قراءة استراتيجية في خطاب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم
استمعت إلى خطاب الشيخ نعيم قاسم الأمين العام لحزب الله الذي بثته فضائية الميادين في ذكرى يوم القدس العالمي في ظل المواجهة العسكرية الدائرة بين حزب الله و "إسرائيل"، حيث قدم الخطاب مزيجاً من الرسائل السياسية والعسكرية، ولعل أبرز ما تحدث به الشيخ قاسم أن الحزب أعد نفسه لحرب طويلة مع "إسرائيل" وما زال يمتلك العديد من المفاجآت،، وأنه يخوض معركته دفاعاً عن لبنان، ويسعى في نهايتها للوصول إلى اتفاق أفضل مع "إسرائيل" حال توفرت الظروف بما يضمن انسحاباً كاملاً للحدود الدولية وفرض قواعد اشتباك جديدة.
قدم الخطاب مؤشرات مهمة حول طبيعة المرحلة المقبلة في المواجهة القائمة، إذ لم يقتصر على استعراض المواقف كأي خطاب عابر، بل بدا أقرب إلى محاولة رسم معادلة استراتيجية تقوم على مبدأين متوازيين.
الأول: استعداد حزب الله لحرب طويلة الأمد يفرض خلالها قواعد اشتباك جديدة على الأرض.
الثاني: الإبقاء في ذات الوقت على نافذة سياسية يمكن أن تقود إلى نهاية المعركة باتفاق أضمن وأشمل من سابقه على قاعدة الانسحاب ووقف العدوان الإسرائيلي والانتهاكات.
مثل هذه الرسائل ليست بالجديدة في أدبيات المواجهة العسكرية، لكنها تكتسب هذه المرة دلالة أكبر في ظل تحولات إقليمية جارية في المنطقة وحرب مباشرة مستمرة مع إيران مع احتمالية توسع المواجهة على أكثر من جبهة في ظل التلويح أو بدء بدخول جبهة اليمن على خط المواجهة.
من هنا يمكن قراءة وفهم خطاب الشيخ قاسم بوصفه جزءاً من إدارة المعركة الجارية، ولعل أولى الرسائل التي حملها الخطاب تتعلق بالتأكيد أن حزب الله أعد نفسه لحرب طويلة مع "إسرائيل"، وأنه ما زال يمتلك المفآجات التي تستطيع أن تفرض المعادلات، مثل هذه الرسالة تحمل في طياتها بعداً استراتيجياً واضحاً، إذ إن في الحروب غير المتكافئة يشكل عنصر المفاجأة إحدى أهم أدوات الردع الذي يؤثر بشكل مباشر في حسابات العدو العسكرية وهذا ما حدث بالفعل في مبادرة الحزب بشن رشقات صاروخية على المستوطنات الإسرائيلية خلال هذه الجولة، ما يدلل على جاهزيته واستعداده، وعندما يتحدث الشيخ قاسم عن مفاجآت فهو في الواقع يكرس معادلة جديدة عنوانها الغموض الاستراتيجي حول قدراته الفعلية، سواء في مجال الصواريخ الدقيقة أم الطائرات المسيرة أم حتى في أساليب القتال غير التقليدية التي لم يكشف عنها بعد.
هذا النوع من الرسائل في جوهره يخاطب أكثر من جمهور في الوقت نفسه، وغير أنه يرفع من معنويات الحاضنة والقاعدة الشعبية المقاومة، يبعث أيضاً برسائل تطمين إليها أن المقاومة الإسلامية في لبنان ما زالت بخير ولديها قدرة عسكرية قوية ومتماسكة قادرة على الاستمرار في المواجهة، كما يوجه في المقابل رسائل ردع مباشرة إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مفادها أن أي توسع في الحرب لن يكون بلا ثمن، بل سيكون ثمنه باهظاً جداً ومكلفاً لإسرائيل.
لعل الرسالة الثانية في الخطاب أنه يحتل أهمية سياسية، وهي الإشارة إلى أن أي نهاية لهذه المعركة والمواجهة لا بد أن تقود إلى اتفاق أفضل وأشمل مع "إسرائيل" بما يحفظ سيادة أراضي لبنان، هذا يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لمسار المعركة، فالحزب في هذه المواجهة، ومنذ لحظة انخراطه المباشرة فيها، لا يتحدث عن حرب مفتوحة بلا أفق سياسي، بل عن مواجهة يمكن أن تفضي إلى نهاية المطاف الى إعاده صياغة قواعد الاشتباك من جديد، بما يضمن وقف العدوان والانتهاكات وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية التي دخلها وتمركز فيها بعد السابع من أكتوبر.
تاريخياً، غالباً ما تنتهي الحروب باتفاقيات سياسية، وقد انتهت الحروب السابقة بين حزب الله و "إسرائيل" بتفاهمات أو اتفاقيات أدت في نهاية المطاف إلى تثبيت معادلات ردع، كما حدث بعد حرب تموز 2006 وانتصار المقاومة الإسلامية آنذاك وقدرتها على فرض قواعد اشتباك، وهذا الانتصار أعاد رسم خطوط الاشتباك على الجبهة اللبنانية، ومن هذا المنظور يفسر حديث الشيخ قاسم إلى أن أي اتفاق أوسع وأفضل، سيكون بما يضمن فرض معادلة ردع جديدة تكون أكثر ملاءمة للحزب ومكانته السياسية والعسكرية، ولبنان على المدى البعيد.
على الزاوية الأخرى من الصورة، وفي هذه القراءة، لا يعني أن الطريق نحو مثل هذا الاتفاق سيكون سريعاً أو قريباً كما يتصور البعض، فكل المؤشرات الآتية من "إسرائيل" ومن خلال المتابعة اللحظية للمواقف السياسية والأمنية التي تصدر منذ لحظة عودة المواجهة، تشير إلى أن "تل أبيب" لم تصل بعد إلى الآن إلى قناعة بإنهاء المواجهة قريباً، بل على العكس، يبدو أن "إسرائيل" ما زالت ترى أن الوقت لم يحن بعد لوقف التصعيد وأنها تسعى أو تحاول تحقيق مكاسب ميدانية أو استراتيجية إضافية قبل الدخول في أي حلول أو تسوية سياسية.
مثل هذا التوجه قد يترجم في قراءة وفهم العقل الإسرائيلي أن المرحلة مقبلة على جولات إضافية من المواجهة والقصف والعمليات العسكرية المتبادلة، بل وربما إلى توسيع نطاق أو شكل المواجهة جنوب لبنان، في ظل الحديث إسرائيلياً عن بعض السيناريوهات التي يجري تداولها داخل الدوائر الأمنية الإسرائيلية التي تتحدث عن محاولتها فرض واقع أمني جديد عبر السيطرة الدائمة على مناطق وأراضٍ حدودية، وإنشاء مناطق عازلة تقلص من قدرة الحزب على تهديد العمق مع مستوطنات الجبهة الشمالية، لكن هذه المحاولات تواجه بقوة عسكرية رافضة من قوات المقاومة الإسلامية على الأرض.
حال تحقق مثل هذا السيناريو، فبكل تأكيد ستدخل المعركة في مرحلة أكثر تطوراً بل وتعقيداً، لأن هذا معناه ببساطة إعادة احتلال أراضٍ لبنانية وهذا بحد ذاته سيضع حزب الله أمام معادلة مختلفة تماماً، حيث يصبح الرد العسكري ليس فقط خيارا سياسياً بل مسألة مرتبطة بالشرعية الداخلية للحزب، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية، بعدما أعلنت الدولة اللبنانية موقفها من حظر الأنشطة التي يقوم بها حزب الله بشكل غير مسبوق.
جانب آخر ومهم في قراءة المشهد، إذ لا يمكن فصل مسار المواجهة في لبنان عن المسار الإقليمي الأوسع في الحرب المستمرة بين "إسرائيل" وإيران، الذي يشكل جزءاً مهماً من خلفية أساسية لكل ما يجري على الجبهة الشمالية.
وحتى لو توقفت المواجهة المباشرة في مرحلة ما بين إيران و "إسرائيل" في لحظة ما، فإن ذلك لا يعني بالضرورة توقف الحرب والمواجهة مع حزب الله في لبنان ، خاصة إذا ما استحضرنا الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية التي تنظر إلى أن حزب الله يشكل أحد أبرز التهديدات العسكرية على المدى البعيد، نظراً لامتلاكه ترسانة صاروخية كبيرة وخبرة قتالية تراكمت على مدار سنوات المواجهة منذ عامي 2000 و2006 وحتى اليوم.
ولفهم أعمق لما تطرق إليه خطاب الشيخ قاسم، بوصفه محاولة لإدارة التوازن بين خطاب الصمود والتحدي والاستعداد الطويل للحرب من جهة، وبين فتح باب للحل السياسي من جهة أخرى، فهو خطاب يرسل إشارات متوازنة عنوانها القدرة على الاستمرار في المعركة إذا استمرت "إسرائيل" في الحرب والاستعداد لتحويل نتائج هذه المعركة إلى مكاسب سياسية إذا ما فُتح الباب للحلول السياسية.
ولكن السؤال الأهم يبقى مرتبطاً بتقدير ميزان القوة والوقت معاً، وفي مثل هذه المواجهات غالباً ما يكون عنصر الوقت عاملاً حاسماً، فـ"إسرائيل" تراهن من طرفها على أن الضغط العسكري المستمر سيؤدي إلى إضعاف قدرات الحزب تدريجياً وتقليم أظافره، بينما يراهن حزب الله على الزاوية الأخرى من الصورة، إلى خيار الصمود والمواجهة والإعداد الجيد لفترة أطول سيجبر "إسرائيل" على القبول وتسوية أقل مما تطمح إليه، أو من أن تفرض معادلات اشتباك جديدة على الأرض بحكم استراتيجية المفاجأة مرة أخرى.
بين هذه السيناريوهات تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة أدق ما توصف بعدم اليقين الاستراتيجي، خاصة أن المواجهة لم تصل بعد إلى نقطة الحسم بين حزب الله و "إسرائيل"، كما أن شروط الحلول والتسوية السياسية لم تنضج بعد بالكامل.
وهذا يعني أن ما يجري الآن قد يكون مجرد محطة أولى أو فصل أول خلال هذه المرحلة من محطات المواجهة في صراع سيكون أطول وأكثر تعقيداً.
خطاب الشيخ نعيم قاسم كشف عن إدراك عميق لطبيعة اللحظة السياسية والعسكرية التي يمر بها لبنان، فهو لا يعلن نهاية الحرب ولا يتحدث عن حلول سياسية قريبة، بل وضع إطاراً لمرحلة مفتوحة على مصراعيها وعلى كل الاحتمالات.
بين المفاجآت التي تحدث عنها الشيخ نعيم قاسم وبين الرغبة والتقديرات الإسرائيلية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، يبقى المشهد محكوماً بمعادلة دقيقة، تصعيد ومواجهة محسوبة متدرجة تصاعدياً قد تقود في نهاية المطاف إلى إتفاق كما سابقتها، لكن، في تقديري، مثل هذا الاتفاق لن يكون قريباً قبل أن يمر عبر جولات أشد من المواجهة، لذلك حتى الآن تبدو المعركة في بدايتها بين "إسرائيل" وحزب الله حتى لو توقفت الحرب مع إيران، فقد تستمر "إسرائيل" في مواجهتها مع الحزب في ظل توفر مظلة ورعاية ودعم أميركي مستمر لذلك.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً