هندسة التفتيت: الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال"
عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً، الاثنين، تناول اعتراف "إسرائيل" بـ"أرض الصومال" كدولة مستقلة، واستمع إلى إحاطة من مسؤول أممي أشار فيها إلى تأكيد المجلس مراراً على احترام سيادة الصومال وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي ووحدته.
وكان لافتاً ما قاله سفير "إسرائيل" لدى الأمم المتحدة داني دانون حول ازدواجية المعايير والنفاق (بحسب رأيه)، معتبراً أن الأمم المتحدة تتغاضى عن الاعتراف الأحادي بدولة فلسطينية، بينما تعقد جلسة طارئة عندما تمارس "إسرائيل" ما يصفه بصلاحياتها السيادية بالاعتراف بأرض الصومال.
ولأهمية قضية الاعتراف أرض الصومال، نفندها من الناحية القانونية على الشكل التالي:
أولاً – القياس بين قضية فلسطين وأرض الصومال
إن الادعاء الإسرائيلي بوجود ازدواجية معايير هو محاولة لتوظيف مفاهيم القانون الدولي بانتقائية. الحقيقة القانونية الراسخة هي أن القضية الفلسطينية تندرج تحت بند "تصفية الاستعمار وإنهاء الاحتلال الأجنبي"، بينما تندرج قضية أرض الصومال تحت بند "الانفصال داخل الدولة الواحدة". وعليه، مجلس الأمن لا يكيل بمكيالين، بل يطبق إطارين قانونيين مختلفين تماماً على حالتين غير متطابقتين.
وفقاً لقرارات مجلس الأمن المتعددة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، تُصنف الأراضي الفلسطينية على أنها "أراضي محتلة" تخضع لسيطرة قوة أجنبية (إسرائيل). العلاقة هنا هي علاقة بين "شعب تحت الاحتلال" و"قوة قائمة بالاحتلال". القانون الدولي يمنح الشعوب الخاضعة للاحتلال حقاً أصيلاً في تقرير المصير والاستقلال لبناء دولتها. وعليه، فلسطين لا "تنفصل" عن "إسرائيل"، لأنها لم تكن يوماً جزءاً قانونياً منها؛ بل هي تسعى للتحرر منها.
أما في حالة أرض الصومال، فهي في نظر القانون الدولي والاتحاد الأفريقي جزءاً لا يتجزأ من "جمهورية الصومال الفيدرالية"، وهي دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة. العلاقة هنا هي علاقة بين "إقليم" و"حكومة مركزية". القانون الدولي يميل بقوة للحفاظ على "الوحدة الإقليمية" للدول القائمة ويقف ضد الانفصال الأحادي إلا في حالات نادرة جداً.
وعلى هذا الأساس، لا ينظر القانون الدولي الى الفلسطينيين كانفصاليين، بل هم شعب تحت الاحتلال يسعى للاستقلال. أما "أرض الصومال" فهي حركة انفصالية تسعى لتقسيم دولة ذات سيادة. الخلط بين "مقاومة الاحتلال" و"الانفصال السياسي" هو تضليل قانوني يهدف لتمييع قضية فلسطين وتبرير بلقنة المنطقة العربية والأفريقية.
وفي الإطار نفسه، تحظى فلسطين بوضع "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة باعتراف الجمعية العامة، مما يعني أن تأسيس الدولة الفلسطينية مسألة وقت وإجراءات، بينما "أرض الصومال" لا تملك أي صفة قانونية دولية.
ثانياً – في قانونية الاعتراف نفسه
تكمن الخطورة الكبرى للاعتراف الإسرائيلي بـ"ارض الصومال" في ضربه لأحد أهم ثوابت القانون الدولي العام والاستقرار الأفريقي، وهو مبدأ "قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار" (Uti Possidetis Juris). ينص هذا المبدأ على أن الحدود التي رسمها المستعمر، رغم عشوائيتها، تصبح حدوداً دولية ثابتة لحظة الاستقلال.
عام 1964، أقرّت منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حالياً) هذا المبدأ في إعلان القاهرة، وذلك بهدف تجنب حروب لا تنتهي بسبب التداخل العرقي والقبلي في القارة وخاصة بعد موجة التحرر من الاستعمار. وأكدت محكمة العدل الدولية على هذا الأمر في قضية بوركينا فاسو ضد مالي، ليبيا ضد تشاد وغيرها.
إن الاعتراف الإسرائيلي الأحادي بكيان انفصالي داخل دولة ذات سيادة (الصومال الفيدرالية) دون موافقة الدولة الأم، يشكل انتهاكاً صارخاً لميثاق الاتحاد الأفريقي والقانون الدولي. هذا الفعل يسحب الغطاء القانوني عن الدولة المركزية ويمنحه للكيانات الانفصالية، مما يؤسس لفوضى قانونية تتيح لأي إقليم يمتلك مقومات القوة الذاتية أن يطالب بالسيادة الكاملة.
ثالثاً - تداعيات الاعتراف
تتعامل القوى الدولية عادة مع الكيانات الانفصالية المستقرة (مثل أرض الصومال، كردستان العراق، أو تايوان) ككيانات "أمر واقع"، وتتحاشى "الاعتراف القانوني" أي تحويل هذه الكيانات إلى دول كاملة العضوية يحق لها عقد التحالفات العسكرية، استضافة قواعد أجنبية، وشراء السلاح ما يؤثر على أمن واستقرار الدولة الأم والاقليم.
تهدف "إسرائيل" من الاعتراف تحويل مفهوم الدولة الوطنية في الشرق الأوسط من وحدة مقدسة إلى كيان قابل للتفاوض والتجزئة بناءً على المصالح الخارجية، وهذا سينسحب لاحقاً على دول عربية أخرى لديها أزمات مشابهة. إن اعتراف إسرائيل بـ "أرض الصومال" يهدف إلى تدمير البنية القانونية التي حافظت على الحد الأدنى من تماسك دول المنطقة. إن خطورة "النموذج الصومالي" تكمن في كونه "سابقة قانونية "سيتكئ عليها الانفصاليون في اليمن وسوريا لاحقاً للمطالبة بنفس المعاملة.
هذا التوجه يؤكد أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية لم تعد تكتفي بالتعامل مع الدول القائمة، بل انتقلت إلى مرحلة "هندسة الدول" بما يتلاءم مع مصالحها الأمنية، حيث يُراد لـ "أرض الصومال" أن تكون المختبر الأول، وقد يكون اليمن هو الهدف الاستراتيجي التالي وتلحقه سوريا وتكرّ السبحة، في عملية إعادة تشكيل شاملة لخريطة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً