قبل 18 ساعە
حسن نافعة
19 قراءة

زيارة كاشفة لحقيقة من يحكم أميركا اليوم: ترامب أم نتنياهو؟

في بداية هذا الأسبوع، تناقلت وسائل الإعلام العالمية أخباراً مفادها أنّ "مجلس السلام" سيعقد أول اجتماع له في واشنطن في الـ 19 من الشهر الحالي، وأنّ ترامب سيستبق هذا الاجتماع بلقاء يعقد مع نتنياهو يوم الـ18، ما فسّر بأنّ ترامب يمهّد للإعلان رسمياً عن بدء تنفيذ المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة، ويحرص في الوقت نفسه على التنسيق المسبق مع نتنياهو حول مختلف الملفات  التي تهمّ "إسرائيل".

غير أنّ وقع هذه الأنباء على نتنياهو لم يكن ساراً. فقد سارع على الفور بطلب تبكير موعده مع ترامب، حيث تمّ التوافق على أن يكون يوم 11/2 بدلاً من 18/2، وقرّر في الوقت نفسه دعوة المجلس الوزاري المصغّر (الكابينت) لاجتماع طارئ، عقد يوم 8/2 واتخذ القرارات الآتية:

1- تغيير الإطار القانوني والإداري لملكية الأراضي في الضفة الغربية.

2- رفع السرية عن السجلات الرسمية للأراضي المملوكة للفلسطينيين، بالمخالفة للإجراءات المعمول بها حالياً، وإلغاء القيود المفروضة على بيعها للأجانب وللمستوطنين.

3- نقل السلطات والصلاحيات الممنوحة لإدارات التخطيط العمراني والبناء في المناطق الدينية الحساسة، كالخليل وغيرها، من الجهات الفلسطينية المختصة إلى الجهات الإسرائيلية.

4- توسيع الصلاحيات المتعلّقة بالهدم والمصادرة في مناطق ألف وباء، لتشمل عمليات البناء غير المرخّص والمحافظة على التراث وحماية البيئة. ويتضح من هذه القرارات الصادمة أنها تستهدف التمهيد لضمّ الضفة الغربية، بتسهيل إجراءات الشراء المباشر للأراضي الفلسطينية وإزالة القيود المفروضة على هذه الإجراءات، وزيادة وتيرة الاستيطان بالتوازي مع إطلاق العنان للمستوطنين، إضافة إلى تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية في المناطق (ألف) و(باء) لتصبح في وضع قانوني يكاد يقترب من وضع المنطقة (جيم).

على صعيد آخر، حرص نتنياهو على التعقيب على جولة المفاوضات التي جرت في مسقط بين الولايات المتحدة وإيران بتصريح يؤكّد فيه أنّ موقف حكومته من النظام الإيراني لم يتغيّر، وأنّ أيّ اتفاق جديد بين الطرفين ينبغي أن ينصّ بوضوح تامّ على:

1- عدم السماح لإيران بإجراء عمليات تخصيب لليورانيوم على أراضيها.

2- حرمان إيران من امتلاك أو إنتاج صواريخ باليستية أو مسيّرات استراتيجية بعيدة المدى.

3- التزام إيران بقطع علاقاتها السياسية والعسكرية مع المنظمات المعادية لـ "إسرائيل" في المنطقة.

وقد أصبح واضحاً تماماً، في سياق كهذا، أنّ نتنياهو بدأ يعيد ترتيب أوراقه استعداداً لأيّ مفاجآت غير متوقّعة تتعلّق بالإدارة الأميركية لكلّ من الملفين الفلسطيني والإيراني معاً. ففي تقديري أنّ السبب في التغيير المفاجئ لموعد زيارة واشنطن لا يعود إلى شعور بالقلق مما قد تسفر عنه المفاوضات الأميركية الإيرانية فحسب، وإنما يعود أيضاً إلى عدم الاطمئنان للنتائج التي قد يسفر عنها اجتماع مجلس السلام  Board of Peace. 

ولأنّ نتنياهو يخشى أن يجد نفسه فجأة أمام أمر واقع، قد يفرض عليه عبر اتفاق أميركي إيراني لا يلبّي شروطه أو عبر تصوّر دولي أو أميركي لمستقبل القطاع لا يلبّي طموحاته، يبدو أنه قرّر استباق الأحداث ووضع الجميع أمام أمر واقع من صنعه هو، ما يفسّر القرارات الأخيرة للمجلس الوزاري المصغّر، والتي أراد أن يمسك من خلالها بأداة تتيح له، من ناحية، مساومة الجناح الأكثر تطرّفاً في حكومته، وإفشال الجهود الرامية لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب، من ناحية أخرى.

فإذا ما اضطر نتنياهو لقبول ترتيبات في غزة لا تلبّي طموحات الجناح الأكثر تطرّفاً في حكومته، فسيكون بوسعه أن يساوم قائلاً: حصلت في الضفة على "تعويض" يكفي لموازنة ما قدّمته من تنازلات في غزة، أما في مواجهة المحاولات الرامية لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب فسيكون بوسعه أن يرفع صوته متحدّياً الجميع قائلاً: "هذا هو الواقع الجديد على الأرض، وعليكم أن تقبلوا به وأن تتفاوضوا على أساسه".

ولأنّ ترامب يحرص دائماً على تجنّب الدخول في صدام علني مع نتنياهو، فقد يرضخ في النهاية لمطالبه الخاصة بضمّ الضفة مقابل تمرير عملية الانتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية من خطة غزة. ورغم ذلك كلّه يبدو لي أنّ الفجوة بين نتنياهو وترامب حول كيفيّة التعامل مع إيران في المرحلة المقبلة تبدو غير قابلة للجسر. وهنا تكمن المعضلة التي ربما تكون كاشفة لحقيقة من يحكم الولايات المتحدة الآن: ترامب الذي يرفع شعار "أميركا أولاً"، أم نتنياهو الذي يرفع شعار "أنا وإسرائيل ومن بعدنا الطوفان"؟!.

دلائل كثيرة تشير إلى استحالة قبول نتنياهو لحلول وسط مع نظام إيراني لا يستطيع التعايش معه، وبالتالي يرى في إسقاطه شرطاً ضرورياً للتغلّب على مختلف التحدّيات التي تواجه "إسرائيل".

فنتنياهو يعتقد أنه نجح في إضعاف محور المقاومة بجميع مكوّناته، لكنه لن يستطيع حسم الحرب لصالحه إلا بإسقاط النظام الإيراني نفسه. ولأنه على يقين من أنّ النظام الإيراني أصبح الآن في أضعف حالاته، يرى أنّ اللحظة الحالية هي الأنسب للتخلّص منه نهائياً، إما من خلال عمل عسكري، وهو الخيار الذي يفضّله، أو من خلال الاستمرار في مواصلة سياسة الضغوط القصوى عليه.

فمجرّد بقاء النظام الإيراني على قيد الحياة يعني بالنسبة لنتنياهو إعادة إحياء وتنشيط محور المقاومة بكلّ مكوّناته، إن آجلاً أو عاجلاً. ما يبرّر عدم التعامل معه إلا في حالة واحدة، هي الرضوخ التامّ لكلّ الشروط المطلوبة منه، خصوصاً وأنّ من شأن هذا الرضوخ أن يعجّل بسقوطه في نهاية المطاف. غير أنّ ترامب لا يرى الأمور على هذا النحو.

 يعتقد ترامب أنه قدّم لـ "إسرائيل" في كلّ الملفات ما لم يقدّمه أيّ رئيس آخر في التاريخ الأميركي. ففيما يتعلّق بالملف الإيراني وحده، انسحب ترامب خلال فترة ولايته الأولى من اتفاق مع إيران كانت الولايات المتحدة قد وقّعت عليه إلى جانب القوى الرئيسية في العالم، ثم بفرض عقوبات قصوى عليها، لم تفرض على أية دولة أخرى في العالم، وفي ولايته الثانية تماشى مع نتنياهو إلى حدّ مشاركته في توجيه ضربة عسكرية قوية للمنشآت النووية الإيرانية، وها هو اليوم يقوم بحشد أساطيله وقواه العسكرية الضاربة لإجبار إيران على التفاوض تحت تهديد السلاح.

صحيح أنها قبلت التفاوض تحت قعقعة السلاح، لكنها نجحت في الوقت نفسه في أن تفرض علي الولايات المتحدة جدول أعمال يقتصر على بند واحد، هو الملف النووي، الأمر الذي أقلق نتنياهو بشدة ودفعه للهرولة إلى واشنطن لتحذير ترامب من عواقب الموافقة على اتفاق مع إيران يقتصر على برنامجها النووي وحده، حتى لو قبلت تأجيل تخصيب اليورانيوم على أراضيها لعدة سنوات مقبلة، وللتأكيد أنه سيحتفظ لـ "إسرائيل" في هذه الحالة بحقها في خوض الحرب بمفردها لتدمير ترسانة إيران الصاروخية. ولأنه يتوقّع أن ترفض إيران التوقيع على أيّ اتفاق جديد مع إدارة ترامب إلا إذا قدّمت الأخيرة ضمانات تلزم "إسرائيل" بعدم المبادرة بشنّ الحرب عليها، وتلزم نفسها بالامتناع  عن مساعدتها إن هي أصرّت على خوض الحرب بمفردها، وهو ما يستحيل على إدارة ترامب أن تقبل به. لذا يبدو أنّ الأمور تتجه نحو واحد من احتمالين:

الأول: أن ينجح نتنياهو في تخريب جولة المفاوضات الحالية بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما قد يدفع في اتجاه تصعيد قد يؤدّي ليس إلى اندلاع حرب شاملة في المنطقة فحسب وإنما أيضاً إلى انهيار خطط ترامب نفسها، ما سيعدّ انتصاراً حاسماً لنتنياهو، مهما حاول البعض إظهاره كانتصار أميركي إسرائيلي مشترك يؤكّد عدم قابلية المصالح بين البلدين للانفصام، وعلى أنّ أمن "إسرائيل" بات جزءاً لا يتجزّأ من الأمن القومي الأميركي. 

الثاني: أن يتمكّن ترامب من إفشال مخططات نتنياهو، بنجاحه في تفادي اندلاع الحرب والتوقيع معها على صفقة تقتصر على البرنامج النووي في الوقت الحالي، لكنها لا تستبعد فتح الطريق مستقبلاً أمام معالجة بقية ملفات أخرى على الصعيد الإقليمي.

صحيح أنّ هذا الاحتمال هو حلّ مثاليّ لجميع الأطراف، بما في ذلك "إسرائيل"، لكن يتوقّع أن يقاومه نتنياهو بشدة، خصوصاً وأنه لا يحقّق مصالحه الشخصية.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة أثار جدلاً على مدى سنوات طويلة، لكنه حسم نهائياً على المستوى الأكاديمي على الأقل، حين صدر عام 2007 مؤلف بالغ الأهمية حمل عنوان: "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية"، لعالمي السياسة الأميركيين جون ميرشايمر وستيفن والت، أثبتا فيه بما لا يدع أيّ مجال للشكّ أنّ كفّة المصالح الإسرائيلية كانت ترجّح دوماً على كفّة المصالح الأميركية في كلّ مرة تعيّن فيها على صانع القرار الأميركي طوال فترة الدراسة أن يختار بين المصالح الأميركية والمصالح الإسرائيلية.

ولأنّ ترامب هو الرئيس الوحيد في التاريخ الأميركي الذي نجح في انتخابات الرئاسة بفضل شعار "أميركا أولاً"، فسوف تظهر الأيام والأسابيع القليلة المقبلة ما إذا كان بمقدوره وضع هذا الشعار موضع التنفيذ الفعلي على أرض الواقع حين يجيء موعد الاختبار المقبل.

حينها سيكون على عالمَي السياسة الأشهر في العالم إعادة النظر في النتائج التي توصّلا إليها، والأرجح أنهما لن يكونا في حاجة إلى إجراء مثل هذه المراجعة، فالنتيجة معروفة سلفاً منذ الآن!.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP