اغتيال السيد الخامنئي في ميزان القانون الدولي
الاشراق | متابعة.
في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، دخل النظام الدولي بشكل عامّ والشرق الأوسط بشكل خاصّ مرحلة حرجة في إثر هجوم قامت به الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران حيث اغتالت عدة قادة إيرانيين، أبرزهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الايرانية، السيد علي خامنئي، في سابقة من نوعها حيث يتمّ استهداف رمز ديني وسياسي بهذا الحجم.
يشكّل هذا الاغتيال سابقة خطيرة من حيث استهداف رأس أعلى هرم السلطة في الدولة، ووقوع الحدث بعد 48 ساعة فقط على جولة تفاوضية في جنيف بشأن الملف النووي، تحدّث خلالها الوسيط العُماني عن تحقيق "تقدّم ملحوظ"، مع التحضير لجلسات تقنية لاحقة في فيينا. هذا التزامن الزمنـي بين "طاولة التفاوض" و"ميدان الاغتيال" يُثير أسئلة قانونية تتجاوز النقاش السياسي، وتمسّ صلب قواعد استخدام القوة في القانون الدولي.
أولاً: في ذريعة الدفاع الاستباقي
يحظر ميثاق الأمم المتحدة على الدول "التهديد باستعمال القوة أو استعمالها" ضدّ سلامة أراضي أيّ دولة أو استقلالها السياسي (المادة 2/4). وقد كرّست محكمة العدل الدولية هذا الحظر بوصفه قاعدة عرفية مركزية في النظام الدولي.
وبموجب قرار الجمعية العامّة للأمم المتحدة رقم 3314 (الدورة 29) لعام 1974، يُعرَّف العدوان بأنه "استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ما ضدّ سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأيّ طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة".
تجادل الإدارة الأميركية أنّ الضربات جاءت نتيجة "عدم تلبية طهران للتوقّعات الأميركية". في القانون الدولي، إنّ فشل التفاوض أو بطؤه لا يُنشئ بحدّ ذاته حالة دفاع شرعي ولا يسوّغ استخدام القوة بين الدول.
أما في الادعاء بأنّ إيران تشكّل تهديداً وبالتالي حصل "دفاع استباقي"، فإنّ هذه الذريعة تسقط قانوناً عند ثبوت انخراط الطرف المستهدف في عملية تفاوضية جادّة. فالمفاوضات بحدّ ذاتها تعني إقراراً بوجود قنوات بديلة للقوة، مما ينفي شرط "الضرورة القصوى والدهمة" الذي أقرّه عرف "كارولين" التاريخي الذي يضع شروطاً واضحة وصارمة لمبدأ الاستباق، وتتطلّب أن تكون ضرورة استخدام القوة "آنية، ساحقة، لا تترك مجالاً لاختيار الوسائل، ولا لحظة للتفكير".
كذلك، إنّ وجود مسار تفاوضي ناشط والذي يُعدّ قرينة قوية على عدم استنفاد البدائل غير العسكرية، يضعف ركن الضرورة ويُثقِل كفّة عدم التناسب في أيّ عمل قسريّ لاحق.
وعليه، يُفضي السياق التفاوضي السابق مباشرةً على الضربات إلى ترجيح أنّ اللجوء إلى القوة لم يكن الملاذ الأخير، ما ينال من شرعيّة الدفع بالدفاع الشرعي حتى على فرض توافر بعض المخاوف الأمنية.
ثانياً: الحصانة السيادية
يُمثّل استهداف رأس الدولة خرقاً جسيماً لمبدأ المساواة السيادية المنصوص عليه في المادة (2/1) من ميثاق الأمم المتحدة. تُقرّ القواعد العرفيّة حصانات شخصيّة لرؤساء الدول أثناء تولّيهم المنصب. ولا يُجيز القانون الدولي انتهاك تلك الحصانات عبر استخدام القوة عبر الحدود وإلا انطوى الفعل على قتل خارج نطاق القضاء.
يمكن، من ناحية نظرية بحتة، اعتبار القادة العسكريين أو ذوي الدور العملياتي أهدافاً عسكرية إذا نشب نزاع مسلّح مشروع. لكنّ غياب الأساس القانوني لبدء النزاع مع إيران يجعل أيّ استهداف مرتبط به غير مشروع من حيث الأصل القانوني، حتى لو توافرت فيه معايير التمييز في القانون الدولي الإنساني.
في النتيجة، قانونياً، لم تكن مفاوضات جنيف قد وصلت إلى طريق مسدود معلن، وكانت هناك جولات تقنية مرتقبة في فيينا، وهنا تُطرح تساؤلات حول عدم استنفاد البدائل غير العسكرية، وهو شرط أساسي لاعتبار القوة "ضرورية". ووفق الفقه القانوني، فإنّ السياق التفاوضي النشط يُضعف بصورة كبيرة ادّعاء الضرورة في اللجوء الفوري للقوة، ويؤكّد وجود بدائل غير عسكرية، وهو ما ينعكس بدوره على معيار التناسب.
وفي الاستنتاج، واستناداً إلى (أ) قاعدة الحظر العامّ في المادة 2/4 من الميثاق، (ب) الشروط الصارمة للدفاع الشرعي في المادة 51 ومعياري الضرورة والتناسب، (ج) السياق التفاوضي النشط عشية الضربات، و(د) وضع رؤساء الدول ضمن منظومة الحصانات والسيادة؛ يشير هذا التقدير القانوني إلى أنّ اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي ضمن ضربات 28 شباط/فبراير 2026 يُمثّل استخداماً غير مشروعٍ للقوة من الدول، ولا يستقيم تبريره تحت مظلة الدفاع الشرعي، كذلك يعدّ الهجوم على إيران عدواناً بموجب ميثاق الأمم المتحدة.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً