المفاوضات الأميركية الإيرانية وفرص النجاح أو الفشل!
عدم وصول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى نتيجة حاسمة هو بسبب اختلاف أهداف وتوقّعات الطرفين اختلافاً جوهرياً. وكما هو الحال في معظم الحروب، يُعلن كلّ طرف نفسه منتصراً، لأنّ تعريف النصر يختلف من طرف لآخر. فبالنسبة لـ "إسرائيل"، يعني النصر القضاء على إيران كتهديد استراتيجي. ويمكن تحقيق ذلك إما بتغيير النظام أو بإضعاف إيران إلى الحدّ الذي لا تستطيع فيه بسط نفوذها في المنطقة.
أما بالنسبة لإيران، فمجرّد البقاء على قيد الحياة يُعدّ نصراً؛ إذ يكفيها مقاومة الهجوم وضمان استمرار النظام. في المقابل، تبدو الولايات المتحدة مستعدّة لعرض هذه التطوّرات على أنها نصر، بغضّ النظر عن النتيجة الفعلية.، وتزداد الأسواق العالمية زعزعة للاستقرار.
يمكن وصف نهج الرئيس ترامب في هذا الصراع بالثقة المفرطة الاستراتيجية، بل والغطرسة الصريحة. توقّع أنّ إيران، التي بدت ضعيفةً بفعل الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية، ستردّ بطريقة مماثلة لفنزويلا، لكنّ إيران أثبتت أنها خصم أكثر تعقيداً ومرونة مما كان متوقّعاً. من أبرز جوانب هذا الصراع بقاء القيادة السياسية الإيرانية.
تقدّم روسيا والصين، دعماً سرياً لإيران، بما في ذلك المساعدة الاستخباراتية. فإلى جانب الدعم عبر الأقمار الاصطناعية، نشرت الصين إحدى أحدث سفن الاستخبارات في العالم قبالة سواحل مضيق هرمز، فيما بدأت دول الخليج الغنية بالنفط تدرك من جديد أنّ الولايات المتحدة موّلت جميع حروبها من خلالها منذ أزمة النفط عام 1973.
ربما ساهم تصريح الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي قال لهم "أنتم لستم بحاجة إلى الولايات المتحدة، بل الولايات المتحدة هي التي تحتاجكم". شهدت إدارة ترامب في الولايات المتحدة تزايد تكلفة دعمها غير المشروط لـ "إسرائيل" عبر ارتفاع أسعار النفط، وهي بدأت تسعى لإيجاد مخرج يمكن تسويقه للناخبين. العقبة الأكبر في هذا الصدد ليست إيران، بل اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.
أدّى تدخّل قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان ومصر إلى جانب ضغوط من دول الخليج إلى تحوّل ملحوظ في استراتيجية الرئيس ترامب، حيث انتقل من التهديد بضربات عسكرية شاملة إلى "تأجيل" الهجمات وفتح باب المفاوضات.
أعلن ترامب تأجيل الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة 5 أيام لمنح فرصة للمفاوضات، بعد تحذيرات من أنّ استهداف هذه المنشآت سيؤدّي إلى ردّ انتقامي يطال حلفاء واشنطن في الخليج. بمجرّد إعلان ترامب عن وجود "محادثات إيجابية"، شهدت أسواق النفط والغاز تراجعاً فورياً بعد أن كانت قد ارتفعت بنسبة 40% منذ شباط/فبراير 2026. يواجه ترامب ضغوطاً متزايدة مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والوقود، مما يجعله أكثر ميلاً لتهدئة الصراع لضمان استقرار الأسواق.
لماذا يتمّ تعزير الوجود العسكري الأميركي
على الرغم من الحديث عن المفاوضات، قام ترامب بتعزيز الوجود العسكري لتحقيق أهداف محدّدة والهدف الأساسي هو ضمان تدفّق تجارة النفط العالمية بعد الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز من قبل إيران.
يهدف نشر القوات إلى ممارسة "أقصى درجات الضغط الميداني" لانتزاع تنازلات أكبر من إيران على طاولة الحوار. كذلك من أجل تعزيز الدفاعات حول القواعد الأميركية والمنشآت النفطية في دول الخليج (مثل قطر والسعودية والإمارات) التي تعرّضت لضربات إيرانية انتقامية.
إلّا أنّ تقارير تشير إلى أنّ البنتاغون يدرس خيارات لنشر قوات برية في جزيرة خرج الإيرانية مركز صادرات النفط لتأمينها أو تحييدها إذا فشلت المفاوضات. أدّى إغلاق مضيق هرمز فعلياً من قبل إيران إلى شلل في 20% من صادرات النفط والغاز العالمية، مما رفع الأسعار بنسبة كبيرة.
تخشى الدول الخليجية من أن تؤدّي الحرب إلى إعادة مراجعة استثماراتها الخارجية والتزاماتها المستقبلية بسبب الضغط المالي الناتج عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضدّ إيران، ويرى قادة الخليج أنّ سياسات ترامب (بما في ذلك التعريفات الجمركية) تهدّد مشاريعهم التنموية الطموحة وتؤدّي إلى هروب رؤوس الأموال وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. فهل فعلاً ترامب والبنتاغون جدّيان في وضع اليد على جزيرة خرج؟
إرسال 7,500 موزّعين على مجموعات برمائية وهي قوات متخصصة في عمليات "الاستيلاء على الجزر" وتأمين الشواطئ يعد أن نفّذت القوات الأميركية بالفعل غارات "تطهيرية" استهدفت الدفاعات الجوية، ومخازن الألغام، والقاعدة البحرية في الجزيرة، مع تجنّب استهداف البنية التحتية النفطية كطريقة لترك مجال للمفاوضات.
تضمّ الجزيرة محطة تصدّر 90% من النفط الإيراني؛ والسيطرة عليها تعني شلل الدولة الإيرانية مالياً بالكامل. يرى البيت الأبيض أنّ احتلال "خرج" سيعوّض توقّف الملاحة في مضيق هرمز، حيث يمكن للولايات المتحدة التحكّم في تدفّق النفط من المنبع وتأمين السفن. يهدف ترامب إلى استخدام التهديد باحتلال الجزيرة لانتزاع اتفاق شامل يتضمّن نزع السلاح النووي الإيراني وفتح المضيق، وهو ما وصفه بـ "العرض الكبير" الذي تلقّاه مؤخّراً.
إلّا أنّ ترامب يواجه تحذيرات من أنّ غزو الجزيرة قد يؤدّي إلى نتائج عكسية:
حذّرت إيران من أنها ستحوّل الخليج والبحر الأحمر إلى ساحة قتال شامل وتستهدف جميع المنشآت النفطية في دول المنطقة إذا تمّ المساس بـ "خرج". أيّ اشتباك مباشر للسيطرة على الجزيرة قد يرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية (فوق 100 دولار للبرميل)، مما يهدّد الاقتصاد العالمي وفرص الجمهوريين في الانتخابات النصفية الأميركية المقبلة.
إعطاء فرصة للدبلوماسية، يشير إلى أنّ خيار "وضع اليد" هو الملاذ الأخير إذا فشلت المحادثات الجارية في باكستان. إلّا أنّ ترامب يفضّل حالياً "الحصار أو التهديد بالسيطرة" لتحقيق أهدافه من دون التورّط في غزو بري مكلف قد يشعل حرباً إقليمية شاملة.
تبدو فرص النجاح في المفاوضات متأرجحة بنسبة 50/50، حيث يصطدم طموح ترامب في إبرام "صفقة القرن الإقليمية" بالخطوط الحمر الإيرانية والمخاوف الخليجية. يواجه ترامب ضغوطاً داخلية هائلة بسبب ارتفاع أسعار الوقود (التي زادت بنسبة 40%) وتأثيرها على شعبيته قبل الانتخابات النصفية. هو يحتاج إلى خفض الأسعار أكثر من حاجته إلى الحرب.
دخول تركيا وباكستان كوسطاء مع غطاء خليجي يوفّر ضمانات أمنية لا تستطيع واشنطن تقديمها وحدها، خاصة فيما يتعلّق بأمن الممرات المائية. ترفض طهران أيّ وجود عسكري أميركي دائم بالقرب من جزيرة خرج أو داخل مياهها الإقليمية، وتعتبر الوجود الأميركي "احتلالاً مقنّعاً".
فيما يضغط نتنياهو على إدارة ترامب لعدم الاكتفاء باتفاق "نفطي"، بل الإصرار على تفكيك كامل للبرنامج النووي ومنظومة الصواريخ، وهو ما تراه إيران "انتحاراً سياسياً" يمكن التوصّل إلى اتفاق "خطوة مقابل خطوة"؛ تبدأ بفتح مضيق هرمز وتجميد العمليات العسكرية مقابل رفع جزئي للعقوبات النفطية، مع تأجيل القضايا المعقّدة (النووي والصواريخ).
يعتمد النجاح على قدرة ترامب على "تجاوز" المطالب الإسرائيلية المتشدّدة مقابل الحصول على "تأمين طاقة" رخيص ومستقر. إذا ركّزت المفاوضات على الاقتصاد والملاحة، فالفرص مرتفعة. أما إذا توسّعت لتشمل تغيير سلوك النظام بالكامل، فالفشل هو الأكثر ترجيحاً.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً