قبل سنە
عبد الباري عطوان
225 قراءة

الاندفاع المشروع!

عندما تتكثف العدوانات الصاروخية الإسرائيلية على اهداف إيرانية في العمق السوري وتصبح شبه يومية، مثلما أثبتت الأيام الثلاثة الماضية، وتؤدي الى استشهاد مستشارين عسكريين، تعترف السلطات الإيرانية رسميا بأنهم ينتمون للحرس الثوري، فهذا يعني ان بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي “المنبوذ” داخليا وخارجيا، هو الذي يبحث عن رد إيراني سوري، او من محور المقاومة عموما لكسر الحصار المفروض عليه، وتوحيد جميع القوى الإسرائيلية خلفه، ووضع خلافاتها السياسية جانبا، وربما يحصل على ما يريد قريبا جدا، وقد يكون الثمن باهظا ووجوديا.
بعد هجومين صاروخيين استهدفا العاصمة السورية دمشق يومي الخميس والجمعة الماضيين، شنت دولة الاحتلال الإسرائيلي فجر اليوم الاحد هجوما ثالثا على قاعدة “تي 4” الجوية السورية، ومطار الضبعة في محافظة حمص حيث تتردد أنباء عن مصانع مسيّرات وصواريخ تابعة للحرس الثوري الإيراني، وأخرى لحزب الله اللبناني، مما أدى الى حدوث إصابات عسكرية حسب البيان الرسمي السوري.
***
مسؤولية دولة الاحتلال الإسرائيلي عن هذه الهجمات لا تحتاج الى إثبات، ولكن تلميحات نتنياهو في تصريحات الى الصحف ادلى بها “متعمدا” قبل اجتماع لمجلس الوزراء برئاسته، تؤكد هذه الفرضية، وكان لافتا تهديده بأنه سيتم الرد على أي هجوم انتقامي إيراني، سواء كان في “الداخل الإسرائيلي او خارجه”.
الحرس الثوري الإيراني الذي إعترف للمرة الأولى باستشهاد اثنين من مستشاريه في سورية، الأول يوم الجمعة الماضي يدعى ميلادي حيدري، والثاني مقداد جعفر الذي استشهد  اليوم الاحد متأثرا بجراحه التي أصيب بها يوم امس الأول، وتعهد الحرس الثوري في بيان له انه سينتقم لشهيديه وفي أسرع وقت ممكن.
الأمر شبه المؤكد ان الرد قادم حتما، لان السلطات الإيرانية لا تريد ان تظهر بمظهر الضعيف، وهي التي أدت قوتها الى تغيير المعادلات السياسية في المنطقة، ووقف مسيرة التطبيع فيها، وكسر الحصار الخليجي الأمريكي المفروض عليها، والتوصل الى اتفاقات تعاون، وإعادة السفارات معها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هذه المرة، وكل مرة، أين سيكون هذا الرد وكيف؟
من المستبعد ان يأتي أي رد انتقامي ثأري إيراني من الأراضي السورية التي استهدفتها الغارات الصاروخية الإسرائيلية، لان القيادة السورية لا تريد الانجرار الى حرب موسعة غير مستعدة لها، وتؤدي الى تدمير بناها التحتية بعد عشر سنوات او اكثر من القتال على عدة جبهات للتصدي لمؤامرة تفتيتها، وإطاحة السلطة فيها، علاوة على ذلك عدم تزويدها من قبل الحليف الروسي بالمنظومات الدفاعية الجوية مثل صواريخ “اس 300” او “اس 400” ذات الكفاءات والفعالية العالية في هذا المضمار، ولهذا قررت مكرهة امتصاص جميع هذه العدوانات الإسرائيلية، وعدم إعطاء نتنياهو او غيره الذريعة لتدمير البلاد، وشل الحياة فيها، ومضاعفة معاناة شعبها، بضرب اهداف مدنية سورية مثل محطات الناء والكهرباء على سبيل المثال لا الحصر، مثلما قال لنا مصدر لبناني وثيق الصلة بالحكومة السورية، فالجيش السوري يحارب عدة جبهات دفعة واحدة منذ 11 عاما دون توقف.
من المرجح ان يأتي الرد الإيراني الانتقامي بالإنابة، او عبر الاذرع العسكرية الحليفة، أولها في جنوب لبنان حيث تتمركز قوات “حزب الله” وترسانته المتضخمة من الصواريخ الدقيقة، ومسيّراته الانتحارية المتطورة، او من قبل قوات “انصار الله” اليمنية من خلال قصف سفن تجارية إسرائيلية في “بحر العرب” او البحر الأحمر، او باستهداف القواعد الامريكية شرق الفرات بصواريخ تابعة لفصائل مسلحة موالية لإيران في غرب العراق.
ترجيح الرد من قبل الفصائل الموالية لإيران في المنطقة لا ينفي احتمال الرد الإيراني المباشر والقوي كليا، فهذا الاحتمال ما زال واردا وقويا، وعلينا ان لا ننسى ان الدفاعات الجوية الإيرانية لم تتردد في اسقاط طائرة الاستطلاع الامريكية “غلوبال هوك” درة التاج في سلاح التجسس الأمريكي اخترقت الأجواء الإيرانية فوق مضيق هرمز بعد أمتار فقط، وكانت تحلق على ارتفاع 20 كيلومترا، كما انها، أي الدفاعات الجوية الإيرانية تصدت بالأمس لطائرة تجسس أمريكية أخرى اخترقت الأجواء الإيرانية فوق الخليج.
اضرار عدم الرد الإيراني القوي على “العدوانات” الإسرائيلية باتت “ضخمة جدا” ومن الصعب استمرار الصمت عليها، او التعايش معها، خاصة بعد احكام دولة الاحتلال الإسرائيلي لحصارها لإيران، وفتح جبهات جديدة ضدها، وخاصة في أذربيجان شمال حدودها التي كثفت وجودها فيها وتوقيع حكومتها اتفاقا استراتيجيا استخباريا ودفاعيا مع رئيسها الهام علييف، وكشف السلطات الإيرانية تورط حكومة الأخير في عملية اغتيال الخبير النووي الإيراني فخري زادة، وتقديم الدعم المباشر والعملياتي للاحتجاجات التي نظمتها المعارضة الإيرانية بهدف اسقاط النظام.
المعلومات المتوفرة لدينا ان قرار الرد الانتقامي للشهداء الإيرانيين في سورية قد جرى اتخاذه من أعلى المستويات في القيادة الإيرانية، ونحن ننقل هنا بعض مما جاء على لسان مصادر وثيقة جدا، وسيتولى الحرس الثوري وحلفاؤه في المنطقة مهمة التنفيذ في الايام القليلة المقبلة.
***
ختاما نقول ان ايران وسورية يمكن ان يتعايشا مع اكثر من 300 عدوان إسرائيلي على مواقع في سورية، ويمتصا أثاره، ولكن دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تستطيع التعايش مع رد قوي واحد قد يؤدي الى جرها الى حرب، جزئية، او شاملة، ويفتح عليها أبواب جهنم في ظل ازماتها الداخلية المتفاقمة، وتعاظم المقاومة الفلسطينية المسلحة التي هزت وتهز أمنها الداخلي، واستقرارها بالتالي.
لا يوجد عربي، او مسلم واحد، لا يريد أو لا يؤيد الرد الانتقامي الإيراني، او السوري على العدوانات الاسرائيلية المهينة والمذلة، ولهذا سيحظى هذا الرد بكل الدعم والمساندة من قبل الأغلبية المؤمنة الساحقة، وعلينا ان نضع في اعتبارنا دائما، ان التهجم، والانتقاد، والاتهام بالتخاذل وعدم الرد أمر في منتهى السهولة، وان كان بعضه يأتي من منطلق الحرص والكرامة، والاندفاع المشروع، لكن علينا ان نتذكر دائما ان اتخاذ قرار خوض الحروب وما يترتب عليه من دمار ودماء وشهداء وجرحى ليس بالسهولة نفسها، خاصة اذا جاء هذا القرار إنفعاليا وغير مدروس بعناية من الجوانب كافة، وهذا لا يعني وفي جميع الأحوال الاستمرار الى الابد في تلقي الضربات المهينة ودون رد.
سورية خاضت اربع حروب ضد دولة الاحتلال، والشيء نفسه يقال أيضا عن ايران التي لم تتوقف الحروب الامريكية ضدها منذ اليوم الأول لانطلاق ثورتها، ولذلك لن تترددا في خوض حرب ضد العدوين الأمريكي والإسرائيلي، فاذا كانت حركة طالبان في أفغانستان، والمقاومة العراقية اللتين لم يملكا الصواريخ والمسيّرات قد هزمتا أمريكا واذلتاها، فهل ستتردد سورية وايران في خوض حرب ضدها و”إسرائيل” معها، خاصة ان ايران قائدة محور المقاومة تملك اكثر من 500 الف صاروخ، و40 الف مسيّرة، والعديد من الغواصات وآلاف الزوارق الانتحارية وربما رؤوسا نووية.. والأيام بيننا.

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء والتوصيفات المذكورة.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP