هل ستملأ تركيا الفراغ في العراق ولبنان بمظلة أميركية؟
حظي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بترحيب حار في البيت الأبيض. وتماهت العروض العراقية تماماً مع عقلية ترامب القائمة على الصفقات التجارية والاستثمارية، وقد انعكس هذا الرضا الأميركي في إقرار صفقات نفطية ضخمة للشركات الأميركية، حيث استُبدل الخروج المتوقع للقوات الأميركية في أيلول/سبتمبر بدخول الشركات الأميركية، وطرح إنشاء صندوق عراقي - أميركي للطاقة والتنمية، يُموّل من عائدات ما يعادل 500 ألف برميل من النفط يومياً، وتُودع أمواله في مؤسسات مصرفية أميركية، إلى جانب العمل على تقليص النفوذ الإيراني، عبر حصر السلاح وتفكيك الفصائل العراقية.
لم تحظَ جملة الاتفاقات والتقديمات العراقية لترامب برضى كامل أو إجماع في العراق، بل أحدثت انقساماً حاداً وواضحاً بين ترحيب سياسي حذر من بعض أطراف "الإطار التنسيقي"، ورفض قاطع وتشكيك معلن من فصائل مسلحة بارزة، قد تلجأ إلى التصعيد والوقوف ضد حكومته في البرلمان لمنع تمرير الاتفاقيات.
وسيحاول الزيدي، في المرحلة المقبلة، استخدام معالجات مرنة وتفاوضية لتفكيك ما تبقى من الفصائل، إلا أن خيار "إنفاذ القانون بالقوة" سيبقى مطروحاً كحل أخير إذا أخفقت الحلول السلمية.
تعتبر إيران أن مخرجات مفاوضات الزيدي في واشنطن، المتعلقة بإنهاء مهمة التحالف الدولي، تمثّل هدفاً استراتيجياً قديماً لها، وتحديداً وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية. في المقابل، يعمل ميزان القوى لمصلحة تراجع تدريجي للنفوذ الإيراني، وصعود قوي للمصالح والترتيبات الاستراتيجية التركية، ما يفسح المجال أمام أنقرة لتكون الشريك التجاري والأمني الأكثر استقراراً لبغداد.
ويرى تيار الزيدي أن الضامن الحقيقي للأغلبية الشيعية في العراق ليس الفصائل المسلحة، بل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية الرسمية، وأن الروابط الاقتصادية والنفطية العميقة التي يبرمها مع الولايات المتحدة والغرب توفر للعراق "شبكة أمان" دولية ضد أي تهديدات خارجية.
هل ستملأ تركيا الفراغ في العراق ولبنان بمظلة أميركية؟
يرى الزيدي أن العراق يستطيع فرض نفسه بوصفه "عقدة مواصلات وطاقة لا غنى عنها"، عبر مشاريع مثل "طريق التنمية" والصناديق الاستثمارية.
وتجد أنقرة في توجهات حكومة الزيدي فرصة لتعزيز مكانتها داخل العراق، برضى وترحيب حكوميين. وقد أُعلن عن تأسيس صندوق استثماري مشترك يهدف إلى تمويل المشاريع الاستراتيجية والتنموية الكبرى في العراق، ما يفسح المجال أمام الشركات التركية للهيمنة على قطاع البنية التحتية، وتأمين ملفات الطاقة والربط الإقليمي مع أنقرة، كبديل آمن لتنويع ممرات النفط والغاز، وهو ما يتقاطع مع رغبة تركيا في التحول إلى مركز رئيس لإمدادات الطاقة نحو أوروبا.
وتربح تركيا دور "الشريك التنموي والاقتصادي الموثوق"، الذي يتحرك بغطاء رسمي كامل من بغداد وضمانات دولية. وتحوّل مشاريع مثل "طريق التنمية" والصناديق المشتركة مع تركيا ودول الخليج العراق إلى عقدة مواصلات وطاقة عالمية لا يمكن الاستغناء عنها، ما يجبر الدول الإقليمية على التعامل مع بغداد وحكومتها.
ومن منظور "الواقعية السياسية"، فإن الجغرافيا لا تلغي قوة العراق السياسية والإقليمية، بل يمكن إعادة صياغة هذه القوة وفق المعطيات الحالية.
التوسع التركي تحت "العباءة الأميركية": السيناريو الأكثر واقعية
تتقاطع الرؤية التركية لـ"التوسع الاقتصادي" تماماً مع الرؤية الأميركية لـ"تقويض النفوذ الإيراني"، وهو ما يمهد لولادة نفوذ تركي برعاية واشنطن.
وتمسك الولايات المتحدة بـ"تلابيب المال العراقي"، عبر نافذة بيع الدولار والبنك الفيدرالي، وتحتاج واشنطن إلى "بديل قوي" يمتلك حدوداً برية وقدرة صناعية وتجارية هائلة. وهذا البديل الجاهز هو تركيا.
ويحظى مشروع "طريق التنمية" والصناديق الاستثمارية العراقية - التركية التي يرعاها الزيدي بمباركة أميركية كاملة. وترى واشنطن في هذا الخط البري الواصل إلى أوروبا وسيلة لربط العراق بالمنظومة الغربية، وتهميش "ممر الطوق والخطوط الموازية" الإيرانية. وبالتالي، يتحرك النفوذ التركي في العراق حالياً بدفع وضوء أخضر أميركيين واضحين.
تدرك بغداد أن طموحات أنقرة لا تتوقف عند التجارة، بل تمتد إلى هواجس أمنية في الشمال، تتصل بملف حزب العمال الكردستاني، وأطماع مائية وتاريخية. وإن استبدال إيران بهيمنة اقتصادية وأمنية تركية مدعومة أميركياً قد يضعف السيادة العراقية في مناطق الشمال ونينوى، تحت ذريعة الاستثمار ومحاربة الإرهاب.
والقلق من صعود نفوذ تركي تحت عباءة أميركية، أو من هيمنة مالية خليجية، هو قلق في غاية الواقعية والموضوعية. فالعراق، في هذه المرحلة، لا يواجه خطر المذهبية بقدر ما يواجه خطر "البلع الاقتصادي وإعادة صياغة الهيمنة الإقليمية".
ويعتمد النجاح في هذا الاختبار الصعب، بالدرجة الأولى، على مدى قدرة المفاوض العراقي على إبقاء خيوط اللعبة الاقتصادية بيد بغداد، ومنع أي طرف من احتكار قطاعات الدولة السيادية.
تجد أنقرة، في تراجع النفوذ الإيراني الذي تدفع باتجاهه إدارة ترامب وحكومة علي فالح الزيدي حالياً، مساحة حرة لتحقيق مكاسب استراتيجية. وتتقاطع عقلية ترامب، القائمة على تقليل الإنفاق العسكري الأميركي المباشر، مع الرغبة في تحجيم إيران.
وترى واشنطن في تركيا، العضو في حلف "الناتو"، القوة الإقليمية النظامية المؤهلة لموازنة النفوذ الإيراني في العراق وسوريا، من دون حاجة إلى نشر جيوش أميركية ضخمة في المنطقة.
فالمشاريع الاقتصادية، كـ"طريق التنمية"، ليست مجرد طرق تجارية، بل هي أدوات لإعادة رسم الخرائط السياسية. وإضعاف إيران يصب مباشرة في مصلحة المشروع التركي، الذي يسعى إلى التحول إلى "الممر الإجباري" للطاقة والتجارة بين الشرق والغرب، مستغلاً الغطاء الأميركي وحاجة حكومة بغداد الحالية إلى الاستقرار المالي.
وتتحرك تركيا بقوة لملء الفراغات الإقليمية الناتجة من تراجع النفوذ الإيراني وضغوط واشنطن، مستهدفة هذه المرة الساحة اللبنانية، عبر بوابة احتواء النفوذ الإيراني وموازنة الردع مع "إسرائيل".
اللقاء الاستراتيجي بين إردوغان ونواف سلام في إسطنبول
استقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في إسطنبول. وجاء هذا اللقاء لبحث صياغة "شراكة استراتيجية" جديدة تعزز الحضور التركي في لبنان. وكشفت تقارير صحافية، قبيل اللقاء، أن أنقرة تطرح تقديم دعم عسكري وسياسي واسع للجيش اللبناني، لتمكينه من ضبط الاستقرار. كما تحدثت عن استعداد تركي محتمل للمشاركة بقوة عسكرية كبيرة ضمن قوة دولية مقترح نشرها في جنوبي لبنان، كبديل من قوات "اليونيفيل"، لضمان تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار واحتواء أي تصعيد عسكري يقوده حزب الله.
وترى واشنطن في تركيا قوة إقليمية نظامية قادرة على ملء الفراغ السياسي والأمني في لبنان، لتلعب دور الضامن الأمني الذي يوازن بين قوى المقاومة الإسلامية ومصالح "إسرائيل" الأمنية.
وطرح الأتراك رؤية تهدف إلى دمج العمل الأمني تحت سلطة الدولة اللبنانية وحدها. ويتقاطع الحراك التركي مع مبدأ المسؤولية الحصرية للدولة اللبنانية، ما يشير إلى وجود دفع إقليمي - تركي، مدعوم من تحالف يضم عواصم عربية، هي الرياض والقاهرة والدوحة، لمحاصرة استقلالية سلاح حزب الله وحصر السلاح بأيدي المؤسسات الرسمية.
وكانت العلاقات التركية - اللبنانية قد شهدت بروداً لافتاً عقب توقيع لبنان اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع قبرص. وعارضت أنقرة هذه الاتفاقية بشدة، لأنها ترى فيها خرقاً لمصالحها في الطاقة والمياه الإقليمية لمصلحة قبرص واليونان.
وترى القوى السياسية القريبة من حزب الله أن الترتيبات البحرية القبرصية، والتنسيق العسكري الثلاثي الإسرائيلي - اليوناني - القبرصي لعام 2026، يصبّان، في النهاية، في مصلحة حماية حقول الغاز الإسرائيلية وتأمين خطوط إمداد الطاقة نحو أوروبا. لذلك، يحاول سلام في إسطنبول مراجعة هذه الاتفاقيات الخطرة وتعديلها، لضمان عدم استغلالها كأداة ضغط ضد لبنان.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً