فائض الإرادة يواجه فائض القوة!
في سياق الحزن على استشهاد الإمام القائد علي خامنئي يرى البعض أنّ بقاءه في مكتبه ومنزله، في ظلّ معرفته باحتمال حدوث حرب، كان خطأ يمكن تفاديه.
الحوار نفسه سمعناه في كلّ مرة أقدم فيها العدو على اغتيال قادة المقاومة، وسط سيناريوهات عن الخيانة، وأخرى عن التفوّق الاستخباري للعدو. مثل كلّ المؤمنين بخيار المقاومة، والمحبّين لقادتها كنت أتمنى لو أنّ قادة عظاماً مثل السيد خامنئي، والجنرال قاسم سليماني، والسيد حسن نصر الله، اتخذوا إجراءات أمنية أكثر صرامة للحفاظ على حياتهم، لكنّ الأمر أبسط من ذلك بكثير.
العقيدة الحسينية التي ترتكز عليها المقاومة تقوم في جوهرها على مبدأ الشهادة في ظروف الصمود والتحدّي. إنّ من يفهم الشعار الذي رفعه هؤلاء القادة، وردّدته من ورائهم الجماهير "هيهات منّا الذلة" ليس مجرّد استعادة لذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي، بل هو استلهام التجربة الحسينية من الصمود المستحيل، والاستشهاد في سبيل الهدف. لقد أدرك هؤلاء القادة أنّ الاستشهاد لن يحقّق هدفه العقائدي إلا إذا كان في خندق المقاومة والصمود. هذا الإيمان منح قادة المقاومة هذه الرمزية التي تتجاوز الحضور الجسدي، لتصبح امتداداً لفكرة الفداء الحسيني.
في هذا السياق تصبح محاولات وسائل الإعلام الغربية وبعض العربية صناعة نصر عسكري مبنيّ على استشهاد السيد علي خامنئي ورفاقه، لا تنطلي على جمهور المقاومة، بل لعله يصنع العكس، ففي كلّ مرة يستشهد فيها قائد من قادة محور المقاومة يعاد تكريس عقيدة الشهادة الحسينية، بصفتها عقيدة الصمود، والولادة الأبدية لفكرة غير قابلة للموت أو الزوال.
ترافق هذا النصر العقائدي، بانتصار سياسي بعد فشل الهجمة الأميركية – الصهيونية في إسقاط الدولة الإيرانية رغم استشهاد عدد من القادة الروحيين والعسكريين والسياسيين. الخسارة فادحة إلا أنّ الدولة بدت متماسكة، منذ الخطوة الأولى التي تمثّلت بالإعلان عن استشهاد السيد خامنئي بعد بدء الردّ الإيراني، وتحقيق إصابات مهمة في مواقع العدو في المنطقة. لقد أثبتت الدولة أنها قادرة على الدفاع عن البلاد ضدّ العدو الخارجي، والإمساك بزمام الأمور داخلياً.
النجاح الأهمّ كان خروج المواطنين الإيرانيين إلى الشوارع في عدة مدن، ليس لرثاء قائدهم الراحل فحسب، لكن لحماية نظامهم السياسي من مجموعات العملاء وأعداء الداخل.
أستطيع القول إنّ خروج الشعب لحماية قادته ليس أمراً مألوفاً في عالمنا، ولم يحدث ما يشبهه في تاريخ منطقتنا إلا عندما خرج الشعب المصري لدعم الزعيم الخالد جمال عبد الناصر بعد خطاب التنحّي. ما يفعله الشعب الإيراني اليوم استفتاء ديمقراطي ومباشر، يفيد بأنّ النظام السياسي الحاكم يمثّل طموحات ومصالح غالبية الشعب الإيراني.
هذا الإنجاز السياسي للدولة الإيرانية، دفع الرئيس الأميركي للتراجع عن فكرة تغيير النظام، وتأليف قصة عن الحوار مع القيادة الجديدة، التي طلبت الحوار بحسب الرئيس ترامب، وأنه وافق على ذلك، لكنّ قصته انهارت أمام تصميم الصحافي على معرفة موعد بدء المفاوضات. لم تكن هذه القصة سوى سلّم احتياطي يستعمله ترامب للنزول عن الشجرة التي صعد إليها، في حال تفاقم الأمور في ساحة القتال.
عسكرياً، لا يمكننا أن ننكر تفوّق الولايات المتحدة على القوة العسكرية لأيّ دولة في العالم. فالإنفاق العسكري للولايات المتحدة عام 2025 بلغ 901 مليار دولار، مقابل 470 مليار دولار للصين، و186 مليار دولار لروسيا و48 مليار دولار لكيان الاحتلال، في حين لم يتجاوز الإنفاق العسكري الإيراني مبلغ 23 مليار دولار، علماً أنّ إيران زادت إنفاقها العسكري خلال عام 2025 بنسبة 200%، ما يعني أنّ بنيتها العسكرية لا تملك التراكم نفسه الذي يملكه أعداؤها.
تمنح هذه الأرقام العدو أفضلية نارية تمكّنه من شنّ حرب طويلة الأمد تدمّر البنى التحتية المدنية والعسكرية، كما أنّ غياب الرادع الأخلاقي والعقائدي عند العدو يجعله يستهدف المدنيين كما حدث في مدرسة ميناب حيث استشهدت 120 طفلة، وفي مستشفى غاندي في طهران، وهو السلوك نفسه الذي اعتمده حلف العدوان في قطاع غزّة، ولبنان، واليمن.
في ظلّ الفشل السياسي للهجوم الأميركي – الصهيوني من المتوقّع لجوء العدو إلى إطالة أمد الحرب، واعتماد سياسة الأرض المحروقة بتدمير البنى التحتية الاقتصادية والعسكرية للدولة، وارتكاب المجازر في محاولة لعزل النظام السياسي عن حاضنته الشعبية. الهدف الوصول إلى إيران ضعيفة لا تملك أوراق قوة تضعها على طاولة المفاوضات، عندما تصمت المدافع ويذهب الجميع لحصاد نتائج الحرب.
في هذا السياق استعان العدو بحلفائه للحصول على خطوط إمداد لوجيستي أقصر، فجاء إعلان الترويكا الأوروبية (ألمانيا فرنسا، بريطانيا) من أنها تعمل مع الولايات المتحدة لتنسيق دفاعها عن مصالحها، وهو ما يعني انخراطها المباشر في الحرب، إذ أعلن رئيس الوزراء البريطاني موافقة بلاده على سماح الولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية في قبرص للتصدّي للصواريخ الإيرانية، والحديث الفرنسي عن سقوط صاروخ قريباً من بعض أفراد قواته الموجود في الإمارات العربية.
بالمقابل وسّعت إيران مروحة الأهداف فهاجمت القواعد الأميركية في جميع دول الجوار وصولاً إلى القاعدة البريطانية في قبرص، وكذلك إغلاق مضيق هرمز عملياً، بإغراق ناقلة نفط، وكذلك استهداف حاملة الطائرات أبراهام لنكولن بصواريخ توما هوك ودفعها للانسحاب نحو جنوب المحيط الهندي. جاء تدخّل حلفاء إيران في المنطقة ليزيد الضغط على الخطط الأميركية – الصهيونية، التي اعتقدت أنّ قوى المقاومة فقدت قدرتها على الإسناد، بعد الضربات القاسية التي تلقّتها خلال الأشهر الماضية.
في ظلّ اتساع رقعة الحرب سيخرج علينا بعض أدعياء الوطنية بحديثهم الرومانسي عن حقن الدماء، وتجنّب الدمار، وبكائيات الحرص على حياة المدنيين، وأنّ على محور المقاومة الاستسلام أمام تفوّق العدو، والقبول بشروطه سواء كانت تسليم السلاح، أو إيقاف البرامج الدفاعية من صناعة صواريخ، أو استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وفي النهاية الالتحاق بالركب الإبراهيمي وقبلته "تل أبيب".
لو استسلمت الأمم لهذه النصائح، لما عرف التاريخ سقوطاً للمحتلين، وانتصاراً للعدل على الظلم، فالباغي دائماً أكثر قوة، لكنّ التاريخ يعلّمنا أنه في كلّ مرة وقف فيها الضعفاء في وجه الأقوياء... وفي كلّ مرة وقف فيها فائض الإرادة في وجه فائض القوة... تولد العنقاء من جديد، وتخطو الشعوب خطوة نحو النصر.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً