قبل 3 سنە
هدى رزق
418 قراءة

الوساطة المصرية في غزة و تحييد الدور التركي.

وجدت السياسة التركية نفسَها، عشيةَ الحرب على غزة، في مأزق. فهي تحاول التطبيع مع "إسرائيل" وتسعى لاستعادة العلاقة التي كانت سائدة قبل عام 2010، والتي استمرت على الصعيد الاقتصادي وتراجعت على الصعيدين السياسي والاستخباريّ. 

تركيا نصَّبت نفسها مدافعاً رئيساً عن مصالح الفلسطينين، عبر دعمها حركة "حماس "، وقامت في إثْر المعارك في غزة بحثّ العالم والدول الإسلامية على اتخاذ إجراءات ضد الهجمات الإسرائيلية على المسجد الأقصى والقدس ومنازل الفلسطينيين، وأجرت اتصالات برؤساء الدول الإسلامية والعربية. في الأزمات الإسرائيلية الفلسطينية السابقة، كان الأداء التركي متميِّزاً، بحيث استطاعت عام 2017 عقدَ قمة منظمة التعاون الإسلامي بعد إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب القدسَ عاصمةَ "إسرائيل"، وقامت بجهود دبلوماسية، عبرالجمعية العامة للأمم المتحدة.

يُعتقد في الأوساط العربية والغربية أن العلاقات المتوازنة التي كانت سائدة بين "إسرائيل" وتركيا سمحت لأنقرة بأداء دور فعّال. أمّا اليوم، فيسود العلاقةَ نوعٌ من الجمود بين الجانبين، ويُعوَّل على الرئيس الأميركي جو بايدن من أجل تحسينها، إلاّ أن أنقرة تعود إلى خطابها القديم، عند ظهور توترات بين الفلسطينيين و"إسرائيل". فـ"إسرائيل" منزعجة من السماح لأعضاء "حماس" بالعمل واللجوء إلى تركيا، وتريد من أنقرة مراجعة موقفها، إلاّ أن الحكومة التركية أصدرت بيانات تُدين "إسرائيل" واعتداءاتها على القدس وغزة.

مصر تُصادر الوساطة بين "إسرائيل" والفلسطينيين
لم يتأخَّر الرئيس الأميركي جو بايدن في الاتصال بالرئيس المصري للإعراب عن امتنانه الصادق للسيسي وفريق الوساطة المصري، اللَّذين أدَّيا دوراً حاسماً في الوصول إلى اتفاق الهدنة. كان الرئيس السيسي يفتقد التواصل مع الرئيس الأميركي، فكانت الحرب في غزة ملائمة لإعادة الاتصالات. وعبّر عن سعادته في تلقّي اتصال بايدن، وشكره على دوره في "إنجاح اتفاق وقف إطلاق النار"، وأكد عمق العلاقات الاستراتيجية ومتانتها بين مصر والولايات المتحدة. كذلك فعل زعماء أوروبيون وإقليميون آخرون، وأشادوا بالسيسي ودور مصر، في إشارة إلى الاعتراف بمكانتها قوةَ استقرار في الشرق الأوسط.

شعرت تركيا بعقدة نقص حيال هذا الأمر. فلطالما عدَّت أنقرة نفسها أحدَ اللاعبين الجيوسياسيين الرئيسيين في القضية الفلسطينية، والآن، يتم استبعادها عملياً من هذا الاتجاه. وعزَّزت الوساطة الناجحة مكانة مصر، فهي وجدت في أحداث حيّ الشيخ جرّاح فرصة في إعادة إثبات وجودها السياسي، نتيجة ما تمتلكه من أوراق للتأثير في حركات المقاومة في غزة، واستفادت مما حدث بعد أن تضرَّرت من قطار التطبيع بين "إسرائيل" ودول الخليج، بسبب ما له من تأثيرات اقتصادية وسياسية فيها.

ثبتت "إسرائيل"، من جهتها، الوساطة المصرية بعد الإصرار الأميركي على ضرروة وقف إطلاق النار. بايدن الذي أعطى "إسرائيل" فرصة لاستكمال عدوانها، أعرب عن عدم استطاعته تغطيتَها بعد أن أثارَ القصف الوحشي غضب مجموعات من الحزب الديمقراطيّ، وبعد أن عمَّت التظاهرات أرجاءَ العالم. كما أنه رأى أنه لن يُمكنها إنجاز أيّ انتصار في ظل وحدة الفصائل الفلسطينية، والإصرار على اتِّباع سياسة العين بالعين. لم يجد نتنياهو مفرّاً من قَبول وساطة القاهرة في النهاية لوقف إطلاق النار.

استغلّت مصر تمدُّد صواريخ المقاومة إلى حيث منصات الغاز الطبيعي الإسرائيلية في مياه شرقيّ المتوسط، حيث مشروع "الإيست ميد" لتصدير الغاز إلى اوروبا، من أجل إثبات وجود مصلحتها المشتركة مع "إسرائيل" في وقف التدهور العسكري. فهي شريك في هذا المشروع. كما أن من المهم لها استعادة الملف الفلسطيني بعد أن ابتعدت عنه، وحوَّلته إلى ملف أمني وغير سياسي.

أسباب تراجع الدور التركي على الرغم من غطاء "حماس"
كان إسماعيل هنية، القياديّ في حركة "حماس" صرّح قبل شهر ونيف من المعارك، أيْ في بدايات التقارب التركي المصري في نيسان/أبريل 2021، بأن العلاقة بين مصر وتركيا ستخدم القضية الفلسطينية، مشيداً بجهود المصالحة بين البلدين الرئيسيين. ووصف تركيا ومصر وإيران والسعودية بأنها "دول مركزية" تؤدي "دورًا استراتيجياً" في المنطقة، مضيفاً أن أي تفاهم بينها يخدم مصالح فلسطين وشعوب المنطقة. وقال إن أيّ صراع بين الدول العربية والإسلامية يؤثّر سلباً في قدرات الأمة، ويضرّ القضية الفلسطينية، ويوفّر للكيان الصهيوني فرصة ذهبية من أجل متابعة مشاريعه القائمة على الضمّ والتهويد. وأشاد بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان، لافتاً إلى أن دور تركيا تجاه فلسطين والقدس أساسي.

إلاّ أن التداعيات الاستراتيجية للقتال أظهرت أن تركيا، بعد سنوات طويلة من عرض القوة، في محاولة لاعتبارها قوةً إقليمية في الشرق الأوسط والساحة الدولية، أثبتت عدم فعاليتها في كل من المجال العسكري، وإطار صنع السلام. وكان الشارع التركي ومواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى المواقع الإسلامية التركية، ندَّدت كلها بالقصف الإسرائيلي. 

سعى الرئيس التركي لاستعادة ثقة الشارع الإسلامي الأربكاني، والذي بدأ ينتقد سياسة الحكومة، ولاسيما أن استطلاعات الرأي دلَّت على تراجع كبير في شعبية الرئيس، بعد فشل حكومته في درء خطر جائحة كورونا، التي استحكمت في تركيا وعدم الاستعجال في استيراد اللقاح، وأيضاً بسبب التراجع الاقتصادي على نحو كبير، وأزمة البِطالة، وبروز فضائح كبرى عن ارتباط مافيات التهريب والمخدرات ببعض أعضاء الحكومة، والتسهيلات المتبادلة بين الطرفين، وموقف المعارضة من الصلاحيات الدستورية التنفيذية، والتي تمنع المحاسبة في البرلمان.

جميع هذه المشكلات جعلت رد فعل الرئيس التركي من أجل توجيه الرأي العام غيرَ متوازن بالنسبة إلى الأميركيين، حيث استخدم إردوغان الخطاب الديني من أجل حشد أنصاره في محاولة منه لتشتيت الأنظار بعيداً عن المشكلات التي تعانيها البلاد. كما أثار وصف الرئيس التركي لنتنياهو بأنه "يهودي"، بدلاً من "إسرائيلي"، اللومَ الأميركي، والذي رأى أن تعبير الرئيس هذا "مُعادٍ للسامية"، ووجد الناطق باسم الخارجية الأميركية أنه "مستهجَنٌ"، وحثّ إردوغان والقادةَ الأتراك الآخرين على "الامتناع من التصريحات التحريضية"، داعياً تركيا إلى "الانضمام إلى الولايات المتحدة في العمل على إنهاء الصراع". وحرص على التنبيه إلى أن الولايات المتحدة ملتزمة بشدة محاربةَ معاداة السامية، في جميع أشكالها.

هي المرة الأولى التي يُتَّهَم فيها إردوغان بمعاداة السامية، مع أنه كان يستخدم سابقاً لغةً غير ملائمة، إلاّ أنَّ الجالية اليهودية في تركيا، اعتبرت، في حركة لافتة، أن إردوغان لم يقصد الإساءة إلى اليهود.

تعي الأقلية اليهودية التركية، والتي لها مصالح اقتصادية قوية في البلاد، أن التعاطف مع الفلسطينيين قويّ في تركيا، ويتخطى الخطوط الأيديولوجية التي تعرب عنها القوى الموالية للحكومة، وكذلك المعارضة، على حدّ سواء، بشأن الخسائر المدنية المتزايدة والناتجة عن الهجمات الإسرائيلية المستمرة على غزة.

إلى أي مدىً يمكن لتركيا الاقتراب من "إسرائيل" ضمن شروطها، ومن دول العالم العربي، التي تحاول أنقرة استعادة العلاقة بها، في ظل شروط هذه الدول فيما يتعلق بإبعادها عن التدخل في سوريا وليبيا، والانسحاب منهما. وهذا يعني ضرب كل ما تعتبره "تركيا إردوغان" إنجازاتٍ حققتها في السنوات العشر الماضية. لا شكّ في أن الوقت حان لحسم الرئيس التركي رؤيته إلى موقع تركيا الاستراتيجيّ، لأن اللعب الذي كان يمارسه على حبل تناقضات الدول الكبرى، من أجل الحصول على مكتسبات، انتهى زمنه، وحان وقت الحسم بين الجد واللعب والتموضع. فهل سيقبل بالعودة خائباً تحت جناح بايدن، الذي يبدو منتقماً لفترة حكم باراك أوباما؟

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP