قبل سنە
محمد جرادات
203 قراءة

التغلّب بين الثقافتين الإسلامية والإسرائيلية

أصفاد "الصهيونية الدينية" تتهيأ لاقتياد زعماء المعارضة لابيد وغانتس: "ما لم يتوقفا عن التحريض والرغبة في إراقة الدماء، سيتم اعتقالهما وتكبيلهما بالأصفاد"، بحسب تعبير نائب الوزير ألموع كوهين من حزب إيتمار بن غفير، بعد ساعات على إطلاق زميله تسفيكا فوغل تهديدات مشابهة.

إنها أصفاد اليمين أو هو الاستبداد الذي حذرت منه الوزيرة السابقة ميراف ميخائيلي وهي تهيب بحشد الأسر وحتى الأطفال للتظاهر ضد عصابة نتنياهو التي ترهب الجمهور وتحرق المنطقة، في لهجة غير مسبوقة في تاريخ الكيان العبري. وقد أخذ الانقسام السياسي يتحول إلى انقسام أيديولوجي حاد، بما يشبه اصطفاف ما قبل الاحتراب الداخلي.

هل اكتمل الفرز في "المجتمع" الإسرائيلي من التواطؤ على الطابع العلماني الديني إلى التفسخ نحو مجتمعين متباينيْن؛ علماني وديني، يمثل الأول اليهود الغربيين من الطبقة الوسطى الذين يديرون الاقتصاد الإسرائيلي ويتحملون عبء الخدمة العسكرية، فيما يمثل الآخر معسكراً متديناً وشرقياً بغالبيته واستيطانياً وبعيداً من الخدمة العسكرية؟ وما علاقة هذا التطور بأيديولوجية التغلّب الجبري في الفكر اليهودي وأثرها في الثقافة الإسلامية؟

جاء التأصيل القرآني حاسماً في فرضية ومنهجية الشورى والحوار وحرية الرأي العقدي والسياسي في مواجهة طول الأمد الإسرائيلي، وهو يحذر المؤمنين في سورة الحديد من قسوة القلوب: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}، في معادلة يتكامل فيها الحديد مع طول الأمد لينتج القسوة أو هو التغلّب وإدارة التوحش منذ استعباد اليهود للأمير الباحث عن الحقيقة الدينية سلمان الفارسي وتحريره من قبل رسول الإسلام في أوج انبعاثه، حتى تحرر المناضل الفلسطيني كريم يونس من أسرٍ إسرائيليٍّ طال 40 سنة. 

بين الحقيقة التاريخية والواقع الحالي، تداخلت ثقافتان وتناطحتا وتلاقحتا، ففيما استبق الإسلامُ فتحَ مكة، وهي عاصمة العرب وموطن الكعبة، بفتح خيبر؛ قلعة اليهودية الكبرى، والتهديد الديني والعسكري للتوحيد بنسخته الإسلامية الخاتمة للرسالات، بعد تطهير المدينة من خيانة قبائل اليهود في بني النضير وقينقاع وقريظة، فإن خطر اليهودية ظل ماثلاً بالفيروس الأيديولوجي الفكري، حتى بعد هزيمته العسكرية.

إنها الإسرائيليات، فما علاقتها بطول أمد أهل الكتاب؟ وما مدى انعكاس ذلك على الانتقال التاريخي للأمة الإسلامية بعد النبوة والخلافة الراشدة لـ"تكون ملكاً عاضاً، ثم تكون جبرية..."، وهو انتقال أورده أمين السرّ عند رسول الله، حذيفة بن اليمان، وهو يستشرف استغراق هذه الأمة في طَوْري الملك الوراثي، ثم الجبريّ، قبل أن تعود إلى منهاج النبوة في طورها الرابع؟ وما مدى تأثير الكيان الإسرائيلي في إدامة الجبرية في الثقافة الإسلامية بناتجها السياسي؟

وكان حذيفة ذاته استشعر الفيروس اليهودي مبكراً، وحذّر منه هو وعبد الله بن مسعود منذ نهايات الخلافة الراشدة، لمّا تسلّل عبر كعب الأحبار اليهودي الذي عاصر رسول الله، ولكنه أسلم بعد وفاته، حتى صار مصدراً للرأي والفتوى، فضربه أبو ذر الغفاري حتى شجّ رأسه، فهرب إلى الشام ليعقد له معاوية مقاماً خاصاً.

وقد أمر العلماء بأخذ ثمار العلم عنه، وهو العلم الذي اصطُلح عليه لاحقاً بـ"الإسرائيليات". وقد تسرّبت إلى علومنا الإسلامية، بما أورده الإمام مسلم نقلاً عن كبير المحقّقين التابعين بِسّر بن سعيد بسند صحيح أنه كان يسمع كثيراً من التابعين يخلطون في نقل ما يروى عن رسول الله وما يروى عن كعب الأحبار.

قامت تصورات ومنهجيات كاملة تأثراً بالأثر الإسرائيلي الروائي وغيره من التأثيرات الأخرى بطبيعة الحال، وأخذت خصوبتها وتولّدها في ظل الملك العضوض. وقد أفرزت سيطرته السياسية الدموية فقهاً استقر عند كبير فقهاء القصر السياسي، الماوردي، بإمارة الغلبة وفرضية طاعتها، ثم عند ابن تيمية بإمارة الشوكة وشرعيتها الدينية والتاريخية، حتى انتظمت عند ابن خلدون بإمارة العصبة وطابعها القومي.

كان المسلمون يظنون أن هذا النقل التاريخي نابع من التطورات أو تبعاً للضرورات، من دون تنبّه للحلقة المفقودة أو الفجوة الآخذة بالاتساع بين النبع القرآني وتطبيقه النبوي والانحراف العميق عن مقاصد الدين وغاياته، حتى وصل الحال إلى أن تتفتت الأمة أفقياً وعمودياً، وفي القلب منها تربع الخطر اليهودي، وقد تكشف عن كيان عنصري تاريخي يملك كل مقدرات الوحش الغربي.

قام الكيان العبري تبعاً لعقيدة التغلّب، وهو رائدها التاريخيّ بامتياز، وقد انبثقت من منظومته الدينية وفق ما استقرت عليه في منهجية الحاخامات، عبر استخدام التراث اليهودي لعقد "صفقة القرن" مع الغرب بإقامة هذا الكيان ليخدم الطرفين في إدامة تمزيق الأمة الإسلامية.

وبناءً عليه، جاء هذا الكيان ليقتلع شعباً عربياً أصيلاً، ويحلّ مكانه أقليات يهودية تم تهجيرها من شتى بقاع الأرض. وقد تم تسليحها بأحدث ما ينتجه الغرب، في تناقض صارخ مع ظاهر الفكر العلماني الديمقراطي الذي يتستر خلفه الغرب، ومعه الكيان العبري.

70 سنة مرّت وهذا الكيان يجمع بين ثقافة يهودية عنصرية وقناع غربي ليبرالي سبق لمؤسسه بن غوريون أن جمع معهما حتى اليسارية العمّالية، بما حيّر أهل الفكر والثقافة في الغرب والشرق. وتعبيراً عن عقدة السنوات الثمانين وسقوط الدويلات اليهودية عبر التاريخ، تنادى عدد من زعماء الكيان في الآونة الأخيرة للتحذير من نقمتها أو متلازمتها، فجاء تطور الانتخابات الأخيرة تبعاً لجشع نتنياهو في الزعامة وهرباً من المحاكمة، ليتكشّف عن انقسام حادّ قد يفتح الباب نحو حرب أهلية، بحسب تحذير غانتس. 

إنها ثقافة التغلّب الإسرائيلي المتجذرة التي بدأ طيفها منذ أن تم اعتماد يهودية الدولة في الكيان العبري رسمياً منذ 2018، وآن لها أن تتباين عن العلمانية الغربية المتلونة مثل الحرباء، عبر النفوذ الواسع الذي منحه نتنياهو للصهيونية الدينية، وقد استهلّه بجملة قوانين، أخطرها التغلّب على المحكمة العليا تبعاً لرغبة الحكومة، وهي كفيلة بحماية فسادهم، بما يثبّت حكمهم ويلغي عملياً فكرة التناوب على الحكم، بما يشبه حال أنظمة الحكم الاستبدادي في الوطن العربي.

ما زالت الثقافة الإسرائيلية المسلحة بالعنصرية الدينية والتقنية العلمية مرشحة للتأثير بشكل أوسع في الثقافة الإسلامية. وقد أمكنها ذلك حتى في وقت احتضارها الظاهري في ظل الملك الإسلامي العضوض، فكيف في عصر الحكم الجبريّ الحالي؟ 

ولكن نظراً إلى فرصة انقسام الثقافة الإسرائيلية الراهنة المحتملة بعدما أعماها الغرور، والتي تكاد تتعالى حتى على النموذج الغربي الذي احتضنها، فإن الثقافة الإسلامية القرآنية النبوية مرشحة إلى أن تلتقط هذه الفرصة التاريخية، بعد أن تنفض عن كاهلها مضاعفات الأثر الإسرائيلي الساكن في أحشائها، لتعبر ما بين آمادها جسراً يخرجها من طول الأمد الإسرائيلي، وقد ران على القلب كِبْراً من التعصب وضيف الأفق، فتنفتح على ذاتها، حيث عليل الشام يتنسم من الهلال الخصيب، وماؤها ينبع عبر النيل وما وراء النهرين.

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء والتوصيفات المذكورة.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP