قبل 13 ساعە
حسن لافي
14 قراءة

الحرب المركّبة: كيف تدير واشنطن وطهران و "تل أبيب" صراع الحافة؟

بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من الحرب على إيران، بات المشهد يتحول إلى مرحلة  حساسة بين إمكانية التصعيد العسكري ودخوله لمراحل أكثر خطورة واتساعا، وبين  ومحاولة فرض تسوية سياسية، توقف الحرب ضمن اطار عام للتفاوض مجدداً.

في هذا السياق تتحرك كافة الأطراف ضمن لعبة ضغط مركّبة وليست مسارات منفصلة، ومن هنا يصبح قراءة مواقف الأطراف ضرورة ملحة لمعرفة مسارات الحرب المستقبلية.

الموقف الأميركي
مازال موقف الرئيس دونالد ترامب ضبابي، فهو يمارس لعبته المفضلة، من خلال التصاريح المتناقضة، واللعب على الفجوة بين النوايا والواقع الميداني.

ففي الوقت يعلن عن بدء مسار تفاوضي مع إيران، وتقديم خطة لإنهاء الحرب ذات ١٥ نقطة، الواقع الميداني، يشهد المزيد من الحشودات العسكرية، ونقل لقوات برية للمنطقة تحت تهديد باحتلال جزية "خراج" الشريان الرئيسي لتصدير النفط الايراني، مع احتمال سيطرة برية على بعض المناطق الساحلية الايرانية المطلة على مضيق هرمز.

إذن الأميركي لم يصل بعد إلى نقطة نضج الاتفاق، بل يستخدم التصعيد لتحسين شروطه، ولكن في ذات الوقت التجربتين السابقتين للرئيس ترامب ٢٠٢٥، والحرب الحالية مع ايران، تفتح الباب واسعاً أمام احتمالية أن كل  المسار التفاوضي الذي يتحدث عنه ترامب  مجرد  غطاء تكتيكي لكسب الوقت واستكمال الاستعدادات لعملية عسكرية  أوسع، مع تجنب ارتفاع حاد في أسعار النفط، مع تهيئة بيئة سياسية وإعلامية داخلية تُبرّر أي تصعيد لاحق، عبر تحميل إيران مسؤولية فشل المسار الدبلوماسي.

ما يعزز التشكك في نوايا ترامب من التفاوض، أن إنهاء الحرب في ظل موازين القوة الحالية، يعتبر انتصار مهم للنظام الإيراني.

أولاً، لم يتحقق إسقاط النظام بالقوة كما كان يخطط له ترامب ونتنياهو.

ثانياً، صورة الردع الأميركية تجاه الإيراني ستتراجع لحد كبير، وتثبت إيران أنها رقم صعب في المنطقة لا يمكن اخضاعه بالقوة العسكرية.

ثالثاً، "إسراىيل" وفكرة "إسرائيل الكبرى"، وتوسعها في الإقليم، وفرض قواعد اشتباك بالقهر على المنطقة وخاصة لبنان ستتراجع بشكل كبير.

رابعاً، الخليج بعد هذه التجربة ومعه العرب بشكل كامل، سيصلون لنتيجة أن أمنهم القومي لا يمكن ارتهانه بالقدرة الأميركية وقواعدها في مناطقهم، بل يجب أن يكون الأمن القومي العربي بيد العرب أنفسهم وليس غيرهم. حيث اثبتت التجربة أن لا حليف لأمريكا في المنطقة إلا "إسرائيل".

سادساً، النفط الإيراني سيتم تخفيف القيود عليه من أجل تعويض الاحتياطات النفطية التي فقدتها الدول الكبرى أثناء الحرب بما فيها الاحتياطات الأميركية، أضف إلى ذلك أن بعض الدول ستعمل على إيجاد حلول مع إيران بعيداً عن الضغط الأميركي بشأن الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة لديها.

سابعا، التموضع الأميركي بالعالم في مواجهة الصين وروسيا سيتراجع  بشكل كبير، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبرها أميركا منطقة نفوذ خالصة لها.

في المقابل، تحول الحرب إلى حرب استنزاف، لا يمكن التنبؤ بمآلاتها وفقدان القدرة على ضبطها، على غرار التجربة الفيتنامية، أكثر خطورة على الأميركي من الذهاب إلى الحلول التفاوضية في ظل غياب القدرة على الحسم العسكري.

لذا خلاصة الموقف الأميركي، أنه لا يدير حربا عادية، ولا مفاوضات تقليدية، بل مفاوضات تحت النار، وفي مساحة النقطة الحرجة التي ممكن تنقل الحرب إلى مرحلة اللاعودة، لزيادة الضغط على الإيراني. 

الموقف الإسرائيلي
رغم أن وثيقة ترامب ذات الخمسة عشر نقطة تعتبر جيدة لها، لكن القلق الإسرائيلي من تحولها لسقف تفاوضي يتقلص من خلال  التفاوض إلى"اتفاق سيئ"، وبذلك القلق الإسرائيلي ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو تعبير عن مخاوف وجودية تتعلق بقدرة إيران على امتلاك أسلحة نووية، التحذيرات من أن الاتفاق قد يترك لإيران كمية من اليورانيوم المخصب تكفي لإنتاج 11 قنبلة نووية، وصواريخ بالستية تهدد كل كامل الجغرافية الاسرائيلية، سيضع "إسرائيل" مرة أخرى أمام ذات المشكلة، بمعنى أنها لم تحقق إنجاز استراتيجي تجاه خارطة التهديدات المحيطة بها بعد حربين مع إيران، بل الاتفاق مثابة إعلان أميركي  ودولي بإيران كقوة اقليمية لا يمكن تجاوزها حتى بالحلول العسكرية.

رغم هذه المعضلة، تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بأنه "ليس أمام "إسرائيل" خيار سوى الانسجام مع ترامب"، رغم تفضيل مواصلة الهجمات، تكشف عن مأزق استراتيجي. فـ "إسرائيل" تجد نفسها مضطرة للتكيف مع السياسة الأميركية، حتى لو كانت تتعارض مع رؤيتها الأمنية المباشرة، وذلك للحفاظ على الدعم الأميركي الحيوي.

هذا الوضع قد يدفع "إسرائيل" إلى البحث عن بدائل أو تعزيز قدراتها الذاتية للتعامل مع التهديد الإيراني في حال شعرت بأن الاتفاق لا يلبي متطلبات أمنها. وهذا يتناقض مع استراتيجيتها الأساسية أن  تحول إيران لتهديد عالمي واقليمي  يتطلب من الولايات الأمريكية تشكيل أئتلاف دولي عربي لمحاربته.

الموقف الإيراني
إيران ترسل من خلال الميدان أنها ليست مستعجلة لإنهاء الحرب ما لم تحقق شروطها الأساسية، والتي أهمها ضمان عدم تكرار الحرب عليها في المستقبل، خاصة أن هناك تشكك إيراني بالنوايا الأميركية للتفاوض، لذلك تعاملها الحذر ورفضها العلني يعكسان إدراكًا لاحتمال استخدام التفاوض كأداة ضغط وليس كمسار حقيقي.

إيران تدرك أن هناك جانب آخر بهذه الحرب، وهو قدرة الجبهة الداخلية للأطراف على الصمود، وهنا إيران بمساحتها وجغرافيتها وطبيعة شعبها، اكثر صموداً وتحملاً، في المقابل الجبهة الداخلية الإسرائيلية ذات المساحة الضيقة والنمط المعيشي الغربي ذو الرفاهية  وهنا يحقق الصاروخ الايراني هدف اضافي أهم من إلحاق الدمار، وهو تشويش وتعطيل الحياة اليومية، وزراعة الرعب.

ناهيك عن أن المعادلة الإيرانية تحاول فرض ثمن وكلفة على الاقتصاد الأميركي، و العالم كله من خلال اللعب على إغلاق مضيق هرمز وتشويش امدادات الطاقة، لكي يصبح كل العالم عامل ضاغط على ترامب لوقف الحرب.

لكن هذه المعادلة أيضا تحمل بطياتها مخاطرة، بأن هذه الخطوة تجبر العالم للتحالف ضدها وتشكيل ائتلاف دولي تحت عنوان فتح ممرات الملاحة وحماية امدادات النفط.

وهنا تبرز المواقف الدولية والاقليمية، والتي تتسم بالحذر الشديد من الانزلاق في وحل هذه الحرب، التي يعتبرها الكثيرون أنها ليست حرباً لا مفر منها، ولذلك هناك سعي دؤوب لإيجاد مخرج سياسي لها، من خلال مساعي الوساطة بين الأميركي والايراني. 

في المجمل، الحرب تقف عند نقطة تحوّل حاسمة، لكن مسارها لا يُحسم بقرار طرف واحد فقط؛ فرغم أن دونالد ترامب يملك مفتاح التصعيد الأكبر، فإن اتجاه الحرب سيتحدد من تفاعل قرارات واشنطن وطهران وتل أبيب معًا. ويبقى المسار التفاوضي قائمًا شكليًا، كونه لم يُختبر بعد، لكنه قد يخفي تحضيرًا لمرحلة تصعيد أوسع.

لكن بالخلاصة، نحن أمام مشهد تحكمه أربعة حقائق رئيسية:

١. الحسم العسكري السريع فشل.

٢. المسار الدبلوماسي أصبح ضرورة وليس خيارًا.

٣.شكل الاتفاق القادم في حال حدوثه سيكون أقل من طموح إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

٤. قدرة إيران تعتمد على امتصاص الضربات مهما كانت موجعة ومكلفة، والاستمرار بتدفيع أعدائها الثمن وزيادة الضغط عليه  بكل الطرق الممكنة وعلى كافة المستويات.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP