافل بنُصرة المظلوم.. والأيّام بيننا.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP