قبل 1 ساعە
شرحبيل الغريب
8 قراءة

صواريخ إيران ورسائل النار.. هل أعادت طهران رسم قواعد اللعبة؟

في الحروب، لا تطلق الصواريخ لتدمير الأهداف العسكرية فحسب، بل تُستخدم كأداة لإيصال رسائل سياسية واستراتيجية أيضاً. لذلك، فإن الضربة الإيرانية الأخيرة على "إسرائيل" بعد استهداف الضاحية الجنوبية لا تفهم من خلال عدد الصواريخ بقدر ما تقرأ من خلال الرسائل التي حملتها، والتي أرادت طهران إيصالها إلى الإقليم بأكمله.

قد يكون أبرز ما في هذه الضربة أنها لم تكن مجرد رد مباشر على استهدافات إسرائيلية للضاحية الجنوبية، بل جاءت في توقيت يحمل دلالات أوسع، كرسالة نارية تسعى من خلالها طهران إلى تثبيت معادلة سياسية جديدة، مفادها أن مستقبل الأمن في لبنان لا يحسم على طاولة التفاوض، بل يتحدد أيضاً عبر موازين القوة وقدرة الردع على الأرض.

يمكن قراءة ما جرى باعتباره محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك، إذ تبدو الرسالة الإيرانية الأبرز أن الحرب على لبنان لا يمكن أن تُدار عبر التنازلات السياسية أو الرهان على تفاهمات مع حكومة نتنياهو، بل عبر رفع كلفة التصعيد إلى مستوى يفرض إعادة الحسابات.

من هذا المنظور، أرادت إيران توجيه رسائل متعددة الاتجاهات، أبرزها أن أمن لبنان لا يتحقق عبر اللقاءات السياسية المباشرة أو التفاهمات الدولية فقط، بل عبر امتلاك أدوات ردع قادرة على منع الاعتداءات ووقف ما تصفه بتوسع النفوذ العسكري الإسرائيلي والأطماع والتجرؤ على لبنان بشكل غير مسبوق.

كما حملت الرسالة بعداً داخلياً لبنانياً أيضاً، مفاده أن أي رهان على معالجة الأزمة من خلال المساس بعناصر القوة لدى حزب الله، أو عبر مسارات تفاوضية مباشرة مع "إسرائيل"، قد لا يؤدي إلى وقف الاعتداءات أو تحقيق الانسحاب، بل ربما يزيد من قابلية لبنان للتعرض للضغط والتصعيد مرات ومرات. ومن هنا تبرز أهمية قوة الردع باعتبارها العامل الحاسم في ضبط قواعد الاشتباك.

على الزاوية الأخرى، تواجه "إسرائيل" معادلة استراتيجية معقدة، فهي لا تستطيع تحمل واقع جديد يجعل أي تصعيد ضد حزب الله أو حلفاء إيران سبباً لتدخل مباشر أو غير مباشر من طهران، لما يعنيه ذلك من تآكل في صورة الردع الإسرائيلي أكثر مما هي عليه الآن. وفي الوقت نفسه، تدرك أن توسيع المواجهة قد يفتح جبهات أخرى يصعب احتواؤها لاحقاً هذا ما حدث مع دخول اليمن بشكل سريع وغير متوقع لدى عديد من الاطراف. 

الحرب مع إيران ليست امتداداً للحروب التقليدية، كما أن الاشتباك على أكثر من جبهة في آن واحد يحمل مخاطر عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة. 

في خلفية هذا المشهد الإقليمي المتوتر، لا يمكن إغفال الحسابات الداخلية الإسرائيلية التي بدأت تلقي بظلالها على القرار السياسي والعسكري، فمع الحديث المتزايد عن استحقاقات انتخابية قادمة أو إعادة تشكيل الخريطة السياسية، يتحول ملف الحرب إلى جزء من الصراع الداخلي الإسرائيلي.

بنيامين نتنياهو بعد الضربة العسكرية الإيرانية يجد نفسه بين ضغط الحفاظ على صورة الردع والإنجاز الأمني، وبين واقع سياسي داخلي شديد العقيد تتداخل فيه ملفات المحاسبة والانقسام وتراجع الثقة، كما أن شركاءه في الائتلاف، وخصوصاً التيارات الأكثر تشدداً، يدفعون باتجاه تصعيد أكبر يمنحهم مكاسب سياسية داخل قواعدهم، في حين تميل أطراف أخرى إلى تجنب حرب واسعة قد تتحول إلى عبء استراتيجي وأمني، وهذا التباين يجعل القرار الإسرائيلي محكوماً بتوازن دقيق بين ضرورات البقاء السياسي ومخاطر الانفجار الإقليمي المحتمل.

في المقابل، يبرز التساؤل حول الموقف الأميركي في هذه المرحلة، فبينما يستمر الدعم التقليدي "لإسرائيل"، تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو حرب شاملة، إذ إن الإدارة الأميركية تسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق في المشهد، نابع من الحفاظ على دعم الحليف من جهة، وتفادي انفجار إقليمي قد ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي ويستنزف الموارد الأميركية من جهة أخرى، والأهم من ذلك يؤثر في مجريات التفاوض الجارية مع طهران.

ومن هنا تظهر مقاربة تقوم على دعم الردع الإسرائيلي مع الضغط في الوقت نفسه لاحتواء التصعيد ومنع توسع الحرب، ما يخلق في بعض الأحيان تبايناً في زاوية الرؤية بين واشنطن و"تل أبيب" حول حدود المواجهة وإدارتها.

على جبهة أخرى، يبرز اليمن كعامل إضافي في معادلة الضغط الإقليمي، فالتطورات الأخيرة أثبتت أن البحر الأحمر يمكن أن يتحول إلى ساحة تأثير استراتيجية تمسّ التجارة العالمية وأمن الطاقة، وأي توسع في المواجهة بين إيران و"إسرائيل" قد يدفع نحو مزيد من الانخراط اليمني، بما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الإقليمي ويجعل احتواءه أكثر صعوبة.

هكذا، لم تعد المواجهة محصورة في جبهة واحدة، بل باتت شبكة من الساحات المترابطة، حيث يمكن لأي نقطة اشتعال أن تنتج ارتدادات في أكثر من اتجاه، وهذا ما حدث بالفعل.

بعد ثلاث سنوات من الحرب المفتوحة في المنطقة، ترسخت لدى عدد من أطراف محور المقاومة قناعة مفادها أن منطق الردع هو الأداة الأكثر فاعلية في التعامل مع "إسرائيل"، وأن التجارب السابقة أظهرت أن القوة هي التي ترسم حدود الاشتباك وتمنع التوسع وتوقف التغول.

في ضوء ذلك، يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة بعد الرد الايراني على قصف "إسرائيل" للضاحية الجنوبية والتطورات التي تبعتها. 

السيناريو الأول: نجاح الأطراف في إعادة تثبيت قواعد ردع جديدة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، في ظل مساع دولية، خصوصاً أميركية، لاحتواء التصعيد.

السيناريو الثاني: استمرار نمط التصعيد المتقطع عبر جبهات متعددة، بما يبقي المنطقة في حالة استنزاف طويل دون حسم كما هو الحال عليه الآن.

السيناريو الثالث: وهو الأخطر، توسع المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة تشمل إيران و"إسرائيل" وحلفاء الطرفين، وهو سيناريو يحمل مخاطر سيؤدي انهيار التوازنات القائمة ويعيد رسم خريطة الصراع بالكامل.

في المحصلة، تبدو "إسرائيل" أمام أزمة استراتيجية عميقة تتجاوز حدود التحديات العسكرية التقليدية، فاستمرار الحرب واتساعها لا يعكس بالضرورة قدرة على الحسم، بقدر ما يكشف حالة استنزاف متزايدة وفشل يتلوه فشل، أي بمعنى أدق "إسرائيل" عالقة وعاجزة عن الحسم مع أي من الجبهات.

رغم الخطابات السياسية المتكررة لنتنياهو والاستعراضات العسكرية، تشير تقديرات وتحليلات مراكز بحثية غربية نشرت حديثاً، إلى جانب نقاشات داخل "إسرائيل" نفسها، إلى أن "إسرائيل" بعد ثلاثة سنوات من الحرب تواجه معضلة مركبة تتجلى في تآكل الردع، وتقلص الخيارات الاستراتيجية، والانخراط في حرب استنزاف طويلة الأمد تفتقر إلى أفق سياسي واضح أو مخرج نهائي.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP