قبل 18 ساعە
عماد الحطبة
18 قراءة

الإمبريالية آخر مراحل الرأسمالية!

في كتابه الشهير "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" الذي أصدره الزعيم الشيوعي فلاديمير لينين عام 1916، كان المحور الرئيس هو فقدان الرأسمالية واحدة من أهم خصائصها، ألا وهي المنافسة الحرة، وانتقالها إلى مرحلة الاحتكارات التي تحتاج إلى إلحاق المزيد من الأراضي والاقتصادات لتنهب موادها الأولية من جهة، ولتحوّلها إلى أسواق لمنتجاتها، من جهة أخرى.

هذا التحوّل دفع القوى الإمبريالية إلى احتلال الأراضي التي نجمت عن تفكك الإمبراطوريات بعد الحرب العالمية الأولى، وبشكل خاص الأراضي في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

اليوم، وبعد مئة عام على صدور كتاب لينين، نجد أن الاحتكارات غادرت فضاءها المحلي أو القومي، وأصبحت احتكارات عالمية متعددة القوميات وعابرة للقارات، تحاول فرض هيمنتها على العالم بالقوة العسكرية تارة، وبالعنف الاقتصادي (العقوبات والحصار) تارة أخرى.

في عالم اليوم تفرض الولايات المتحدة وتوابعها عقوبات اقتصادية على مجموعة من الدول أبرزها كوبا (1959) إيران (1980) سوريا (2005 – 2025) روسيا (2014) فنزويلا، كوريا الشمالية جمهورية الكونغو الديمقراطية، نيكاراغوا، لبنان، وتفرض حصاراً خانقاً على فنزويلا وكوبا، وحصاراً جزئياً على إيران. لكن الإمبريالية التي استنزفت فائض القوتين العسكرية والاقتصادية لديها لم تستطع تحقيق الأهداف المنشودة على الأرض.

عسكرياً، احتاجت الإمبريالية إلى استخدام كل قوتها العسكرية، وحشدت الذخائر من 13 دولة حول العالم لتتمكّن من الحدّ من فعالية تنظيمين مقاومين في غزة وجنوب لبنان بأسلحة تعدّ بدائية مقارنة بالترسانة الإمبريالية، إلى درجة أنها لم تجرؤ على إعلان النصر النهائي في الميدان، فلجأت إلى سلاح التجويع والحرمان من الغذاء لتحصل على تنازلات لا تتناسب مع فارق القوة.

ينطبق الأمر نفسه على إيران، خصوصاً بعد حرب الـ 12 يوماً، فإيران تبدو اليوم أكثر قوة وثقة، في حين يبدو النظام الرأسمالي أكثر ضعفاً وتردداً. ما زالت روسيا تتقدم في أوكرانيا ببطء مدروس يجنّبها الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع حلف "الناتو"، من دون أن ننسى أن التحالف الإمبريالي احتاج إلى 14 عاماً من الحرب والحصار ليتمكّن من إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد. أما الانتصارات التي يتشدق بها الرأسماليون وأتباعهم فهي محصورة بالشق الأمني والتجسسي من دون أن تحقق مكاسب مهمة على الأرض.

اقتصادياً؛ ما زالت كوبا صامدة رغم تجديد الحصار وتشديده، وإيران تمضي في بناء اقتصادها وقوتها العسكرية وتطوير برنامجها النووي السلمي، ولم يسقط النظام البوليفاري في فنزويلا رغم شدة الضربة التي وجهتها له العملية الأمنية الإرهابية الأميركية.

الدولار يتراجع كعملة احتياطية على مستوى العالم، والمؤسسات المالية الدولية تنصح باستبداله بسلة العملات العالمية. الثقة بالاقتصاد الرأسمالي تتراجع ما يدفع المستثمرين والدول إلى البحث عن ملاذات آمنة بعيداً من الدولار واليورو، وهو ما يبرر استمرار ارتفاع سعر الذهب منذ الأزمة المالية عام 2008 وحتى اليوم، إذ بلغ الحد الأقصى لسعر أونصة الذهب عام 2008 ما يقارب 1030 دولاراً، ليصل في الشهر الأول من هذا العام إلى 4950 دولاراً.

أوروبا التي لم تتعافَ من الأزمة المالية، ما زالت تعاني إذ لم يتجاوز نمو إجمالي الناتج المحلي في دول الاتحاد الأوروبي نسبة 1%، وتتفاقم أزمتها بسبب الحرب على أوكرانيا ومطالبات الرئيس ترامب برفع إنفاقها العسكري من 3% من إجمالي الناتج المحلي إلى 5% من هذا الإجمالي. أما اليابان فتعاني هي الأخرى من تراكم الديون التي بلغت 10 ترليون دولار، أي ما نسبته 250% من إجمالي الناتج المحلي.

لم يعد أمام الاحتكارات العالمية التي خسرت معركة الإنتاج الصناعي أمام الصين والهند، سوى الاصطدام ببعضها في حرب تجارية عنوانها التعرفات الجمركية، هذه الحرب تفاقم الإنهاك الاقتصادي، وتدفع النظام الرأسمالي إلى شفير الهاوية. لقد وصلت الرأسمالية إلى نهاية منحى تطورها، فالإمبريالية ليست أعلى مراحل الرأسمالية فحسب، ولكنها آخر مراحلها بالتأكيد. 

الرأسمالية تترنّح، لكن هذا لا يعني أن سقوطها وشيك، فقد تعلمنا من دروس التاريخ أن الأزمة جزء من بنية النظام الرأسمالي، وأنه استطاع دائماً تحويل الأزمة إلى فرصة. السلاح الأقوى بيد النظام الرأسمالي هو الخوف العالمي من انهيار الهرم الرأسمالي والذي يعبّر عنه السؤال الذي يبدو من دون إجابة، ماذا بعد الرأسمالية؟

لقد قبل النظام الرأسمالي بالتنازل عن فكرة القطب الواحد المهيمن على العالم، وهو ما عبّرت عنه الاستراتيجية الأمنية الأميركية باعترافها بالتفوّق الصيني في مجال الصناعة والتقنية، فهل يكتفي العالم بهذا التنازل، ويقنع بالغنيمة بالإياب كما فعل إبّان الانهيار المالي عام 2008، أم تبادر الشعوب المتضررة من هذا النظام إلى تشكيل تحالفات وبنى اقتصادية جديدة تصنع عالماً قائماً على تبادل المصالح بعيداً من الأقطاب. القديم لم يمت بعد، وكذلك لم يولد الجديد، وفي هذه الفترة الرمادية على الشعوب حشد قواها وإرادتها لمواجهة آخر وحوش الرأسمالية؛ الولايات المتحدة الأميركية. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP