الحصانة السيادية واختبار "مادورو" أمام القانون الدولي
في الثالث من كانون الثاني/ يناير 2026، قامت القوات الأميركية بعملية عسكرية داخل فنزويلا وخطفت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته؛ في تحدٍ صارخ لأحد أقدم أعراف القانون الدولي العام.
إن حادثة الخطف- يسمّيها الأميركيون "الاعتقال" لتحويله إلى القضاء الأميركي بسبب تهم ترتبط بمخدرات- لرئيس يمارس مهامه فعلياً، تطرح تساؤلاً وجودياً حول مستقبل مبدأ "الحصانة السيادية" الراسخة في القانون الدولي. فهل نحن أمام إعادة تفسير للقانون الدولي، أم أننا نشهد انهيار القواعد القانونية أمام واقع القوة؟
يستند النظام الدولي منذ صلح وستفاليا (1648) إلى مبدأ "المساواة في السيادة" الذي جرت قوننته بشكل تام في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2، الفقرة 1)، حيث لا يمكن لمحاكم دولة ما أن تحاكم دولة أخرى أو رؤوسها، لأن ذلك يعني خضوع سيادة لسيادة أخرى، تستند هذه القواعد المستمرة منذ قرون إلى القاعدة اللاتينية "Par in parem non habet imperium" (لا ولاية لنظير على نظيره).
1- حصانة مادورو في القانون الدولي
وعليه، وخارج إطار المحكمة الجنائية الدولية التي لا تعترف بالحصانات السيادية، وعلى الرغم من غياب اتفاقية دولية شاملة ومقننة لحصانة رؤساء الدول، تستمد هذه الحصانة قوتها الإلزامية من القانون الدولي العرفي الذي اعتبر تاريخياً أن المساس برأس الدولة هو "إعلان حرب" وإهانة للسيادة، ومن ميثاق الأمم المتحدة الذي أكد على المساواة في السيادة.
في مقاربة موضوع مادورو، يميّز الفقه القانوني هنا بين نوعين من الحصانة لرؤساء الدول:
أولاً: الحصانة الشخصية (Immunity Ratione Personae): وهي تمثل "الدرع الإجرائي" الذي يحمي "الترويكا" الحاكمة (رئيس الدولة، رئيس الحكومة، وزير الخارجية). هذه الحصانة ذات طبيعة مطلقة فهي ليست إعفاءً من المسؤولية، بل "مانعاً لانعقاد الولاية القضائية" للمحاكم الأجنبية،
تغطي هذه الحصانة الأفعال كافة سواء أكانت رسمية أم خاصة، وقد جرى التأكيد عليها عبر محكمة العدل الدولية في قضية الكونغو ضد بلجيكا (2002). نظرياً، يتمتع مادورو بهذه الحصانة، لذا فإن الاستراتيجية القانونية الأميركية لكسر هذه الحصانة لم تستند إلى طبيعة الجرم، بل لجأت إلى "إنكار الصفة" عبر سحب الاعتراف بشرعيته، للالتفاف على هذه القاعدة الصارمة.
ثانياً: الحصانة الوظيفية (Immunity Ratione Materiae): وهي "الدرع الموضوعي" الذي يحمي الأفعال التي تُنسب للدولة لا للفرد، وتستمر حتى بعد ترك المنصب. وهنا يبرز الجدال القانوني، حيث يحاول الأميركيون أن يقولوا إن التهمة "مخدرات وإرهاب" لا يمكن أن تعدّ عملاً وظيفياً من أعمال الدولة.
ومع ذلك، فإن هذا الادعاء- الاتهام يصطدم مع حكم محكمة العدل الدولية التي اعتبرت أن مخالفة القواعد الآمرة (Jus Cogens) لا يمكن اعتبارها سبباً لرفع الحصانة. فصلت المحكمة (في حكمها الشهير ألمانيا ضد إيطاليا 2012)، بوضوح بين الإجراء والموضوع، مؤكدة أن القواعد الإجرائية (الحصانة) لا تتأثر بمدى فظاعة الجرم الموضوعي. هذا التفسير للمحكمة يدعم موقف مادورو قانونياً، ويجعل الموقف الأميركي هشّاً من منظور القانون الدولي التقليدي.
من ناحية الأميركيين، تستند الاستراتيجية القانونية الأميركية إلى مبدأ أن الحصانة ليست حقاً شخصياً بل هي امتياز تمنحه الدولة المضيفة (الولايات المتحدة) لرئيس الدولة الأجنبية المعترف به. وبما أن الولايات المتحدة (ومعها جزء من الغرب) لا تعترف بشرعية انتخابات 2024، وتعتبر مادورو "مغتصباً للسلطة" وليس رئيساً، فهي تجرده من صفة "رئيس الدولة" المتمتع بالحصانة، وبالتالي تعامله كمتهم جنائي عادي (استحضاراً لسابقة مانويل نورييغا). هنا يتحول القانون من "قاعدة عامة" إلى "أداة سياسية" مرتبطة بالاعتراف الدبلوماسي.
2- مادورو كرئيس سابق
في 5 كانون الثاني 2026، أعلنت كراكاس تولّي نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز مهام الرئاسة لملء "الشغور القسري". قانونياً، يثير هذا التطور إشكالية معقدة:
1. استمرارية الدولة: يحفظ هذا الإجراء الشخصية القانونية للدولة الفنزويلية، ويمنع انهيار المؤسسات، وهو تصرف ينسجم مع القانون الدستوري الداخلي.
2. إضعاف الحصانة السيادية لمادورو: أمام المحاكم الأميركية، قد يستخدم الادعاء هذا الانتقال كدليل على أن مادورو لم يعد رئيساً، ما يسهّل عملية نزع الحصانة عنه. فإذا كانت الدولة تُدار من قبل شخص آخر، فإن مبرر "الحصانة لضمان سير الدولة" يتلاشى بالنسبة لمادورو، مع بقاء هذا الطرح محل جدل فقهي، خصوصاً إذا اعتُبر زوال المنصب نتيجة فعل غير مشروع دولياً.
في النتيجة، إن محاكمة نيكولاس مادورو ليست مجرد نزاع جنائي حول تهريب المخدرات، بل هي محاكمة لمفهوم السيادة التقليدي. إن إسقاط الحصانة عنه عبر "عدم الاعتراف" يخلق سابقة خطيرة تجعل القانون الدولي رهينة لتفسيرات الدول الأقوى، محوّلة الحصانة الدبلوماسية من "درع قانوني" إلى "منحة سياسية" قابلة للسحب في أي لحظة.