قبل 13 ساعە
هدى رزق
16 قراءة

تركيا بعد النجاح في قمة "الناتو" وماهيّة الدور في غرب آسيا

كما كان متوقعاً استطاعت تركيا في ظل أزمات الناتو مع الرئيس ترامب وفي ظل حاجة الدول الأوروبية الى التسلح وفي خضمّ أزمات المنطقة في غرب آسيا بسبب الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران وحلفائها في لبنان والوضع في سوريا، من حصد مكاسب سياسية وعسكرية استثنائية.

وبفضل الاستقبال الحار للرئيس الأميركي دونالد ترامب ولعب دور الوسيط بينه وبين دول الناتو استطاع إردوغان الحصول على ما كان يصبو إليه.

 مكتسبات أنقرة الأساسية: تمتين العلاقة مع الولايات المتحدة 
وعد ترامب إردوغان بإلغاء عقوبات "كاتسا" التي فرضتها واشنطن سابقاً على تركيا، لكنها مشروطة بموافقة الكونغرس، ورفع الحظر عن بيع مقاتلات شبحية من طراز F-35 ومحركات F-110 بعد أن كانت تركيا قد دفعت ثمنها بالكامل لكن حُرمت منها بسبب استيرادها الS 400 من روسيا.

تم الإقرار بدور الشركات التركية في إنتاج السلاح بأسعار تنافسية وسرعة فائقة. نظراً لوجود شركات إنتاج السلاح في تركيا، ولا سيما بالنسبة لدول الناتو مع رغبة أوروبا في بناء قدرات دفاعية مستقلة والاعتماد على الذراع العسكرية واللوجستية لأنقرة في ظل تقلّب السياسة الأميركية، وبذلك استطاعت تركيا تثبيت أهميتها كثقل أمني للجناح الجنوبي لدول الناتو بامتلاكها ثاني أكبر جيش في الحلف.

 صاغت تركيا علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن، في ظل الخلافات بين الناتو والولايات المتحدة من جهة وفي ظل حاجة ترامب وبلاده إلى موقعها بين روسيا وإيران في ظل الحروب التي يعيشها البلدان.

اقتنعت الدول الأوروبية بضرورة رفع القيود المفروضة على تجارة الصناعات الدفاعية البينية من دون شروط. 

وحصلت على مرونة أوروبية أكبر لشراء مقاتلات يوروفايتر لتعزيز سلاحها الجوي. والحصول على منظومة الدفاع الجوي الصاروخي.

العلاقة في الناتو : نجاح اقتصادي أمني وسياسي
وقّعت تركيا إلى جانب 11 دولة أوروبية (منها بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، وإسبانيا) على التزام باستثمار أكثر من 50 مليار دولار لتطوير قدرات الضرب الصاروخي الدقيق بعيد المدى. شهد "منتدى الصناعات الدفاعية" المدمج بالقمة توقيع اتفاقيات توريد فورية تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، الاستفادة في الطائرات المسيرة من مبادرة "ناتو درون إيدج" المشتركة البالغة قيمتها 40 مليار دولار لتطوير الأنظمة غير المأهولة. 

وثيقة شراكة أمنية ودفاعية إستراتيجية مع بريطانيا لتعزيز التعاون الصناعي والعسكري بين البلدين.

ثبّتت تركيا دورها القيادي في المنظومة الأوروبية للحلف؛ حيث ستستمر في قيادة بعثة "كفور" (KFOR) في كوسوفو، وتستعد لقيادة قوة رد الفعل الحليفة التابعة للناتو لعامي 2028 و2029.

كرّست القمة على استحواذ تركيا على 67.5% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة لدول الناتو (ما يعزّز الاستقرار المالي لأنقرة) بهذا تكون تركيا قد بدأت بحلحلة أزمتها المالية.

ورسّخت تركيا مكانتها كـ "ركيزة معتمدة ووحيدة لحلف الناتو في منطقة غرب آسيا" وذلك استناداً إلى عدة معطيات استراتيجية وجيوسياسية حاسمة كونها الدولة العضو الوحيدة في الناتو التي تقع جغرافياً في غرب آسيا وتملك حدوداً مباشرة مع مراكز الصراع الإقليمية (سوريا، العراق، وإيران)، ما يجعلها القاعدة الأمامية الإلزامية لأي تحرك للحلف. جرت استعادة الأهمية الاستراتيجية الفائقة لقاعدة "إنجرليك" في جنوب تركيا كمركز القيادة لإدارة العمليات ومراقبة الأجواء في منطقة غرب آسيا.

وفي ظل توجه ترامب إلى تقليص التزاماته العسكرية الخارجية والتركيز على مواجهة الصين، تبرز تركيا كالقوة العسكرية الأكبر والأكثر قدرة داخل الناتو لملء هذا الفراغ وحماية المصالح الغربية في المنطقة،حيث تمتلك ثاني أكبر قوة عسكرية بشرية في الحلف بعد أميركا، ما يمنحها القدرة على فرض الاستقرار والردع الإقليمي من دون الحاجة للاعتماد على قوات أوروبية أو أميركية فوق الأرض.

ومع تحول تركيا إلى مركز تصنيع وتوريد معتمد للناتو؛ ستمتلك القدرة على إنتاج الذخائر، الطائرات المسيرة والأنظمة الصاروخية بتكلفة منخفضة وسرعة فائقة، ما يسهّل إمداد أي عمليات للحلف في المنطقة.

وبما أنها تمتلك القدرة على التوسط مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية؛ فهي تجمع بين عضوية الناتو والعلاقات الاستراتيجية مع روسيا، الصين، ودول الخليج العربي، ما يجعلها معتمدة للحلف لحل أزمات غرب آسيا. حيث وضعت ملفات إيران، سوريا، والموقف الإسرائيلي على رأس الأولويات الجيوسياسية للحلف، وسط معادلات ميدانية متسارعة. 

النجاح في الملف السوري والمنافسة مع "إسرائيل" 
اعتُبر الملف السوري قصة نجاح لأنقرة ودمشق والولايات المتحدة على هامش قمة أنقرة بعد إعلان ترامب رسمياً عن بدء إجراءات إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو تحول جوهري يمهد لإعادة دمج دمشق دولياً واقتصادياً. واعترفت واشنطن علناً بقدرة أنقرة الفائقة على قيادة وضبط الاستقرار السياسي والأمني داخل سوريا، ما يعزز النفوذ التركي الاستراتيجي في دمشق.

وفيما تعيش العلاقات التركية الإسرائيلية حالة من التنافس الجيوسياسي والصدام الدبلوماسي المباشر، حيث شنّ إردوغان هجوماً عنيفاً واصفاً الهجمات الإسرائيلية في سوريا ولبنان بأنها "تهديد مباشر لأمن تركيا يمتد من حلب إلى دمشق وبيروت"، فيما ردّ نتنياهو كان متسماً بالهجوم الشخصي والاتهامات المتبادلة. 

الثقل الذي تكتسبه تركيا عبر الناتو يثير قلق "إسرائيل" التي ترى أن مساعي تركيا لبناء دولة سورية قوية ومركزية تحت نفوذها يتناقض ومصالحها في الجنوب السوري وسعيها لإضعاف جيرانها. شكّل إعلان ترامب وتوقعه لـ انسحاب "إسرائيل" القريب من جنوب لبنان قيداً إضافياً على طموحات "تل أبيب" العسكرية، ما يعزز الرؤية التركية لضرورة فرض التهدئة ووضع حد لتعديات "إسرائيل". 

العلاقة مع إيران بين الردع العسكري والتحذيرات 
دعت القمة طهران إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز، مع التأكيد المطلق على منع طهران من امتلاك سلاح نووي. فيما أعلن إردوغان استعداد تركيا للمشاركة في عمليات كسح وإزالة الألغام في مضيق هرمز لحماية إمدادات الطاقة العالمية ضمن جهود غربية منسقة. 

إقرار تطوير المنظومة الصاروخية الأوروبية جاء كردّ على الصواريخ البالستية الإيرانية. تنظر طهران لمخرجات قمة الناتو في أنقرة بمزيج من الرفض والتوجّس وتحديداً حيال أي دور تركي متصاعد في لبنان، مستندة إلى خطوط حمر استراتيجية ومعادلات ميدانية جديدة.

استنكرت المناخ العام الذي ساد القمة مع إعلان ترامب انتهاء مذكرات التفاهم الموقعة مع طهران، وترفض الأخيرة العرض التركي والمبادرات الأوروبية لنشر كاسحات ألغام أو قوات بحرية في مضيق هرمز، وأكدت أن الإدارة الإيرانية بالتنسيق مع سلطنة عُمان هي المسار الشرعي والآمن الوحيد للملاحة.

ترى طهران أن الناتو يحاول استخدام الضغط العسكري لمنعها استعمال استقرار أسواق الطاقة كأوراق ضغط قبيل المفاوضات الشاملة المرتقبة لانتزاع مكاسب ماليّة.

الموقف الإيراني من حراك تركيا تجاه لبنان
تلعب أنقرة دوراً معقداً يتأرجح بين صراع النفوذ والتقاطعات المصلحية بعد أن طرحت بالتنسيق مع الإدارة الأميركية والدول العربية مبادرات تركز على "معالجة ملف السلاح خارج إطار الصراع" وتقوية مؤسسات الدولة اللبنانية لتطبيق اتفاق الطائف. هذا المسار يهدف ضمناً إلى تقليص النفوذ المسلح لحليف إيران حزب الله تواجهه برفض صارم وتعتبره خطاً أحمر لن تسمح بتجاوزه.

لكنها تتقاطع مع أنقرة في التوجّس المشترك من التمدد العسكري الإسرائيلي؛ فأنقرة ترى في صمود حلفاء إيران في لبنان حاجزاً جغرافياً واستراتيجياً يمنع "إسرائيل" من إعادة رسم الخرائط والوصول إلى الحدود التركية الجنوبية. ترحّب طهران بأي ضغط تركي-أطلسي على "تل أبيب" يجبرها على الالتزام بالانسحاب من جنوب لبنان ووقف الاعتداءات لتثبيت قواعد الاستقرار الإقليمي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP