قبل 5 ایام
هدى رزق
46 قراءة

مفاوضات سوريا و"إسرائيل" بين جزرة بيريز وعصا نتنياهو

فرضت "إسرائيل" نفوذها في جنوب سوريا منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، لكنها لم تحقّق مطالبها الاستراتيجية كافة. فهي تسعى إلى نزع السلاح بالكامل من جنوب سوريا (بما في ذلك القنيطرة ودرعا والسويداء)، وقد أنشأت ما لا يقلّ عن 10 قواعد عسكرية ومواقع في أراضٍ تقع خارج المنطقة العازلة لعام 1974، ونفّذت أكثر من 600 غارة جوية في سوريا خلال عام 2025 بهدف الإمعان في إضعاف قدرات سوريا. 

تُبرز محادثات باريس الضغوط الدبلوماسية التي تمارسها إدارة ترامب، والتي تسعى جاهدةً لإبرام اتفاقية أمنية رسمية تراعي وحدة الأراضي السورية بحسب المعلن، مع ضمان أمن الحدود الإسرائيلية. ترغب "إسرائيل" في بسط نفوذها في جنوب سوريا، فهل نجحت في تحقيق مبتغاها بعد اجتماع باريس مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ومدير الاستخبارات حسين سلامي؟

وصفت المحادثات بأنها "إيجابية"، لم تحقّق "إسرائيل" انتصاراً في ظلّ استمرار الخلافات الجوهرية حول جنوب سوريا. أسفر الاجتماع عن اتفاق تكتيكي لخفض التصعيد بدلاً من اتفاق سلام شامل. تمّ الاتفاق على إنشاء "خليّة اتصالات مخصّصة" لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق خفض التصعيد العسكري، لكنّهم اتفقوا على الاجتماع بشكل متكرّر" لبناء الثقة "واستكشاف الفرص التجارية.  كما جرى الاتفاق على ضمان أمن الأقلية الدرزية في سوريا. 

الخلافات المتبقّية في جنوب سوريا
أصرّ الوفد السوري على جدول زمني للانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت تحتلها قبل كانون الأول/ديسمبر 2024 واستعادة السيادة السورية، رفضت "إسرائيل" الانسحاب حتى تتمّ تلبية مطالبها المتعلّقة بنزع السلاح، بينما ترفض سوريا منح الشرعيّة للاحتلال.

 ماذا عن مرتفعات الجولان وجبل الشيخ 
لا تزال هذه القضية الأكثر إثارة للجدل بين "إسرائيل" والحكومة السورية الجديدة. ورغم أنّ محادثات باريس أفضت إلى إطار تواصل جديد، إلا أنها لم تحلّ النزاعات الحدودية. تحتلّ "إسرائيل حالياً القمم الاستراتيجية لجبل الشيخ، والتي استولت عليها في كانون الأول/ديسمبر 2024 بعد سقوط نظام الأسد.

خلال محادثات باريس في كانون الثاني/يناير 2026، أشارت "إسرائيل" إلى استعدادها للانسحاب من المناطق الأخرى التي احتلتها حديثاً، لكنها أصرّت على أن تكون موجودة في قمة جبل الشيخ إلى أجل غير مسمّى، معتبرة إياها "أصلاً استراتيجياً لا غنى عنه" لمراقبة التحرّكات في سوريا ولبنان.

 رفض وزير الخارجية الشيباني والوفد السوري الأمر، واصفين الوجود بأنه "احتلال يجب أن ينتهي" ومطالبين بالعودة الكاملة إلى خطوط ما قبل كانون الأول/ديسمبر 2024. بينما تصرّ "إسرائيل" على الحفاظ على ضمّها الفعلي لمرتفعات الجولان (التي استولت عليها عام 1967)، وهي خطوة اعترفت بها الولايات المتحدة ولكن ليس المجتمع الدولي. وسّعت "إسرائيل" وجود قواتها الاحتلالية 1974 في المنطقة العازلة 2 كلم مربّع منذ أواخر عام 2024، وهي منطقة منزوعة السلاح تخضع لدوريات الأمم المتحدة، وفي محادثات باريس الأخيرة ركّز الجانب السوري بشكل كبير على إحياء اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974 لإجبار "إسرائيل" على الانسحاب من هذه المنطقة.

على الرغم من المفاوضات الجارية، واصلت القوات الإسرائيلية توغّلاتها الجديدة في ريف القنيطرة، وأقامت حواجز طرق ونقاط تفتيش جديدة في الفترة من 6 إلى 8 كانون الثاني/يناير 2026. في حين أنّ "إسرائيل" قامت بالسيطرة على المرتفعات في جبل الشيخ، إلا أنها لم تحصل على الشرعية الدبلوماسية أو اتفاقية الأمن الشاملة التي تسعى إليها. تستخدم "إسرائيل" سيطرتها على موارد المياه الجبلية والجنوبية كورقة ضغط على الحكومة السورية إلى حين التوصّل إلى اتفاق سلام رسمي أو اتفاق نزع سلاح دائم.

أما الحكومة السورية فهي  تعطي الأولوية  للمناطق التي تمّ احتلالها بعد 2024 أي المنطقة العازلة وقمم جبل الشيخ بدلاً من العودة  لمسألة الجولان المحتل عام 1967، وتعتبر ذلك خطوة أولى أكثر قابلية للتحقّق.

الدمج بين رؤية شيمون بيريز وعسكرة  نتنياهو الأمنية  
قدّمت الولايات المتحدة حوافز اقتصادية للسوريين في إطار مساعيها لحثّهم على قبول الاتفاقات الإبراهيمية، يحمل اقتراح الولايات المتحدة سمات بارزة لنظرية "الشرق الأوسط الجديد" التي شاع استخدامها من قبل شيمون بيريز في كتابه الصادر عام 1993.

وكانت رؤية شيمون بيريز قد تمحورت حول الاعتقاد بأنّ الترابط الاقتصادي والتعاون الإقليمي كفيلان بجعل الصراع العسكري التقليدي أمراً عفا عليه الزمن.

جادل بيريز بأنّ "سوقاً مشتركة" في الشرق الأوسط من شأنها أن تعزّز المصالح الحيوية في الحفاظ على السلام. ويعكس اقتراح الولايات المتحدة لعام 2026 بإنشاء منطقة اقتصادية مشتركة تشمل مزارع الرياح والزراعة والسياحة في جنوب سوريا هذا النهج القائم على "السلام من خلال الازدهار"، فمن خلال تصوّر بيريز اقترح دعماً دولياً (خطة مارشال مصغّرة) لتحقيق الاستقرار في المنطقة. وفي عام 2026، أفادت التقارير أنّ إدارة ترامب وشركاء إقليميين التزموا بتمويل هذه المشاريع لتحفيز التعاون السوري والبدء بالمجالات المدنية لبناء الثقة. وقد اتجهت محادثات باريس 2026 نحو التعاون المدني في مجالات الطب والطاقة والزراعة. 

لكنّ سوريا اليوم تُركّز على السيادة الإقليمية وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل عام 2024، وتعتبر العروض الاقتصادية ثانوية مقارنةً باستعادة الأرض.

أما "إسرائيل" فهي المهجوسة بالأمن تحاول استبدال الاحتلال العسكري المادي بالمراقبة الإلكترونية المتقدّمة لسدّ الفجوة بين احتياجات "إسرائيل" الأمنية ومطالبة سوريا بالسيادة، وهذا الإطار الحالي هو نموذج اتفاقيات أبراهام الذي يسعى إلى تطبيع إقليمي أوسع بدلاً من مجرّد سلام محلي.

نظرية بيريز حول الشرق الأوسط الجديد تطبّق هنا في محاولة لاستخدام وعد التحديث الاقتصادي لتجاوز عقود من الجمود الإقليمي والعسكري .

هل تعكس محادثات باريس سياسة العصا والجزرة؟
ربما أمكن وصف المساعي الدبلوماسية المشتركة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" نحو سوريا كاستراتيجية "العصا والجزرة"، تستعمل "إسرائيل" الحرب المدمّرة في غزة كتهديد أي "العصا" واستمرارها في الاستخدام للقوة العسكرية في غزة وسوريا ولبنان دليل قاطع على هذه السياسة.

وتتمثّل "الجزرة" بالحوافز التي تقدّمها الولايات المتحدة و"إسرائيل" إذا امتثلت الحكومة السورية الجديدة، للمطالب الإسرائيلية التي اقترحت منطقة اقتصادية مشتركة منزوعة السلاح على الحدود لتحفيز الاقتصاد السوري من خلال الزراعة والطاقة والطب.

 أما سياسة إدارة ترامب نحو الإلغاء الكامل لعقوبات قانون قيصر فتعتبر بالنسبة لواشنطن مساراً نحو اتفاقيات أبراهام، وهي تعد سوريا بالشرعية الإقليمية واستثمارات ضخمة من شركاء الخليج مقابل اتفاق أمني رسمي.

يبدو أننا أمام نظرية بيريز الحديثة بحوافز اقتصادية ثقافية ومساعدة تكنولوجية، لكن في المقابل هناك مطالب أمنية واستخبارية وتعاون كلّي يضع سوريا في إطار الاتفاقات الإبراهيمية التي بموجبها تصبح "إسرائيل دولة" تكنولوجية حديثة مهيمنة تمثّل الولايات المتحدة في المنطقة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP