قبل 2 سنە
قاسم عزالدين
278 قراءة

اليسار الجديد وفرنسا المهدّدَة بأزمة النظام!

فرنسا المترهّلة مشرذمَة ومفتتة في 4 اتجاهات رئيسة تضم 8 أحزاب في الأغلبية الرئاسية النسبية و4 أحزاب في اتحاد اليسار، فضلاً عن حزبَي اليمين المتطرف واليمين التقليدي (الجمهوري). ويحظى كلّ من هذه الاتجاهات بتأييد نحو ربع السكان، فيما يتغيّب 54% عن المشاركة في الانتخابات، بينهم 3 من كل 4 شباب، لأسباب متعدّدة، منها الاعتراض على الديمقراطية التمثيلية بعد انتفاضة السترات الصفر.

في خضمّ الاهتراء السياسي والأزمات الاقتصادية والاجتماعية نتيجة السياسات النيوليبرالية، يفقد ماكرون سلطة إله الآلهة جوبيتير، الذي لُقّب به في ولايته الأولى، ويضطر إلى الإذعان لمنطق التسويات الصعبَة، بدءاً بتكتلات الأغلبية الرئاسية النسبية التي تضع كلّ منها عينها على مرحلة ما بعد ماكرون، واحتمال انهيار حزبه "إلى الأمام" في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

تأليف الحكومة هو أوّل امتحان للحكم بعد انتخاب رئيس جديد للجمعية الوطنية بدلاً من رئيسها السابق الراسب في الانتخابات التشريعيّة. ودونَ هذا التأليف عقبة كأداء تتمثّل بعدم حصول الجمعية على ثقة البرلمان ما لم ينجح ماكرون بضمّ 45 نائباً إلى الأغلبية الرئاسية النسبية من كتلة الجمهوريين (65 نائباً)، ومن الخضر واليسار المستقل، وهو أمر في غاية الصعوبة، وخصوصاً أن مشاركة الكتلة الجمهورية مع ماكرون تقضي على وجودها، بحسب رئيسها الحالي.

تجاوز هذا الامتحان المعقّد بمسعى تعويم حكومة بورن وتطعيمها بوزراء جدد بدلاً من الثلاثة الراسبين في الانتخابات، يتيح المجال لتقديم اليسار أو اليمين المتطرّف (90 نائباً) طلب حجب الثقة عن الحكومة في الجمعية الوطنية والعودة على بدء إلى معضلة الأغلبية الرئاسية المطلقَة.

الأهمّ في أزمة الحكم المتفجّرة في فرنسا هو ما يصيب عجز التكتل الرئاسي عن الاستمرار في سياساته وتنفيذ وعود ماكرون الانتخابية الجديدة، إذ يُضطر إلى نقاشات عاصفة في كلّ بند وإجراء على حدة، والتراجع عن خططه في مقابل تسويات متعثّرة لا ريب في أنَّها تفتح معركة صراع البرامج المتناقضة التي تهرّب منها ماكرون خلال الحملات الرئاسية والتشريعية، ولن يبقى أمامه عاجلاً أم آجلاً سوى حلّ البرلمان وإعادة الانتخابات المفتوحة على كلّ الاحتمالات، بما في ذلك استقالة الرئيس.

قد تكون فاتحة المعركة السياسية هذا الصيف أثناء تقديم مشروع مكافحة غلاء المعيشة، يليها معركة عجز الميزانية وسن التقاعد... ما يشير إلى أنَّ العودة من العطلة الصيفية مرشحة إلى أن تكون ساخنة في البرلمان والشارع.

قيَم جمهورية "ديمقراطية" غبّ الطلب
حرب التحريض الموبوءة ضد "فرنسا غير الخاضعة" بزعامة ميلينشون عزّزت صعود اليمين المتطرّف واقتحامه البرلمان الجديد بقوّة لا مثيل لها في أوروبا الغربية، فالأغلبية الرئاسية واليمين التقليدي يتقاطعان مع مارين لوبان في السياسات النيوليبرالية العامة، على الرغم من دعوة لوبان الوهمية إلى تغليب مصالح الشركات الكبرى الفرنسية على الشركات الأوروبية والأميركية، التي لا تنفصل مصالحها المشتركة عن بعضها البعض، وهما يتقاربان إلى حدّ بعيد مع لوبان بشأن مكافحة الهجرة الإسلامية وتعزيز عنصرية أجهزة القمع والشرطة "لحفظ الأمن". 

وبين عشية وضحاها، تبخّرت ادعاءات قيَم الجمهورية، وتلاشت "الجبهة الجمهورية" لقطع الطريق على اليمين المتطرّف، بل تلاشى التعبير نفسه من الإعلام الرسمي "الرصين" الذي أخذ يستخدم تعبير "التجمّع القومي" احتراماً لمشاعر مؤيديه، كما جرى تبرير التعاطف مع اليمين العنصري.

بخلاف ذلك، تسابقت لوبان مع أحزاب الأغلبية الرئاسية واليمين التقليدي على التحريض ضد ميلينشون لاتهامه بالتطرف التخريبي الذي يستهدف تدمير الاقتصاد الفرنسي "على طريقة مادورو"، وإضعاف هيبة فرنسا الدولية ودورها الريادي في العالم، بتبنّيه "اليسارية الاسلامية" وإنشائه "تحالف البوركيني"، بحسب تعبير لوبان، أو ميله إلى "الأنظمة الاستبدادية" وإلى "الشعبوية غير المسؤولة"، بحسب أباطرة الإعلام الذي ساهم فيه بعض "جهابذة" اليسار الأطلسي قبل اضمحلاله في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

معركة البدائل لتغيير المنظومة والنظام
على عكس التيار النيوليبرالي الجارف في أوروبا والمنظومة الدولية، يجدّف ميلينشون استناداً إلى رؤى بديلة لنموذج التوحّش الأميركي في تسييد مصالح حفنة من الشركات والبورصات والعمولات فوق ركام هائل من الخراب ومنظومات الأعمال الفاسدة.

في هذه الرؤية البديلة، انكبّ ميلينشون على العمل منذ 2012 لبلورة حلول تفصيلية في كلّ قطاع وشأن استدعى استنفار مكاتب الخبرة والدراسات العاملة في خدمة الأوليغارشية، ولم تبرهن في أرقامها سوى ما على تتبناه سياسة ميلينشون لقلب تراكم الثروات من القشرة البرّانية والاقتصاد الافتراضي إلى المنتجين الفعليين في القاع والاقتصاد الحقيقي.

وعلى نقيض التيارات الفاشية الصاعدة والهويات العنصرية القاتلة، تعهّد ميلينشون، منذ أن اختاره شافيز في هيئة مؤلفة من 50 مثقفاً عالمياً للدفاع عن الإنسانية، مواجهة البربرية الأطلسية والشوفينية الفرنسية من أجل عالم الإنسانية التضامنية المتكافلة في سراء رغد العيش، وفي ضرّاء الكوارث التي تسببها جرائم الوحوش الكاسرة.

لا تتوقّف طموحات ميلينشون على المعارك السياسية في البرلمان والصراع على السلطة، فهو لم يترشّح إلى الانتخابات من أجل أن يتفرّغ لبناء الحزب واستكمال الطريق بعده، ويتوقّع أن تؤدي الأزمات المستفحلة إلى تحرّكات عمالية وشبابية لخوض معاركها السياسية في مواجهة النظام. وقد اختار عدداً من مرشّحيه من بين مناضلي الفئات الشعبية وشباب الهجرة العربية في لوائح النائب البديل في الانتخابات، لتدريبهم على مواجهة ألاعيب الطبقة السياسية وتعويدهم على قيادة التحركات.

دينامية اليسار الجديد غير الصهيوني أمثولة تُحتذى لليسار العربي وعالم الجنوب الَّذي يغرق في وصايا الديمقراطية الأميركية، وفي توصيات نموذجها النيوليبرالي الذي أفضى إلى الخراب والانهيار. في طريق التراجع عن مسار الهاوية، أشقى ما فيها هو خطوة البداية.

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء و التوصيفات المذكورة.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP