قبل 18 ساعە
موفق محادين
18 قراءة

من أوراق العدوان على إيران

لماذا توجد كلّ هذه القواعد الأميركية في بلادنا وضدّ من، إذا كان الإرهاب التكفيري صنيعة المخابرات الأميركية والبريطانية، نسأل، لماذا لم تحتجّ البلدان العربية على استخدام أراضيها للعدوان على دولة جارة؟

 

1-الهدف الحقيقي للعدوان: إضافة إلى المشروع النووي كحامل لاستراتيجية تحديث متطوّرة وقوية في كلّ المجالات، وإضافة إلى الاعتبارات الأخرى وسياقاتها وفي المقدّمة منها إسناد بيئة شعبية مقاومة في عموم المنطقة، وكذلك ما يقال عن ثارات أميركية ـــــ بريطانية ـــــ صهيونية ناجمة عن الخسائر النوعية التي تلقّاها هذا الثالوث على يد المقاومة في لبنان وفلسطين، فإنّ موقع ومكانة ودور إيران في الجيوبولوتيك السياسي للشرق الأوسط، أدّى ويؤدّي دوراً حاسماً في فهم العدوان الإجرامي عليها.

فبحسب بريجنسكي، أهمّ عقل إمبريالي في العقود الأخيرة، فإنّ من يسيطر على الهارت لاند الأوراسي يسيطر على العالم، ويستدعي في الوقت نفسه السيطرة على الخاصرة الأوكرانية شمالاً وعلى الهارت لاند الشرق أوسطي جنوباً.

على مدار العقود السابقة جرت تحوّلات كبيرة على هذا الصعيد، فبعد أنّ كان الهارت لاند الجنوبي تحت السيطرة الأميركية الصهيونية في زمن إيران الشاه وتركيا مندريس، مؤسّس الإسلام السياسي الأطلسي في المنطقة، فقد قلبت الناصرية المشهد رأساً على عقب وعمّقت الأزمة الإمبريالية بالتوجّه شرقاً نحو الاتحاد السوفياتي. 

بعد أن التقط التحالف الأميركي الصهيوني أنفاسه مجدّداً برحيل عبد الناصر، ظهرت قوة كبيرة خلطت الأوراق مجدّداً هي الثورة الإيرانية التي أدركت أهمية القواعد الدولية لدورها الإقليمي وتجاوزت وظيفة حروب الخليج الأولى والثانية ضدّها، وقامت بتغذية محور المقاومة الذي حاصرته واشنطن و"تل أبيب" ومحميات النفط والغاز المسال بخطاب طائفي للإزاحة عن الجبهة مع العدو نحو جبهات مزعومة بديلة. 

في هذا السياق جاءت المعركة الأطلسية الصهيونية والخطاب الطائفي التكفيري لكسر الحلقة الإيرانية وإعادة السيطرة على الهارت لاند الجنوبي، وهو ما يعني أنّ العدوان الحالي أبعد وأخطر من كلّ الخطابات التي يسوّق لها بالتوازي مع الاحتقان الطائفي، ويعني أنّ صمود إيران في هذه الحرب هزيمة بحدّ ذاته للأهداف الأميركية الصهيونية.

2-المرشد الشهيد
على طريق كربلاء والحسين وحسن نصر الله وبقيّة المواكب، حطّت رحال المرشد كعلامة أيقونية تدلّ السالكين على فضاء الحقّ بالدم والشهادة. 

كان المرشد الشهيد علامة من علامات تمكث في الأرض وقلب التاريخ طويلاً. 

من مدينة مشهد (طوس) ومن أصول أذرية، إلى اشتباك مع نظام الشاه العميل الفاسد، سنوات طويلة وراء القضبان وأخرى خلف الحدود في المنافي، إلى رئاسة الجمهورية 1981 – 1989 فالمرشد الأعلى للدولة والثورة، جمهورية الاشتباك الطويل الاستراتيجي مع تحالف الشر الأميركي ـــــ البريطاني ـــــ الصهيوني. 

كانت فلسطين من البحر إلى النهر تنبض في قلبه، لا نقطة على جدول أعمال ومصالح عليا للدولة وحسابات إقليمية، بل كاستراتيجية أخلاقية ضدّ الشرّ وكفرض عين وواجب معاً. 

انطلاقاً من ذلك، صار فيلق القدس هو العنوان الأبرز في مجمل مشروع الجيش والحرس ولزوميات ذلك على امتداد الإقليم ومساحات الاشتباك مع العدو الصهيوني. 

بالروحية الأخلاقية حرّم السلاح النووي، وبهذه الروحية حذّر من اللعب بقانون التناقضات واختلاق جبهات طائفية بديلة عن الجبهة من أجل فلسطين والقدس، وبدأ من مكتب الإرشاد بالدعوة إلى أوسع حوار بين مكوّنات الأمة حتى أنه ترجم كتابات لسيد قطب، ودعا إلى تحريم الإساءة لأيّ شخصية من التاريخ الإسلامي ولا سيما الصحابة. 

لم يكن المرشد مجرّد رجل دين أو واعظ من وعّاظ الفقه السياسي، بل كان على تماس دائم مع الأدب والثقافة وكان مهتماً بالشعر والأدب العربي خصوصاً، بشهادات رفاقه العرب الذين كانوا معتقلين معه في سجون الشاه، ومنها ملاحظات تركها على هوامش دواوين للجواهري وجبران خليل جبران والأصفهاني في الأغاني. 

3-الاغتيال في العقل اليهودي والأميركي
الاغتيال السياسي جريمة شائعة عند أوساط سياسية عديدة ولأسباب وخلفيّات مختلفة، ولكنها في العقل اليهودي الأميركي تجري في سياقات خاصة وبأشكال متنوعة، بينها الاتكاء على تاريخ ملازم لليهودية وهو الاغتيال بالسمّ وصولاً إلى تطوير مختبرات حديثة. 

ارتبط الاغتيال بالسمّ بداية بالجماعة اليهودية وأمثالها لدوافع داخلية أو لصالح سلاطين وقوى أخرى، وتطوّر في القرن العشرين وفق اعتبارات أشار إليها الصحافي الكبير، محمد حسنين هيكل، بعضها ناجم عن دراسات سيسولوجية استشراقية تختصر القوى والتكوينات الشرقية بالقائد أو رئيس القبيلة، فيكون استقطابه أو اغتياله حلاً لهذه القضية أو تلك، وبعضها ناجم عن ثقافة هوليوودية سينمائية استعراضية في سياق الدراسات المتعلّقة بالجماعات والمؤثّرات الخاصة بها.

ما أغفلته الدراسات السابقة بحسب هيكل أيضاً، أنّ التشخيص الموضوعي لدور الفرد لدى الجماعات الشرقية كان ملائماً للحالات القديمة، بينما التشكيلات الحديثة المنظّمة المتمرسة قادرة على تجاوز أية خسارات من هذا النمط مهما كان حجمها. 

وهو ما أكّدته التجربة الإيرانية بعد كلّ جريمة اغتيال طالت قائداً هنا وقائداً هناك، والأمر نفسه ينطبق على المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، وإذا كانت القوى الوطنية والمقاومة بحاجة إلى المزيد من الحذر والمراجعة إزاء هذه الأساليب المنحطّة، فإنّ معسكر الشرّ الأميركي ـــــ الصهيوني لم يتعظ أيضاً وما زال مزهواً بامتلاكه لتكنولوجيا القتل المتقدّمة والاستعراض بالاغتيالات الفردية التي تظلّ أصغر من قوانين التاريخ والصراع وتداعياتها. 

4-محور القادة الشهداء على طريق فلسطين
شهدت حروب كثيرة سقوط العديد من القادة في هذه الحروب، مثل حرب الاستقلال الجزائرية ضدّ الاستعمار الفرنسي وعشرات القادة من فصائل المقاومة الفلسطينية والعراق بعد العدوان الأطلسي عليه، وكذلك فيتنام خلال مقاومة الاحتلالات الثلاثة: اليابان وفرنسا وأميركا. 

لكنّ هذه الحروب لم تعرف ظاهرة القادة الشهداء على النحو الذي شهده التحالف العربي الإيراني ضدّ تحالف الشرّ والإجرام الأميركي الصهيوني البريطاني، منذ تداعيات الاجتياح الصهيوني للجنوب اللبناني 1982 وتصاعد المقاومة ضدّه وحتى الآن. 

ومن نماذج هذه الحالة استشهاد معظم قيادة حزب الله وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله، واستشهاد معظم قيادة حركة حماس وعلى رأسهم السنوار والرنتيسي وهنية، ومعظم قادة الجهاد الإسلامي وفي مقدّمتهم الدكتور فتحي الشقاقي. 

كما قدّمت إيران حالة فريدة في تاريخ الدول والحروب من حيث مواكب الشهداء المتواصلة من الرؤساء أمثال رجائي ورئيسي وخامنئي، ومن القيادات العسكرية والسياسية.

5-العدوان الثلاثي مجدّداً 
يذكّرنا العدوان الثلاثي الحالي على إيران (الإمبريالية الأميركية والبريطانية والكيان الصهيوني) بالعدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر 1956 والذي ضمّ طرفين من أطراف العدوان الحالي، العدو الصهيوني وبريطانيا. 

المشترك بين المرتين هو استهداف القوى المناهضة لمصالح وسياسات النهب والهيمنة واللصوصية والإخضاع لمشيئة الغرب الرأسمالي والصهيونية العالمية، أما الجديد والمختلف فهو أنّ إيران الشاه التي دعمت العدوان الثلاثي 1956 ضدّ المشروع القومي العربي الناصري وكانت تزوّد العدوان بالنفط، لم تعد قائمة وحلّت محلّها إيران الجمهورية الإسلامية، التي كان أول إجراءاتها إغلاق سفارة العدو الصهيوني واستبدالها بسفارة فلسطين وإغلاق القواعد الأميركية التي تهاجمها اليوم من الخليج وغيره. 

كما أنّ مصر القومية الوطنية غابت مؤقتاً بعد الانقلاب الساداتي الذي نقلها إلى معسكر واشنطن ـــــ "تل أبيب"، كما يحاول العدوان على إيران اليوم تكرار المحاولة نفسها. 

6-الخطاب المتهافت حول الاستهداف الإيراني للبلدان العربية
إضافة إلى السؤال الكبير، لماذا توجد كلّ هذه القواعد الأميركية في بلادنا وضدّ من، إذا كان الإرهاب التكفيري صنيعة المخابرات الأميركية والبريطانية، نسأل، لماذا لم تحتجّ البلدان العربية على استخدام أراضيها للعدوان على دولة جارة وتطالب بوقفه بدل الانسياق وراء الخطاب الإعلامي الأميركي الصهيوني، والتحدّث عن استهدافها من قبل إيران وهي تعرف أنّ المستهدف هو القواعد والمراكز الأميركية التي انطلق منها العدوان وليس البلدان العربية بحدّ ذاتها. 

الأسوأ أنّ بعضها عاد إلى المعزوفة القديمة لتضليل الرأي العامّ وحقنه بالخطاب الطائفي التحريضي المعروف في سياق التكتيك الصهيوني لاستبدال "تل أبيب" كعدو بإيران، بل وإقامة تحالف مع الكيان في هذا السياق. 

في الردّ على التساؤلات السابقة، ما هو معروف أنّ العلاقة بين الكيان الصهيوني وواشنطن ومحميات النفط، علاقة جدليّة على نحو راسخ ومجرّب، واستخدمت موارد النفط والغاز المسال دائماً ضدّ حركات التحرّر العربية ابتداء بالناصرية مروراً بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية وإغراق العرب في موسم فوضى طائفي مدمّر، وانتهاء بالمساهمة في ضرب إيران، آخر الحلقات المناهضة للتحالف الأميركي الصهيوني. 

7-الحرب على الأطفال
كما حدث في ملجأ العامرية في العراق واستشهاد مئات الأطفال بغارة أميركية، استهلّ ثنائي جزيرة إبستين والفساد والإجرام، ترامب ونتنياهو، عدوانهما على إيران بقصف مدرسة ابتدائية للبنات وقتل أكثر من 150 طفلة وتلميذة. 

من اللافت للانتباه أنّ الجريمة الأميركية الصهيونية ضدّ أطفال إيران تجري على خلفيّة جرائم سابقة أخرى ضدّ الأطفال ابتداء من جزيرة إبستين مروراً بالجرائم ضدّ الأطفال العرب، سواء أطفال غزة (20 ألف طفل وتلميذ)، أو المجازر ضدّ عشرات المدارس، مثل بحر البقر في مصر وكفر أسد في الأردن وقانا اللبنانية وأكثر من مدرسة في العراق واليمن. 

8-تظاهراتهم وتظاهرات الشعب
مقابل تظاهرات شهدتها إيران تشبه الثورات الملوّنة التي تدار من أقلام الاستخبارات الأطلسية والصهيونية والنفطية، خرج الإيرانيون في تظاهرات مليونية تنديداً بالعدوان على بلادهم ومحاولات هذا العدوان إعادتهم إلى نظام يشبه نظام الشاه الفاسد الذي كان يدار من أكثر أجهزة القمع إجراماً وصهيونية في التاريخ المعاصر، السافاك، وكان من ضحاياه مليون إيراني من مختلف المشارب السياسية والفكرية. 

9-درس مصدق وما قبله
تعود المقاومة الشعبية الإيرانية للتدخّلات الإمبريالية الأوروبية ثم الأميركية، إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث حاول الإمبرياليون الإنكليز ترويض إيران ودمجها في مصالح شركة الهند الشرقية البريطانية، وقد تصدّى الشعب بقواه الوطنية والمذهبية لهذه المحاولات فيما كانت بقايا العائلة الحاكمة من القاجار تعيش حالة غير مسبوقة من الفساد والترهّل. 

وقد تكرّرت هذه المحاولات طيلة القرن العشرين ولا سيما في إثر تشكيل حكومة الدكتور محمد مصدق 1950، وإعلانه عن تأميم النفط وفرض الضمان الاجتماعي وبرنامج الإصلاح الزراعي، لكنه افتقد إلى القوة المنظّمة لمواجهة النظام الفاسد وداعميه الإمبرياليين، الذين نجحوا عبر انقلاب عسكري عام 1953 وتدخّل استخباراتي غربي مباشر (عملية أجاكس) بالإطاحة بمصدق وإعادة الشاه الهارب. 

هذا الدرس لم يغب عن قوى الثورة التي أطاحت بالشاه وشكّلت بيئة ومنظومات واسعة لحماية الثورة وخاصة الفكرة الجمهورية، فيما ظلّ مصدق والحركة التي تواصلت باسمه متردّدة حول هذا الموضوع. 

10- الإرهاب الدولي
إضافة إلى التوصيف الإجرامي للعدوان الأميركي ـــــ الصهيوني ـــــ البريطاني على إيران، وهو توصيف قانوني وأخلاقي، ثمّة توصيف غاب عن إعلام العدوان بعد أن كان واحداً من معزوفاته السابقة (في توصيف المقاومة) وهو إرهاب الدولة المرتبط بالانتهاك السافر للقانون الدولي. 

فبحسب منطق هذا القانون لا يجوز الهجوم على أيّ دولة إلا وفق البند السابع من المواثيق الدولية المعتمدة في هيئة الأمم نفسه وخاصة مجلس الأمن. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP