قبل 9 شهور
موفق محادين
175 قراءة

سقوط الغرب – الجذور والتداعيات

المواقف البربرية لكيان الاحتلال تعكس خوفه ومن خلفه الغرب، سيما في ضوء صعود الصين وروسيا الأوراسية، وتصدّع الأرض تحت أقدام النظام الرأسمالي العالمي المتوحّش الذي أقيم منذ عدة قرون.

"سقوط الغرب". 

نستعير هذا التعبير للفيلسوف الألماني، شبنغلر، الذي أطلقه بعد الحرب العالمية الأولى، ونعيد إطلاقه على هذا الغرب بكلّ تعبيراته، الأميركية والأوروبية، في ضوء مواقفه المخزية من الجرائم الصهيونية في غزة، وبعد قرن كامل تقريباً زاد فيه الغرب توحّشاً وانحطاطاً وإجراماً، وكان من مظاهره الأخيرة تصنيف بوريل (مفوّض الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي) للعالم بين أعراق بيضاء وبين البقية بوصفها برابرة القرن، وهو التصريح الذي استند فيه إلى فيلسوف الهمجية الأميركية، هنتغنتون، وكتابه المعروف عن صدام الحضارات. 

فبعد مواقف زعماء الغرب المنحطة المشينة المنحازة للهمجية الصهيونية ضد النساء والأطفال والمدارس وبيوت العبادة في غزة، أظهروا في قمة القاهرة صلفاً وحشياً لا مثيل له في الانحطاط، وكرّروا مواقفهم السابقة برفض التوقيع على بيان يدعو إلى هدنة إنسانية تسمح بإمداد السكان بالماء والغذاء ومعالجة الجرحى


من المؤكد أن المواقف المشينة البربرية المذكورة، تعكس خوفاً على ربيبتهم الصهيونية وعلى مصيرهم أيضاً في ضوء صعود الصين وروسيا الأوراسية، وتصدّع الأرض تحت أقدام النظام الرأسمالي العالمي المتوحّش الذي أقاموه منذ عدة قرون، ذلك أنّ لسقوط الغرب وانحطاطه في الامتحان الإنساني في غزة، جذوراً أبعد وأعمق من ذلك، وتعود إلى ما يعرف بنظام وستفاليا الذي انبثق في القرن السابع عشر، وتشكّلت بموجبه الدول الرأسمالية وخطابها الليبرالي المزعوم. 

جذور الانحطاط الغربي
منذ تأسيسها في القرن السابع عشر ودولة وستفاليا هي دولة الغرب أو المتروبولات (المراكز الرأسمالية)، التي تتطوّر وتقتات في الوقت نفسه على محيطها العالمي من المناطق والشعوب والدول المستعمرة، فالاستعمار جزء أساسي من طبيعتها ومصادرها ومواردها، ولم يكثّف ذلك كما كثّفته مدرسة شيكاغو وفيلسوفها اليهودي الأميركي، ميلتون فريدمان، الذي اشتقّ كما يبدو من فكرة الشعب المختار والغوييم التوراتية فكرته الأساسية عن الغابة الرأسمالية المتوحّشة أو الداروينية الاجتماعية، وبالمثل ظهرت أفكار تاتشر وريغان كتطبيق لهذه الأفكار. 

تأسيساً على ذلك، ارتبط الاستعمار بدولة وستفاليا الغربية الرأسمالية كغابات ملحقة بالغابة الشقراء الكبرى، والحقّ أن هذه الدولة لم تمرّر وحشيتها بصورة سافرة دائماً، فقد تعرّفت على أقنعة أخرى من أكاذيب التمدين في المراحل الاستعمارية الأولى، إلى أكاذيب حقوق الإنسان في المرحلة الإمبريالية من الرأسمالية. 

في الحالة الأولى انطلقت أكاذيب التمدين من وجود جماعة متحضّرة محصورة في الغرب الرأسمالي، وجماعات بربرية متوحّشة في الجنوب والشرق تحتاج إلى تمدين بالنار، واخترعت لذلك أيضاً حقولاً وعلوماً اجتماعية مثل الاستشراق والإنثروبولوجيا والمركزية الثقافية. 

ولم تكن الحالة الثانية أقلّ عنصرية عند العديد من فلاسفتها مثل ميل وشتراوس الذي ربط الاعتراف بالانتخابات وصناديق الاقتراع بنتائجها وفق المصالح الغربية، بل إن جون لوك المرجع الأساسي للجماعات الليبرالية ربط الحريات السياسية بحريات الأسواق. 

وكما استخدمت النخب الليبرالية ضد شعوبها في حالة أكاذيب التمدين، جرى استخدام نخب مماثلة من جماعات حقوق الإنسان والثورات الملوّنة في الحالة الثانية، وفي المرتين تلخّصت مهمات هذه النخب بالالتفاف على برنامج التحرّر الوطني واستبداله بأوهام الليبرالية، فضلاً عن عشرات التجارب التي أظهرت زيف المزاعم الديمقراطية، ومن ذلك على سبيل المثال: 

- تنظيم انقلابات دموية على رؤساء أو برلمانات منتخبة ديمقراطياً وفق النموذج الليبرالي نفسه، كما حدث في التشيلي عام 1973، وكما حدث في روسيا بعد الانهيار السوفياتي عندما أمر يلتسين، صديق الغرب، بقصف البرلمان بالدبابات، وأخيراً المواقف المخزية المذكورة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من الجرائم الصهيونية وحرب الإبادة الجماعية ضد الشعب العربي الفلسطيني في غزة. 

الأفول التاريخي لنظام وستفاليا 
مقابل الأطروحات الواهية المترنّحة عن نهاية التاريخ وإغلاقه على الحقبة الرأسمالية كما ذهب فوكوياما وتلاميذه غرباً وشرقاً من الليبراليين وجماعات الثورات الملوّنة والتمويل الأجنبي، فالأدّق أننا على عتبات انحدار هذا النظام وفق عشرات الإحالات النظرية من داخله نفسه، وعلى مدار قرونه المتعاقبة، ومن هذه الإحالات التي لا تشمل القراءات الاشتراكية والمقاربات الأخرى لمفكّري الشرق والجنوب العالمي: 

- شبنغلر في كتابه "أفول الغرب". 

- توفلر في كتابه "تحوّل السلطة". 

- بريجنسكي في كتابه "أميركا بين عصرين". 

- بول كينيدي في كتابه "نشوء وسقوط الدول الكبرى".

- أولريش شيفر في كتابه "انهيار الرأسمالية". 

- باتريك دينين في كتابه "لماذا فشلت الليبرالية".

- نعومي كلاين في كتابها "رأسمالية الكوارث".

كما يشار إلى الكتابات التي ولدت في الإرهاصات والمناخات التي سبقت وتلت الثورة البرجوازية الفرنسية، مثل كتابات غوستاف لوبون ومونتسيكيو حول صعود وسقوط روما. 

المظاهر الاقتصادية لأفول نظام وستفاليا
بعد أربعة قرون تقريباً على انبثاق نظام وستفاليا الرأسمالي ودوله، تظهر من جديد أهمية القراءات المبكرة لـماركس في مجلده الضخم، رأس المال، ولا سيما مقارباته حول التركيب العضوي والتقسيم الاجتماعي العالمي للعمل، ففي تلك القراءات اعتبر ماركس أن التطور التكنولوجي والثورة العلمية المتواصلة سمة مرافقة للتحوّلات الرأسمالية، تؤدي بشكل متزايد إلى إخراج الملايين من سوق العمل وإلى اتساع المسافة بين علاقات الإنتاج الرأسمالية وبين قوى العمل الإنتاجي، وإلى انكماش متزايد لخطوط الإنتاج الصناعي لصالح رأس تكنولوجي متضخّم باستمرار. 

ومن تداعيات ذلك ما يخص القانون الثاني وهو التقسيم العالمي للعمل بما يؤدي إلى تحوّلات في العلاقة بين المركز والمحيط، وانبثاق مراكز صناعية جديدة في كلّ مرة، ويلاحظ هنا أن هذه المراكز تأخذ طابعاً مركّباً يعزّز مناخات أفول وانحدار المركزيات الغربية الرأسمالية، وهو طابع الشرق – الجنوب الذي يتزامن مع أشكال جديدة من الصراع لصالح الشرق – الجنوب، ناجمة عن الدور المستعاد سياسياً للجيوبولوتيك ونظرياته المعروفة وموقع أوراسيا الروسية وطريق الحرير الصيني فيها. 

المظاهر السياسية لأفول نظام وستفاليا
في واحدة من كتبه المبكرة وهو "أميركا بين عصرين" الذي أصدره في نهاية ستينيات القرن الماضي، توقّع العقل الاستراتيجي للإمبريالية الأميركية، بريجنسكي، أفول الاتحاد السوفياتي خلال عقدين إلى ثلاثة بسبب ما أسماه بشيخوخة الجيل الأخير من البيروقراطية، وتوقّع أفول الولايات المتحدة بعد ذلك بعقود قليلة، بسبب التناقض المتسع بين البنية الكلاسيكية للرأسمالية وبين الثورة المعلوماتية. 

وثمّة تحذيرات كثيرة أخرى من قلب الإمبريالية، بينها ما كتبه بول كينيدي في "نشوء وسقوط الدول الكبرى"، بيد أن العمل السياسي الأهم الذي أطلق العد العكسي لكلّ السرديات التأسيسية لدولة ونظام وستفاليا هو ما بثّه توفلر في مجلّداته المتتالية (تحوّل السلطة)، وكما استفاد العقل الإمبريالي ممثَّلاً ببريجنسكي من التحليلات الماركسية في تشخيص احتمالات وآفاق دولة وستفاليا، كرّر توفلر الأمر نفسه حين لاحظ اتساع المسافة بين التحوّلات الكبرى في البنية الرأسمالية ودور الثورة المعلوماتية والتقنية، وبين شكلها السياسي الذي أصبح قديماً ومن دون تغييرات تذكر، وهو الشكل المستمد من نظريات العقد الاجتماعي التي واكبت الرأسمالية في مراحلها الأولى. 

ومن دلالات ذلك أيضاً أنّ البيئة الموضوعية المذكورة لهذا التفسّخ، تتزامن مع ظاهرتين تعزّزان من هذا التفسّخ وهما: 

- فشل النظام الرأسمالي في صهر المكوّنات الإثنية في نسيج مدني حقيقي يتجاوز القشرة إلى أعماق التشكيلات الاجتماعية، بدليل الاحتمالات الكبرى لتفسّخ أكثر من دولة رأسمالية، بسبب التوترات الإثنية الداخلية، مثل كتالونيا والباسك في إسبانيا، اسكتلندا وإيرلندا الشمالية في بريطانيا، كورسيكا في فرنسا وشمال إيطاليا. 

- الصعود المتجدّد للفاشية والنازية في كل مناطق الغرب الرأسمالي، وهو الصعود الناجم عن تفاقم الأزمات البنيوية ومحاولات الطغم الرأسمالية إزاحة الأزمات المذكورة عن مصدرها الرأسمالي إلى العمالة الآسيوية والأفريقية واللاتينية، التي تعمل في مناخات أشبه بعالم العبودية والرقّ القديم. 

المظاهر الفكرية لأفول نظام وستفاليا
نعرف أن الدولة التي انبثقت من الثورة البرجوازية ومناخات وستفاليا، قامت وفق منظومة من المفاهيم أو السرديات الكبرى مثل الهوية القومية، التنوير، الليبرالية، الإنسان، العقل، الكينونة الإنسانية... إلخ، فأين انتهت هذه المفاهيم مع دخول الرأسمالية مرحلتها الإمبريالية الأكثر توحّشاً وانحطاطاً؟

إذا كانت السرديات الكبرى المذكورة قد لازمت الرأسمالية الأولى، فإن هدم هذه السرديات باسم التفكيكية بعناوينها ورموزها الأساسية مثل: دريدا، ليوتار، وبارت، هي السمة الأساسية للمرحلة الإمبريالية، فمن دولة التنوير في عصر كانط، فيلسوف التنوير، ودولة الروح والعقل المنسوبة للفيلسوف الألماني هيغل، إلى عالم الإمبرياليات المتوحّشة وإعلان موت الإنسان والعقل النقدي، والانحدارات الفكرية المرتبطة بهذا العالم: 

1- العنصرية في كلّ تعبيراتها الإنثروبولوجية والداروينية الاجتماعية وتجلياتها السياسية في النازية والفاشية والمالثوسية. 

2- فلسفة السوق – الغابة والبقاء للأكثر توحّشاً كما صاغتها مدرسة شيكاغو وفيلسوفها اليهودي الأميركي سابق الذكر، فريدمان الذي اعتبر أيّ شكل من أشكال تدخّل الدولة في الاقتصاد والسياسات الاجتماعي مخالفاً لقانون التوحّش الطبيعي وفق وجهة نظره. 

3- موت الإنسان، سواء في إعلانه الأول عبر فوكو والبنيوية والمادية المبتذلة أو في مرحلته اللا – إنسانوية، حيث يحال البشر إلى خليط من هندسة الجينات واللعب بالدماغ والبيولوجيا، وأخطر مما تخيّلته رواية ماري شيلي (فرانكشتاين) ورواية أورويل (1948). 

4- موت العقل، عبر أشكال مختلفة من الإعلاء من شأن الغرائز (الديونيزية الغريزية ضد العقل وأبولو) عند الفيلسوف نيتشه، أو عبر تحويل العقل من عقل نقدي تحت سيطرة الإنسان إلى عقل أداتي ضده، كما لاحظت ذلك فلسفة النقد الجديد عند مدرسة فرانكفورت.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP