قبل 7 ساعە
شرحبيل الغريب
9 قراءة

غزة وتحديات 2026.. بين رماد الواقع وامتحان الأسئلة الكبرى!

وضعت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أوزارها منذ أكتوبر الماضي بعد اتفاق رعته الإدارة الأميركية. ورغم مرور أكثر من شهرين على هذا الاتفاق، فإن قطاع غزة وهو على أعتاب عام جديد، لا يزال سكانه يعيشون خروقات إسرائيلية مستمرة تحت وطأة إنسانية كبيرة بعد أن حوّلت البيوت إلى ركام ورماد، والوعود إلى ذاكرة مؤلمة تمر كل يوم بلا إغاثة حقيقية كافية ولا خطة إعمار نافذة. 

في خضم هذا المشهد المثقل بالآلام على الصعيد الإنساني، ومع انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق الرئيس ترامب لإنهاء حرب غزة، تبدو غزة كأنها مقبلة على مرحلة فارقة، تنتظر الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق ذاته، ولكن تتزايد أمامها التحديات وتكثر الأسئلة، أسئلة كبيرة بحاجة إلى إجابات وعمل كبير يوازي حجم الألم والجرح المفتوح والمعاناة الإنسانية التي يعيشها في ظل الحديث عن ترتيبات جارية لحكومة تكنوقراط جديدة ستدير غزة من جديد، وانتظار إرسال قوة استقرار دولية تضمن استمرار الاتفاق على الأرض.

يبدو أن عام 2026 في قطاع غزة لن يكون عاماً طبيعياً، وكما يقال إن الحرب لا تنتهي بوقف إطلاق النار فحسب، بل حين يجد الشعب الفلسطيني من يبلسم جراحه ويداويها، ويمسح غبار ركام لا يزال شاهداً على الجريمة، ويسود الأمن والأمان وينسحب الاحتلال انسحاباً كاملاً ويتوقف العدوان. كل هذا لمن يقرأ الواقع من بعيد، لكن الحقيقة التي يجهلها الكثيرون أن دفاتر الأسئلة في غزة كثيرة وستبقى مفتوحة، وستشكل هذه الأسئلة امتحاناً جديداً للإنسانية جمعاء ومعها السياسة، وللقدرة على تحويل الألم إلى أمل جديد ومشروع حياة لا حلول هشّة مؤقتة. 

المشهد في قطاع غزة معقّد ومركّب يجمع بين آثار حرب الإبادة التي استمرت عامين وأكثر، ودمار خلفته آلة الحرب، وبين شعب خرج من تحت الركام ينتظر إجابات شافية لواقعه ومستقبله، فالعام الجديد لن يكتفي بوصف هول ما حدث، بل سيفتح الباب على ملفات ثقيلة وتحديات المستقبل الأصعب. 

ثمة ملفات جوهرية تشكل تحديات كبيرة في عام 2026، تحقيق الإعمار، والمصالحة الوطنية الفلسطينية، وملاحقة "إسرائيل" على جرائمها وعلاقة الاحتلال مع قطاع غزة، وإعادة الإعمار أحد أهم الملفات الحاضرة في مطلع العام المقبل، وهنا ثمة أسئلة كثيرة يجري الحديث عنها، متى يتحقق الإعمار، وتحت أي إرادة سياسية، وهل سيخضع هذا الملف للابتزاز السياسي كالعادة، وتحت أي شروط سيتم نزع السلاح، وهل هناك إعمار عادل يكافئ الفلسطيني ويعيده إلى بيته كما كان؟ أم سيتحوّل إلى إعمار مشروط يحوّل الحياة إلى جحيم آخر وموت بطيء وهدنة بطابع الألم والمعاناة، وفي النهاية الحقيقة التي يجب أن يدركها العالم أجمع أن لا معنى لنهاية الحرب من دون إعمار يعيد للفلسطيني حياة وكرامة وأمناً وأماناً في آن واحد. 

الملف الثاني، المساءلة القانونية وملاحقة "إسرائيل" على جرائمها وتحقيق العدالة لشعب تعرض للإبادة الجماعية والتطهير العرقي على مدار عامين أمام مرأى ومسمع العالمين العربي والغربي، قضية تشكل جرحاً مفتوحاً لن يندمل إلا بالمساءلة والملاحقة في كل المحافل الدولية القانونية، وتشكل اختباراً لكل الدول والحكومات والهيئات والمؤسسات ذات الصلة، بإثبات حق الضحية في ملاحقة المحتل والجلاد، وضرورة البناء على ما تم من خطوات في هذا السياق، وقتها سيخضع القانون الدولي لاختبار القيم والأخلاق كقوة تطبّق على الجميع أو سيبقى مجرد نصوص وحبر على ورق. 

والأمر الأصعب الذي لا يروق لكل العائلات الفلسطينية التي تعرضت لجرائم الإبادة الجماعية، أن لا يكون هناك أي مسار قانوني يضمن ملاحقة "إسرائيل" ومعاقبتها على كل ما اقترفته آلتها الحربية بحق شعب أعزل، وقتها ستبقى الحرب حاضرة في الذاكرة حتى إن غابت أصوات الطائرات ونيران الصواريخ. 

ملف ثالث وهو العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل قطاع غزة، وكيف ستتشكل العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي بعد هذه الحرب، إذ تتحكم "إسرائيل" وتفرض قيوداً أبرزها استمرار الحصار الإسرائيلي، وهذا سينعكس سلباً على الإعمار وحركة الأفراد والمساعدات الإنسانية وقضايا أخرى، وبالمناسبة هذه العلاقة لا تعد علاقة منفصلة عن كل ما تحدثت فيه سالفاً، بل تشكل إطاراً ضاغطاً وعلاقة مباشرة تحدد ملامح كل قضية على حدا، ناهيك بالمستقبل السياسي المرتقب لقطاع غزة. 

ملف رابع لا يقل أهمية عما ذكرت، ويشكل نقطة تحد كبيرة أمام الفلسطيني الذي عاش الحرب والإبادة ولا يزال يتهدده مخطط التهجير، والسؤال الأبرز في هذا السياق، ماذا عن ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، أليس الأجدر بعد حرب الإبادة، إنهاء صفحة الانقسام وطيّها إلى الأبد، والسؤال الأبرز هنا، هل تملك الأطراف السياسية الفلسطينية ترف الوقت لمزيد من اللقاءات والاجتماعات للبحث في تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية؟

في اعتقادي، ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني لم يعد ترفاً ولا عنواناً لأي اجتماع يمكن الحديث عنه، بل شرطاً للوجود، وبل من الضروري تحقيق المصالحة الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى، مصالحة حقيقية قائمة على الشراكة في القضايا الوطنية الفلسطينية كافة بدءاً من الاتفاق على وجه الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي وشكله، وصولاً إلى القضايا الداخلية الأخرى الأقل أهمية، مصالحة ليست شعارات تطلق بل ضرورة عملية تتحقق لزرع بصيص أمل جديد أمام ما تبقى من شعب يبحث عن معالم حياة وسط هذا الظلام والدمار الذي تعرضت له غزة، لذلك سيبقى هذا السؤال مفتوحاً في عام 2026 لنرى ما إذا كانت المصالحة الفلسطينية ستتحقق أم سيبقى الانقسام قدراً، أو ربما تتوفر الإرادة السياسية لتجاوز هذه المرحلة السوداء من تاريخ شعب عاش الإبادة ويتطلع ليبني المستقبل بواقع مختلف، واقع يؤمن فيه الجميع ببعضه البعض ويعمل فيه الجميع معاً لإنقاذ ما تبقى، ومواجهة التحديات الأكبر في وقت تتعرض القضية الفلسطينية لأخطر مخطط تصفية بشكل غير مسبوق. 

كل ما ذكرت، يتعلق بقطاع غزة من الداخل، أما من الخارج فيبقى الامتحان الأكبر، هو اختبار العالم الذي شاهد جريمة الإبادة وشلال الدم ويشاهد جرحاً مفتوحاً عميقاً، مع دخول عام جديد على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة محمّلاً بأسئلة أخلاقية صريحة بحاجة إلى إجابات، والتساؤلات هنا أكثر وتتزايد بحجم المعاناة، هل سيعمل الجميع لأجل أن يتحقق الإعمار؟ هل ما زال هناك ميزان للعدالة الدولية يمكن أن يحاسب "إسرائيل" على جرائمها في غزة؟ هل ستنتهي ازدواجية المعايير التي كشفتها الحرب طيلة عامين، أعتقد أن غزة وبعد تاريخ السابع من أكتوبر 2023 ستكون مرآة ترى كل الأطراف صورتها على حقيقتها، سواء على صعيد الدول الرسمية، أو حتى المؤسسات القانونية والنخب وغيرهم من الجهات، فإما أن تستعاد الثقة بالعدالة وإما أن يعلن العجز والخذلان مجدداً.

 العام الجديد 2026 في قطاع غزة، سيكون عاماً لا يقبل المناطق الرمادية في القضايا التي ذكرتها كافة، فإما يحمل إعماراً يعيد الحياة ويثبت الفلسطيني في أرضه من جديد، أو مجهولاً يهدد وجود الفلسطيني في أرضه ويجعله أداة لتحقيق مشاريع التهجير، وإما مصالحة حقيقية قائمة على الشراكة والعمل الوطني الفلسطيني المشترك والإيمان بالآخر وإما انقساماً يؤبد ويبدد ما تبقى من حلم الفلسطيني، إما عدالة دولية حقيقية تستخدم كل القوانين وتعمل على تطبيقها، عدالة قائمة على الملاحقة القانونية ومحاسبة مجرمي الحرب، وإما صمتاً قانونياً مطبقاً يفتح الباب لشهية حرب إسرائيلية جديدة. 

غزة الجريحة وهي تدخل عام 2026، لم تدخله كبقية بقاع الأرض باحتفالات وابتهاجات، وإنما كقضية كاشفة لضمير العالم أجمع وأخلاقه، وتختبر الجميع في القدرة على التغيير، لذلك عام 2026 في غزة سيكون بوابة الاختبار الأكبر لنظام دولي يتغنى بالقانون والأخلاق والإنسانية، في وقت لا يُرى لها رصيد على أرض الواقع بعد.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP