قبل 3 سنە
هدى رزق
257 قراءة

التغيرات الجيواستراتيجية تفرض الحوار على دول المنطقة.

تحاول الولايات المتحدة الأميركية الابتعاد عن مشكلات الشرق الأوسط من أجل التفرّغ للتحديات الاقتصادية والسياسية مع الصين، لكنها تصطدم بالصراعات الجيوسياسية بين إيران والدول العربية، بالإضافة إلى المشكلات المتراكمة مع تركيا، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى حروب، ويساهم في إعادة تشكيل حركات متطرّفة جديدة، وذلك من أجل تعزيز النفوذ. كذلك، يمكن لتدخل الاحتلال الإسرائيلي في هذه الصراعات أن يؤدّي إلى ضرب الاستقرار الإقليمي وتعميق الانقسامات المجتمعية، في الوقت الذي تسعى كل من الصين وروسيا للتوسع في المنطقة.

 تُظهر الدول الخليجية عدم ثقة بأيّ ضمانات أمنية أميركية، فهي تعتبر أن الولايات المتحدة سمحت لإيران بالتوسع بصورة كبيرة في العالم العربي من خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، متناسيةً الدور الذي لعبته في وقوفها ضد نظام صدام حسين. كذلك، تنتقد هذه الدول سياسات باراك أوباما لأنها لم تُدرج كبح توسّع إيران الإقليمي ضمن الاتفاق النووي عام 2015.

ارتاحت دول الخليج إلى سياسات دونالد ترامب العدائية تجاه إيران، ولاسيما بعد انسحابه من الاتفاق النووي، وتنفيذه غارة جوية عبر طائرة من دون طيّار في العراق، عام 2020، أدّت إلى اغتيال كل من الحاج قاسم سليماني، قائد قوة القدس في حرس الثورة الإيراني، وأبي مهدي المهندس، القيادي في الحشد الشعبي، وتشديده العقوبات على الاقتصاد الإيراني بهدف إسقاط النظام. 

تعتبر كل من السعودية والإمارات، وحتى قطر، أن الحروب بالوكالة في العراق وسوريا فشلت، وتلوم هذه الدول إدارة أوباما بسبب عدم إطاحتها الرئيس الأسد ونظامه، وترى أن عدم إطاحة الرئيس السوري عزّز حلفاء طهران في دول أخرى، كلبنان واليمن والعراق، وأن العودة اليوم إلى محادثات فيينا هي بمثابة تتويج لخسارتها، ولاسيما أن الولايات المتحدة عازمة، بصورة جدية، على التوجّه نحو مصالحها الداخلية، وترتيب سياساتها تجاه كل من روسيا والصين، والابتعاد عن مشكلات الشرق الأوسط.

لم تنجح إدارة ترامب، التي راهن عليها أمراء الخليج، في ضرب ما يعتبرونه أجنحة إيران في المنطقة، بعد أن استشرست طهران في الدفاع عن أمنها، وصعّدت الاحتكاكات الإقليمية، وهاجمت ناقلات النفط في الخليج، وشنّت ضربات عسكرية في العراق طالت القوات الأميركية. ولم تتردّد في زيادة مخزونها من اليورانيوم المخصَّب، واكتسبت المعرفة النووية، الأمر الذي عزّز دورها على الرغم من الاعتداءات الإسرائيلية على مفاعلها النووي ومحاولات اغتيال العلماء الإيرانيين.

لا شكّ في أن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي لم يكن لخدمة مصلحة إيران، بل اعتقد ترامب أنه يفيد "إسرائيل" والسعودية، بينما وجّه الموقف الإيراني المتشدد اللوم إلى الإصلاحيين بسبب ثقتهم بتعهدات الأوروبيين، الذين أثبتوا أن سياستهم تخدم حصراً القرارات الأميركية. لذلك، عزّز المحافظون الإيرانيون قوتهم تزامناً مع فرض الإدارة الأميركية السابقة أدوات الضغط القصوى.

اتَّجهت الدول العربية إلى "إسرائيل" وطبّعت العلاقة معها ضمن "اتفاقيات أبراهام"، ووضعت "إسرائيل" نفسها بصورة مباشِرة في وسط الصراع الإقليمي المتنامي من خلال شنّ غارات جوية ضد القوات العراقية والسورية المتحالفة مع إيران، ونفّذت الاغتيالات والهجمات الإلكترونية، وقامت بالتخريب الصناعي لإبطاء البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية.

لم يمنع هذا الاصطفاف إيران والقوى المتحالفة معها من الصمود وتسجيل انتصارات في الحرب على اليمن وسوريا، ولم تنجح محاولة إضعاف الحشد الشعبي عبر الانتخابات التي جرى التشكيك فيها والمطالبة بالفرز اليدوي للتحقق من صدقيتها. فاز رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، وهو المقرب إلى طهران. أمّا السيد مقتدى الصدر، فعلى الرغم من طرحه مبدأ الوطنية العراقية، فإنه يبقى حليفاً استراتيجياً لإيران. 

تهدف حركة الإمارات العربية المتحدة تجاه تركيا اليوم إلى استعادة التحالفات السابقة بعد خلافات عصفت بين الحلفاء بعد إسقاط جماعة الإخوان المسلمين ورئيسها محمد مرسي في مصر. تطرح تركيا اليوم نفسها مدافعاً عن حقوق السنّة عبر وجودها العسكري في سوريا، بعد أن قدّمت نفسها نموذجاً للعالم العربي، وهي متحالفة مع دولة قطر، كما وقفت إلى جانبها وساندتها في إبّان خلافها مع السعودية، ولديها قاعدة عسكرية في الأراضي القطرية. سعت حكومة إردوغان لفرض نفوذها في العراق. وقفت ضد نفوذ إيران في سوريا، لكنها لم تستطع أن تضاهيها قوةً على الأرض، إلاّ أن قدراتها العسكرية والاقتصادية وموقعَها وطموحاتِها أهّلتها لأداء دور في منطقة الشرق الأوسط. وهي تحاول أداء دور في لبنان عبر شركات التنمية التابعة لها، وعبر سياستها الناعمة والداعمة للسنّة في منطقة الشمال اللبناني القريبة من شماليّ قبرص، والعمل من أجل مصالحها في شرقي المتوسط. وهي في صدد إعادة العلاقات المتينة بـ"إسرائيل".

كانت المملكة العربية السعودية لوّحت بالتخلي عن لبنان، لكنها تخشى إخلاء موقعها لتركيا، فهي لا تثق بها، وترى أن التحالف مع مصر يقوّي الأمن القومي العربي. تبحث الدول العربية عن استراتيجيات جديدة لحماية مصالحها، ولاسيما بعد الحديث عن تقليص الوجود العسكري الأميركي في العراق، ورغبة الإدارة الأميركية في إنهاء الحروب في المنطقة، الأمر الذي يحتّم على هذه الدول إجراء حوارات مع إيران.

بعد تطبيعها العلاقات بـ"إسرائيل"، تخشى الإمارات العداء المستحكم بين طهران و"تل أبيب"، التي هدفت إلى أن تكون موجودة عند الحدود الإيرانية من خلال هذه العلاقة. ترى إيران أن الإمارات أخطأت في استراتيجيتها، ووضعت أمنها على المحك. لذلك، تكتسب المحادثات الإيرانية الإماراتية أهمية أمنية قصوى.

فيما يخص السعودية، فإيران تريد التطبيع الكامل للعلاقات معها. اجتمع الطرفان، وحدّدا الخطوات الأولى المحتملة في التقارب. من جهة أخرى تطالب إيران واشنطن بالجدية وعدم التراجع عن اتفاقاتها كما حدث مع ترامب، من خلال المحادثات التي تعقد في فيينا من أجل العودة إلى الاتفاق النووي. هذه هي النقطة الأبرز في المحادثات.

فشلت الولايات المتحدة في سياساتها تجاه إيران منذ واحد وأربعين عاماً، وأدارت الصراعات على نحو يراعي مصالحها ومصالح "إسرائيل" ضاربة بعُرض الحائط مصالحَ دول المنطقة، واستخدمت الإسلام السياسي مطيةً لأهدافها. ضربت النسيج الاجتماعي العربي، وساهمت مع "إسرائيل" في العمل على التناقضات المذهبية والإثنية، وإشعالها. فهل يمكن لدول المنطقة أن تنجح في لملمة مشكلاتها، انطلاقاً من مصالحها الاستراتيجية، بغضّ النظر عن المصالح الأمنية والسياسية والاستراتيجية الأميركية، والتي ستبقى جاثمة فوق رؤوسها. 

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء و التوصيفات المذكورة.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP