قبل 9 ساعە
هدى رزق
14 قراءة

كيف ستوفّق تركيا بين أمن إيران وأمن الدول الخليجية؟

رى أنقرة أن لا سابقة في التاريخ لتوجيه الضربة الأولى ضد دولة مستهدفة من خلال القضاء على كبار كوادر القيادة فيها. وأن ما شهدناه هو مفهوم مختلف تماماً للحرب. في الحرب ضد إيران التي أطلقها التحالف بين الولايات المتحدة و "إسرائيل"، دعت أنقرة جميع الأطراف إلى ضبط النفس، محذرة من أن عملية اغتيال المرشد السيد علي خامنئي ستجعل المواجهة في الشرق الأوسط أكثر تعقيداً وخطورة.

منذ اللحظة الأولى، تواصل الرئيس رجب طيب إردوغان في 28 فبراير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب موجات الهجمات الأولى. لم تغير تركيا موقفها بأنها "ضد التدخل العسكري في إيران، ومؤيدةً للدبلوماسية." بل على العكس، فقد سرّعت ذلك الموقف. تحدث إردوغان مع قادة قطر والإمارات؛ وفي الأول من مارس مع قادة السعودية والكويت ورئيس المفوضية الأوروبية؛ ومع الأمين العام لحلف "الناتو" والمستشار الألماني. 

وقفت كل أحزاب المعارضة في تركيا من حزب "الشعب الجمهوري" إلى حزب "الديمقراطية" بتوافق عملي مع الحكومة على أرضية مشتركة تتمثل في البقاء خارج الحرب ودفع الدبلوماسية إلى أقصى حدودها.

 تتسم النظرة التركية إلى الحدث بأبعاد استراتيجية عدة، إذ تؤكد تركيا استراتيجياً رفضها استهداف إيران مباشرة، خوفاً من موجات نزوح لاجئين جديدة ما يؤثر على أمن الحدود المشتركة. سُجل توتر ميداني حيث أبلغت تركيا الجانب الإيراني برد فعلها على إطلاق صاروخ من إيران تم إسقاطه في جنوب تركيا خلال الفترة المضطربة التي تلت الاغتيال.

تحاول تركيا الحفاظ على موقف حذر، فهي من جهة تدعم استقرار جارتها، ومن جهة أخرى، تسعى لتجنب الانزلاق في حرب مباشرة بين المحور الإيراني والولايات المتحدة و "إسرائيل". الموقف التركي هو موقف تضامني سياسي مع إيران يرفض الاغتيالات السياسية، مع تحفظ شديد على أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى زعزعة استقرار حدودها الشرقية. 

الموقف من قصف الدول الخليجية 
أدانت  تركيا استهداف القواعد في الخليج، رغم علمها بالتهديدات الإيرانية المسبقة؛ لأنها تعد هذا السلوك "استراتيجية خاطئة تماماً" تضر بمصالح المنطقة وبإيران نفسها. صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بعض دول الخليج (مثل عمان وقطر) كانت تعمل كوسيط وتتصرف بطريقة تفيد إيران، لذا فإن قصفها يُعد تقويضًا لجهود التهدئة.

انتقدت أنقرة نهج طهران القائم، مؤكدة أن القصف العشوائي لدول مثل السعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن يزيد من مخاطر توسع الصراع بشكل لا يمكن السيطرة عليه. تخشى تركيا من أن استهداف البنية التحتية للنفط والغاز والشحن في الخليج سيؤدي إلى تعطيل أسواق الطاقة العالمية ورفع تكاليف الحرب، وهو ما لن يؤدي بالضرورة إلى الضغط على أميركا لوقف الحرب كما تعتقد إيران.

وترى أن استمرار هذه الهجمات قد يدفع دول الخليج إلى كسر صمتها والرد، ما يحوّل الصراع إلى حرب إقليمية شاملة تهدد الأمن القومي التركي المباشر، خاصة بعد اعتراض "الناتو" لصاروخ إيراني كان متجهاً نحو الأجواء التركية في 4 مارس 2026.

تحرص تركيا على موازنة موقفها فهي أدانت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران كخرق للقانون الدولي، وفي الوقت نفسه، ترفض الرد الإيراني الذي يستهدف أطرافاً عربية وإقليمية. كانت بعض الدول العربية قد نجحت جزئياً في فرض قيود على استخدام أراضيها، لكنها لم تستطع منع العمليات الأميركية بشكل كامل.

وكانت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قد طالبتا الولايات المتحدة بعدم استخدام أراضيهما أو مجالهما الجوي لشن هجمات مباشرة ضد إيران. هذا الموقف جاء مدفوعاً بالرغبة في تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة وحماية منشآت الطاقة من الرد الإيراني، لكن القيود العربية لم تمنع العدوان الأميركي.

استهدف حرس الثورة الإيراني قواعد أميركية؛ حيث استخدمت واشنطن قاذفات بعيدة المدى بالإضافة إلى صواريخ توماهوك من غواصات في البحر. شعرت دول الخليج بأن الولايات المتحدة تعطي الأولوية لأمن "إسرائيل" على حساب أمن المنطقة. لذلك، قررت دراسة إعادة تقييم اتفاقيات القواعد العسكرية مع واشنطن، مثل إطلاق الصواريخ والطائرات من القواعد ما يضع هذه الدول في موقف حرج أمام شعوبها وأمام إيران، هذا الأمر دفع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى محاولة احتواء الموقف دبلوماسياً لتقليل الخسائر.

ردود الفعل المتوقعة تتجه نحو الاستجابة الإيرانية لعرض التهدئة حيث يحاول الرئيس الإيراني وفريقه الدبلوماسي إيصال رسالة مفادها أن طهران تدرك أن دول الخليج "مغلوب على أمرها" عسكرياً، وهي تهدف من خلال هذا التبرير إلى منح تلك الدول سلماً للنزول  للابتعاد عن المحور الأميركي- الإسرائيلي.

المتوقع هو وقف استهداف البنية التحتية الخليجية مقابل التزامات علنية وموثقة من هذه الدول بعدم تقديم أي تسهيلات استخبارية أو لوجستية للعمليات القادمة، حيث ستطالب دول مثل الإمارات وقطر بتعديل "اتفاقيات الدفاع" لتشمل بنداً يمنح الدولة المضيفة حق الفيتو العملي على أي طلعة جوية هجومية تنطلق من أراضيها، وليس مجرد "إخطار".

كذلك ستكثف هذه الدول من لقاءاتها مع الجانب الإيراني للتأكيد على أن أي نشاط أميركي حدث كان "خارجاً عن إرادتها"، وذلك لتجنب موجة ثانية من الصواريخ الإيرانية.

تركيا، من جهتها، تحاول "تبرير الموقف الإيراني وهي تقوم بدور الضامن"؛ إذ قد تقترح آلية مراقبة إقليمية لضمان عدم استخدام القواعد العربية في هجمات مستقبلية، ما يعزز نفوذ أنقرة كقوة توازن بين طهران وعواصم الخليج. هل نحن أمام مرحلة "تبريد الصراع" إقليمياً؟ بزشكيان يحتاج إلى إيقاف الضربات لترتيب البيت الداخلي بعد غياب المرشد، والدول العربية تحتاج إلى التخلص من عبء القواعد التي أصبحت عبئاً أمنياً لا ميزة. يدعم مستشار الأمن القومي السيد لاريجاني، بزشكيان تنفيذياً في هذا التوقيت الحرج.

يدرك لاريجاني أن استمرار ضرب القواعد في الخليج سيؤدي إلى نتائج عكسية، فهو سيدفع العرب إلى "الارتماء الكامل" في أحضان المظلة الأمنية الأميركية-الإسرائيلية. بتبني نبرة "التبرير" التي ذكرتها، تسعى طهران إلى إعطاء غطاء سياسي للعرب: لكي يؤكدوا للأميركيين أن "إيران تتجاوب معهم دبلوماسياً، وهم لا يريدون الانجرار إلى المواجهة التي لا يريدونها . فهل يمكن أن يتحقق الأمر؟

 
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP