قبل 17 ساعە
هدى رزق
15 قراءة

الانقسام العربي تجاه إيران هل من أمل في اتفاق إقليمي؟

يتوزّع الانقسام العربي تجاه إيران تاريخياً وحاضراً بين جبهات متعدّدة، فالصراع لم يقتصر على المواجهات المباشرة، بل شمل الدعم اللوجستي واستضافة القواعد العسكرية الأميركية التي استُخدمت كمنطلقات رئيسية للعمليات وضبط النفوذ الإقليمي. 

تاريخياً، خاض العراق وحده مواجهة عسكرية مباشرة ونظامية ضدّ إيران في حرب الخليج الأولى (1980 - 1988). وحظي العراق حينها بدعم مالي ولوجستي وسياسي واسع من عدة دول عربية، أبرزها المملكة العربية السعودية والكويت والأردن.

على الجانب الآخر من الانقسام، شذّت سوريا وليبيا عن الموقف العربي العامّ، حيث اصطفّتا سياسياً وعسكرياً إلى جانب إيران ضدّ العراق. قدّمت واشنطن ضمانات أمنية صارمة بحماية عروش وأنظمة دول الخليج، إلى جانب تقديم إعفاءات من الديون ومساعدات اقتصادية لبعض الدول المشاركة كمصر.

 شاركت تسع دول عربية بقوات عسكرية ميدانية أو بتقديم تسهيلات عسكرية وقواعد مباشرة لإدارة العمليات الحربية ضدّ القوات العراقية، وهي السعودية والكويت ومصر وسوريا والمغرب ودول الخليج الأخرى (الإمارات، البحرين، قطر، وعُمان)، شاركت في التحالف الدولي. إلّا أنّ الأردن رفض التدخّل العسكري الأجنبي وطالب بحلّ الأزمة داخل "البيت العربي"، كذلك منظمة التحرير الفلسطينية، أعلن رئيسها ياسر عرفات موقفاً مؤيّداً للعراق، أما اليمن فهو صوّت ضدّ قرارات استخدام القوة العسكرية، ودعا إلى انسحاب متبادل وحلّ سلمي، إضافة إلى السودان وليبيا وموريتانيا والجزائر وتونس.

أما الدول الإقليمية كإيران وبالرغم من عدائها الشديد لنظام صدام حسين، فرفضت التدخّل العسكري الأميركي في المنطقة واعتبرته تهديداً طويل الأمد لأمنها. فيما أيّدت تركيا التحالف وسمحت للطائرات الأميركية باستخدام "قاعدة إنجرليك" الجوية لشنّ غارات مكثّفة على شمال العراق.

الدول العربية في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران
تضمّ منطقة الخليج والشرق الأوسط شبكة واسعة من القواعد العسكرية الأميركية منذ الحرب على العراق عام 1991.

هذه القواعد أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من معادلة الصراع والدفاع الجوي المشترك؛ قطر تضمّ قاعدة العديد الجوية، وهي أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط ومقر القيادة المركزية الأميركية الأمامية.

البحرين تستضيف مقر الأسطول الخامس الأميركي في الجفير، وهو المسؤول عن تأمين الممرات المائية والملاحة البحرية في الخليج ومضيق هرمز وضبط التحرّكات الإيرانية.

الكويت تضمّ معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية، حيث يوجد آلاف الجنود الأميركيين كأكبر تجمّع عسكري بري في المنطقة.

أمّا الإمارات العربية المتحدة فهي تضمّ قاعدة الظفرة الجوية وميناء جبل علي، وتُستخدم الطائرات الأميركية المتمركزة هناك في عمليات الاستطلاع والدعم الجوي.

تضمّ المملكة العربية السعودية قاعدة الأمير سلطان الجوية، التي أُعيد تفعيل الوجود الأميركي فيها لتعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، باتريوت.

ويضمّ الأردن منشآت وقواعد تدريبية ولوجستية أميركية، وتؤدّي قاعدة البرج دوراً أساسياً في عمليات المراقبة والاعتراض الصاروخي الإقليمي.

وفي العراق توجد قوات أميركية تحت إطار التحالف الدولي في قواعد مثل عين الأسد وقاعدة الحرير، وتتعرّض هذه القواعد باستمرار لضربات من الفصائل المسلحة الموالية لإيران. 

اتخذ الصراع أبعاداً ميدانية مباشرة عقب الهجمات والضربات الجوية واسعة النطاق التي شنّتها الولايات المتحدة و"إسرائيل". ورداً على ذلك، استهدفت إيران بشكل مباشر القواعد الأميركية الموجودة في دول الخليج (مثل قطر والكويت والإمارات والبحرين والسعودية) إضافة إلى الأردن والعراق عبر رشقات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

تسبّب ذلك في تفعيل أنظمة الدفاع الجوي بتلك الدول للتصدّي للمقذوفات الإيرانية حمايةً لأراضيها وللقواعد المستضافة، فتحوّلت بوصلة الصراع في الشرق الأوسط من "العداء العربي-الإسرائيلي" إلى "العداء العربي-الإيراني"، وصولاً إلى التطبيع والتنسيق العسكري الأمني الحالي، ما يمثّل أحد أكثر التحوّلات الجيوسياسية تعقيداً. 

على ماذا يرتكز هذا التحوّل المتماهي مع السياسة الأميركية – الإسرائيلية ؟
ترى دول عربية، ولا سيما الخليجية، أنّ إيران نجحت في بسط نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة، ممّا جعلها تهديداً وجودياً مباشراً على حدودها، والتقت المصالح الخليجية والإسرائيلية عند نقطة واحدة: اعتبار برنامج إيران النووي، وترسانتها من الصواريخ الباليستية والمسيّرات، الخطر الأكبر على أمن الطرفين.

هذا التطابق دفع بالتحوّل نحو "إسرائيل" كحليف عسكري تكنولوجي قادر على مواجهة طهران. بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، والردّ الباهت على استهداف منشآت أرامكو السعودية عام 2019، شعرت دول الخليج بحاجة لبناء تحالفات إقليمية جديدة وأكثر حزماً، فكانت "إسرائيل" البديل العملي المتاح للتكامل الدفاعي، إضافة إلى صعود قيادات شابة في الخليج تركّز على الرؤى الاقتصادية المستقبلية وتصفير الأزمات السياسية، مما جعلها ترى في العلاقات مع "إسرائيل" بوابة للاستثمار والتكنولوجيا والأمن، وتجاوزاً للقيود الأيديولوجية القديمة للقضية الفلسطينية.

وقّعت الإمارات العربية المتحدة والبحرين "اتفاقيات إبراهيم" للسلام مع "إسرائيل" برعاية أميركية كاملة في العام  2020، تبعهما المغرب والسودان. لم يكن الاتفاق مجرّد سلام دبلوماسي، بل ركّز منذ البداية على الشراكة الأمنية والاستخباراتية والتكنولوجية لمواجهة التهديدات المشتركة، إيران وحلفائها.

بدأت الجيوش في كلّ من الإمارات والبحرين في المشاركة علناً بمناورات بحرية وجوية مشتركة مع القوات الإسرائيلية تحت إشراف القيادة المركزية الأميركية في البحر الأحمر والخليج، لتدريب الدفاع الجوي على صدّ الهجمات بالمسيّرات.

تجلّى هذا التحوّل في المواجهات العسكرية المباشرة التي شهدتها المنطقة بين إيران وأميركا و"إسرائيل"، حيث ظهر شكل جديد من التحالف العسكري الإقليمي المشترك، دمجت الولايات المتحدة "إسرائيل" مع أنظمة الدفاع الجوي لبعض الدول العربية (الأردن، السعودية، والإمارات) تحت مظلة رادارات موحّدة لإحباط أيّ هجمات إيرانية.

أما الضربات الصاروخية والمسيّرات الواسعة التي وجّهتها إيران مباشرة نحو "إسرائيل"، فتصدّت لها أطراف عربية بشكل مباشر أو غير مباشر في الأردن مما صبّ عسكرياً في مصلحة حماية الأراضي الإسرائيلية. كذلك وفّرت دول الخليج معلومات استخباراتية فورية عبر راداراتها للقيادة الأميركية، وفتحت مجالاتها الجوية للطائرات الاعتراضية الأميركية والبريطانية لتتبّع وإسقاط المقذوفات الإيرانية قبل وصولها إلى هدفها. تحوّل الصراع من صراع وجودي عربي-إسرائيلي إلى تحالف دفاعي يضمّ "إسرائيل" ودولاً عربية في مواجهة إيران، مدفوعاً ببراغماتية سياسية ترى في طهران الخطر الأقرب، وفي "تل أبيب" الشريك الأمني الأقوى.

ادّعت الدول العربية أنها لم تشارك في الحرب على إيران لكنها عملياً شاركت وشجّعت لكنها اشتكت من الردّ الايراني الفاعل الذي ضرب كلّ القواعد العسكرية الأميركية بحسب تقريرَي "السي أن أن" و"النيويورك تايمز".

وعكست الفجوة بين البيانات الرسمية العربية والتقارير الصحفية الغربية والمسؤولين الإسرائيليين المعضلة الأمنية والسياسية الحساسة التي تعيشها دول الخليج والأردن، هذه الدول وجدت نفسها بين مطرقة الالتزامات الدفاعية مع واشنطن، وسندان الرغبة في تجنّب حرب إقليمية مدمّرة مع طهران تؤدّي إلى حرق منشآتها النفطية والحيوية، ومشاريعها السياحية والاستثمارية.

كانت الحسابات الخليجية والأردنية لردّ الفعل الإيراني غير متناسبة مع ما جرى حيث أثبتت إيران قدرتها على تجاوز جزئيّ لمنظومات الدفاع الجوي عبر استراتيجية "الإغراق الصاروخي"، إطلاق مئات المسيّرات والصواريخ الباليستية في وقت واحد.

شملت الضربات الإيرانية استهدافاً مباشراً ومركّزاً للقواعد العسكرية التي تضمّ جنوداً وطائرات أميركية في المنطقة، مما تسبّب في أضرار هيكلية وبنية تحتية معقّدة. الردّ الإيراني بعث برسالة ميدانية واضحة مفادها أنّ أيّ منشأة عسكرية أميركية في المنطقة، أو أيّ دولة تسهّل عمل هذه القواعد، ستكون هدفاً مشروعاً ومباشراً للصواريخ الباليستية الإيرانية.

عبّرت العواصم الخليجية عن استيائها الشديد خلف الكواليس من واشنطن و"تل أبيب" فهي لم تحصل على ضمانات أمنية أميركية ملزمة وقاطعة (مثل المادة الخامسة لحلف الناتو) تحمي أراضيها من القصف "الانتقامي" الإيراني.

أما "إسرائيل" فهي تجاهلت أنّ دول الخليج هي من سيدفع الثمن الأكبر اقتصادياً وأمنياً بسبب قربها الجغرافي من إيران. تحاول دول الخليج اليوم ممارسة لعبة توازن دقيقة للغاية: الالتزام التقني بمطالب الحليف الأميركي أمنياً واستخباراتياً، مع إرسال رسائل تطمين دبلوماسية مستمرة لطهران وتكثيف قنوات الاتصال المباشرة معها لتأكيد رغبتها في تحييد نفسها عن أيّ مواجهة هجومية مباشرة.

 ترتبط معظم الدول العربية (ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر) باتفاقيات أمنية وعسكرية استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة منذ عقود. هذه الاتفاقيات تشمل مبيعات أسلحة متطوّرة، تبادلاً استخباراتياً، واستضافة قواعد عسكرية.

هل من إمكانية لاتفاقات إقليمية كما تدعو إيران؟
تصنّف الولايات المتحدة إيران كخصم رئيسي في المنطقة. بناءً على ذلك، يعتبر دخول أيّ حليف رئيسي لأميركا في تحالف عسكري أو استراتيجي مع طهران مرفوض في واشنطن وسيؤدّي فوراً إلى تجميد صفقات السلاح، ووقف الدعم الاستخباراتي، وربما فرض عقوبات اقتصادية.

فيما تطرح إيران دائماً فكرة "الأمن الإقليمي المشترك" بشرط أساسي وهو خروج كلّ القوات الأجنبية والأميركية من المنطقة. في المقابل، ترى الدول العربية أنّ الوجود العسكري الأميركي هو الضمانة الوحيدة لمنع تفوّق إيران العسكري والنووي في حال انهار أيّ اتفاق إقليمي.

بالتالي، هناك تعارض جذري في نقطة البداية لأيّ تحالف. فبدلاً من الدخول في "تحالف" قد يكون مستحيلاً فضّلت القوى العربية الرئيسية كالسعودية اتخاذ مسار براغماتي بديل يقوم على "تصفير الأزمات والتهدئة" من دون الارتباط بتحالفات عسكرية. وظهر ذلك  الأمر جلياً في الاتفاق السعودي الإيراني (2023) حيث جرى التركيز فيه على إعادة العلاقات الدبلوماسية، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، وتنشيط الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية القديمة، من دون الوصول إلى مستوى التحالف العسكري.

تحاول دول الخليج بناء علاقات متوازنة دولياً عبر تعزيز الشراكات مع الصين وروسيا (كوسطاء وضامنين للعلاقات مع إيران) لتقليل الاعتماد الكلّي على واشنطن، من دون الدخول في حلف عسكري مباشر مع طهران يثير غضب الغرب.

باختصار، لا يمكن للدول العربية التحالف مع إيران لأنّ شروط هذا التحالف تتطلّب التخلّي عن المظلّة الأمنية الأميركية، وهو ما تراه الدول العربية انتحاراً أمنياً، الارتباط بالولايات المتحدة وبناء علاقات مع "إسرائيل" هو خيار استراتيجي ناتج عن تقييم دول عربية لعناصر قوتها وضعفها أنها تبحث عن مظلة حماية  وترى "إسرائيل" كأداة ردع: كقوة إقليمية وحيدة قادرة ومستعدّة لضرب المشروع النووي والعسكري الإيراني مباشرة.

أما النموذج الممكن جزئياً فهو إطار "إدارة الصراع ومنع الانفجار"، وهو ما يجري الآن من خلال الاتفاقيات الدبلوماسية والاقتصادية بين ضفتي الخليج. إلّا إن كانت هناك معطيات جديدة تحتّم على السعودية تغيير نهجها وحدها من دون دولة الإمارات. 
 

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP