قبل 5 ایام
موفق محادين
40 قراءة

الاختطاف السياسي، كجريمة دونها سوابق!

الاشراق | متابعة.

تقارب جريمة الاختطاف السياسي التي نفّذتها الإمبريالية الأميركية بحقّ رئيس منتخب، هو رئيس فنزويلا الوطني الشجاع مادورو، كجريمة سياسية في القانون الدولي دونها سوابق في تاريخ المتروبولات الرأسمالية وفي مقدّمتها واشنطن، وكذلك كجرس إنذار يهدّد العالم كلّه ويستدعي العمل لفكّ أسر الرئيس المختطف والتضامن مع فنزويلا وحقّها في الاستقلال وفكّ التبعيّة والسيادة على مواردها ضدّ استراتيجية النهب واللصوصية الأميركية. 

كما يشار إلى أنّ قوات الدلتا الخاصة المشكّلة عام 1977 والتي نفّذت هذه الجريمة، ضالعة في عمليات عديدة مماثلة، بينها عملية الرهائن في إيران 1980 والتي انتهت بمقتل عناصر القوة المذكورة. 

الاختطاف السياسي، ظاهرة قديمة جديدة، استفحلت في الأزمنة الرأسمالية ولا سيما من قبل المخابرات الأطلسية، وعلى رأسها المخابرات الأميركية، ومن المفهوم حتى لدى تيارات سياسية في قلب المنظومة الرأسمالية أنّ الاختطاف السياسي ينتمي إلى تقاليد المافيات والعصابات الإجرامية، خصوصاً وأنّ هذه المنظومة طوّرت أقنعة أخرى لابتزاز العالم كلّه، من مزاعم حقوق الإنسان إلى الحصار السياسي والاقتصادي. 

من تاريخ الاختطاف السياسي المذكور، اختطافات نفّذت ضدّ رؤساء حكومات ودول، وأخرى ضدّ مناهضين لسياسات النهب واللصوصية الإمبريالية: 

- من النمط الأول، نذكر اختطاف رئيس وزراء الكونغو، باتريس لومومبا، في مطلع شهر كانون الثاني/يناير (التوقيت نفسه لاختطاف مادورو)، ففي هذا الشهر من عام 1961 وبعد التفاف شعبي كبير حول لومومبا وانتخابه رئيساً لحكومة الكونغو، أصيبت الشركات الأميركية والأوروبية في تلك البلاد بالذعر نظراً للتيار الذي يمثّله لومومبا ويدعو للسيطرة الشعبية على الموارد الوطنية من المعادن النادرة وغيرها، فضلاً عن الخوف من امتدادات تأثيرات البرنامج الوطني للتحرّر إلى البلدان الأفريقية، والذي تزامن أيضاً مع صعود الناصرية ودعوة عبد الناصر لاتحاد البلدان الأفريقية في هيئة مشتركة، على غرار الخط البوليفاري الذي أطلقه شافيز في فنزويلا وتواصله مع الرئيس مادورو.

لم تكتفِ الدوائر الأميركية والأوروبية بالتآمر لإقصاء لومومبا واستبداله بعميلها، تشومبي، بل لجأت إلى اختطافه ومحاكمته بناء على تهم مزعومة ونفّذت فيه حكم الإعدام، وقد شاركت في هذه العملية وحدات استخباراتية وعسكرية أوروبية وأميركية بالتعاون مع عملاء محليّين على رأسهم تشومبي (اعتقلته الجزائر لاحقاً ومات في سجونها)، كما تمّت تصفية كلّ المتورّطين في عملية الاختطاف على يد مقاومين أفارقة.

بالتزامن مع تطوّرات اختطاف لومومبا واغتياله، قامت الدوائر الأميركية والأوروبية بعملية غسيل لكلّ ما يحيط بتلك الظروف ومنها السقوط المفاجئ لطائرة سكرتير الأمم المتحدة، داغ همرشولد، عندما كان على رأس مهمّة دولية لترتيب الأوضاع في الكونغو بأقلّ الخسائر الممكنة، وقد أقيمت لـ لومومبا عشرات المظاهر التكريمية في أفريقيا وغيرها، كما تمّ تأسيس جامعة باسمه في موسكو هي جامعة الشعوب. 

- من النمط الثاني، الذي قامت به الدوائر الأطلسية والرجعية، هو اختطاف شخصيات وقيادات سياسية غير حكومية واغتيالهم، بينهم:

- اختطاف المفكّر والسياسي المغربي العروبي الديمقراطي، المهدي بن بركة 1965، بعد استدراجه عن طريق صحافيين عملاء، من مدينة أوروبية حيث كان يعيش في المنفى إلى باريس، وقد جرى تقطيعه بالسكاكين وتذويبه بالأسيد، وكما انتهى قتلة لومومبا، كذلك تمّت تصفية قتلة المهدي بن بركة، وبينهم الجنرال أوفقير بعد اتهامه لاحقاً بتدبير انقلاب ضدّ الملكية.

- اختطاف مؤسس وزعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان (آبو) بعد ملاحقته في عاصمة أفريقية ونقله إلى تركيا خلال حكم الجنرالات ولا يزال في السجن منذ اختطافه عام 1999، وكان أوجلان (تركي علوي) قد تبنّى الاشتراكية ودعا الكرد في تركيا وكلّ المنطقة إلى مغادرة أوهام الأحزاب البرجوازية الكردية التي تقبل بالذوبان أو الحكم الذاتي، وتبنّى استراتيجية العمل من أجل كردستان جديدة في إطار فدرالية لكلّ شعوب المنطقة، وقد انخرط حزبه في عمليات المقاومة الفلسطينية جنوب لبنان ضدّ العدو الصهيوني وخاصة معركة الشقيف 1982، قبل أن يرتدّ هذا الحزب على برنامجه السابق ويصبح جزءاً من التحالفات الكردية مع الدوائر الغربية.

- اختطاف العديد من الناشطين اليساريين الراديكاليين على يد الدوائر الأطلسية وإعدام بعضهم واعتقال آخرين، مثل الجماعات اليسارية الراديكالية في أوروبا واليابان (الجيش الأحمر) التي انخرطت أيضاً في صفوف المقاومة الفلسطينية.

- عملية الاختطاف التي نفّذتها المخابرات الفرنسية وتعرّض لها المناضل اللاتيني الأممي، كارلوس، عندما كان مختفياً في السودان وقد جرت عملية الاختطاف بالتنسيق مع أوساط من الإسلام السياسي هناك، وكان كارلوس قد انخرط أيضاً في صفوف المقاومة الفلسطينية.

- عمليات الاختطاف التي قام بها العدو الصهيوني للعديد من الكوادر الفلسطينية والعربية والعالمية التي انخرطت في الكفاح ضدّ العدو الصهيوني، ولا سيما العمليات التي نفّذها العدو بإعدام المختطفين في العواصم التي اختطفوا منها، مثل قبرص وإيطاليا وإسبانيا.

- عمليات الاختطاف التي جرت في عواصم عربية ضدّ معارضين وطنيين، تمّ استدراجهم وتعذيبهم حتى الموت، كما حدث مع المعارض والمؤرّخ، ناصر السعيد. 

الاختطاف في القانون الدولي 
إضافة إلى البعد الوطني والسياسي في صراع البوليفارية التحرّرية مع الإمبريالية الأميركية، فإنّ عملية القرصنة واختطاف الرئيس مادورو، تتناقض تماماً مع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وتعتبر في ضوء حيثياتها وسياقاتها وأهدافها الحقيقية المعلنة، جريمة بحسب المادة الـ 2 من ميثاق الأمم المتحدة (ضدّ أيّ تهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضدّ سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدول أو على وجه آخر)، وبالمثل أكثر من مادة في نظام المحكمة الجنائية الدولية، والقانون الدولي الإنساني، والمؤتمر الدولي للصليب الأحمر عام 1981.

ويؤكّد الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العامّ المادة الـ 8 من نظام روما حول انتهاك مبدأ الحصانة المعروفة للرؤساء الذي أكّدته محكمة العدل الدولية. 

إلى ذلك، تندرج جرائم الاختطاف السياسي بشكل أو بآخر في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، أياً كانت مواقعهم، وهي الاتفاقية التي أقرّتها الجمعية العامّة عام 2010 استناداً إلى قرار سابق عام 1992، وإلى ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والبروتوكولات الدولية، ومن المواد ذات الصلة في هذه الاتفاقية: 

- من المادة الـ 2، يقصد بالاختفاء القسري الاعتقال أو الحجز أو الاختطاف. 

- من المادة الـ 5، يعتبر الاختفاء القسري جريمة ضدّ الإنسانية. 

- من المادة الـ 6، مرتكب هذه الجريمة، الرئيس الذي علم بأنّ أحد مرؤوسيه قد ارتكب أو كان على وشك ارتكاب مثل هذه الجريمة ولم يتخذ التدابير اللازمة للحيلولة دونها، كما جاء في المادة السابقة أنه لا يجوز التذرّع بأيّ أمر أو تعليمات صادرة عن سلطة عامّة أو مدنيّة أو عسكرية أو غيرها لتبرير هذه الجريمة. 

- من المادة الـ 7، تفرض كلّ دولة طرف، عقوبات ملائمة على الجريمة المذكورة. 

- من المادة الـ 8، تتخذ كلّ دولة طرف تطبّق نظام التقادم بسبب الاختفاء القسري، التدابير اللازمة عندما تكون الجريمة قد ارتكبت داخل الإقليم الذي يخضع لولايتها القضائية. 

- من المادة الـ 10، على كلّ دولة طرف يوجد في إقليمها شخص يشتبه في أنه ارتكب الجريمة المذكورة أن تكفل احتجازه واتخاذ التدابير القانونية بحقّه.

- من المادة الـ 13، اعتبار الجريمة المذكورة جريمة موجبة التسليم لمرتكبيها. 

يتبيّن مما سبق ومن تعريف الاختفاء القسري ومن الظروف المحيطة به، أنّ اختطاف الرئيس مادورو جريمة دولية كاملة الأركان، وجريمة ضدّ الإنسانية، وجريمة ضدّ سيادة الدول وحصانة الرؤساء، ولا ذرائع لتبريرها، وضرورة اتخاذ عقوبات بحقّ مرتكبيها وتسليمهم للعدالة. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP