ماذا لو انهار النظام الإيراني تحت ضغوط أميركية إسرائيلية؟
ترى شرائح من النخب السياسية والفكرية في منطقة الشرق الأوسط أنّ النظام الإيراني ما زال يشكّل مصدر التهديد الرئيسي لأمنها واستقرارها إلى درجة تدفع هذه الشرائح للاعتقاد بأنّ موجة الاحتجاجات الراهنة في إيران تتيح فرصة سانحة ينبغي انتهازها للتخلّص من النظام الإيراني مرة واحدة وإلى الأبد، حتى ولو تمّ ذلك من خلال ضربة عسكرية أميركية أو إسرائيلية أو مشتركة.
وهو موقف يثير الاستغراب حقاً، وربما يبدو عصياً على الفهم في ضوء ما جرى ويجري للمنطقة حالياً، وبالتالي لا يمكن تفسيره إلا بواحد من احتمالين: الأول، أنه ينطلق من رؤية طائفية متعصّبة تجعل أصحابه غير قادرين على فهم واستيعاب ما قد يترتّب على سقوط النظام الإيراني من آثار جيوسياسية واستراتيجية بعيدة المدى، والثاني، أنه ينطلق من رؤية عقائدية وسياسية تربط أصحابه فكرياً ومصلحيّاً بقوى خارجية لها مصلحة في التخلّص من هذا النظام.
وفي كلا الحالتين يبدو لي أنه موقف يعادي أيّ منطق سليم، ذلك أنّ المواقف الوطنية أو القومية أو الدينية الحقّة ترفض الطائفية المتعصّبة، تماماً مثلما ترفض التعاون مع قوى أجنبية لا همّ لها سوى تحقيق مصالحها الخاصة من خلال أنظمة عميلة تقبل الخضوع لإرادة هذه القوى والعمل تحت حمايتها.
لفهم ما يجري في إيران حالياً، ينبغي أن نتفق أولاً على أنّ لكلّ شعب الحقّ المطلق في اختيار نظامه السياسي، أياً كانت توجّهاته الفكرية أو سياساته ومواقفه الداخلية والخارجية، وأيضاً الحقّ في الإبقاء على هذا النظام أو تغييره بالوسائل التي يراها مناسبة، وهو حقّ حصري لا يقبل التفويض لأيّ طرف خارجي كي يقوم بهذه المهمّة الخطيرة نيابة عنه تحت أيّ ذريعة كانت.
فمن السذاجة بمكان أن يصدّق أحد أنّ الدافع الحقيقي من وراء التدخّل الأميركي المتكرّر في شؤون الدول الأخرى هو التخلّص من النظم الاستبدادية. فالتاريخ يؤكّد لنا أنّ الولايات المتحدة ارتبطت دوماً بعلاقات قوية مع أعتى النظم الاستبدادية في العالم، من بينها نظام الشاه في إيران.
ومن ثمّ ينبغي على الجميع أن يكونوا على قناعة تامّة بأنّ السبب في إصرار الولايات المتحدة على تغيير النظام الحالي في إيران لا يعود إلى السمة الاستبدادية لهذا النظام، حيث سبق لها أن أطاحت بحكومة مصدق المنتخبة ديمقراطياً، أو إلى تدخّله في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فقد سبق لنظام الشاه الاستبدادي أن قام بهذا الدور لحسابها، ولكن لأنه يسعى لبناء دولة قوية مستقلة ترفض الدوران في الفلك الأميركي.
بل أعتقد أنني لا أخالف الحقيقة إن قلت إنّ التناقض القائم حالياً بين الولايات المتحدة وبين النظام الإيراني هو من نوع التناقض نفسه الذي كان قائماً بينها وبين نظام عبد الناصر في مصر خلال الخمسينيات والستينيات، والتناقض الذي كان قائماً بينها وبين نظام صدام في العراق خلال الثمانينيات والتسعينيات. ولكن بدرجة أكثر حدّة بسبب نجاح النظام الإيراني في تصميم وتنفيذ برامج تسليحية فعّالة ترى "إسرائيل" أنها تشكّل تهديداً لأمنها القومي. ولأنّ الولايات المتحدة ترى أنّ أمن "إسرائيل" جزء لا يتجزّأ من أمنها القومي، فمن الطبيعي أن تتبنّى وجهة النظر الإسرائيلية وأن تسير في ركابها.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الاضطرابات الحالية في إيران ليست الأولى من نوعها، وربما لا تكون الأخيرة، لكنها نجمت بالقطع عن الأثر التراكمي لموجات متعاقبة من العقوبات الأميركية والدولية. فعقب اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن بواسطة الطلاب المتحمسين للثورة الإيرانية، فرضت الولايات المتحدة حزمة من العقوبات شملت تجميد الأصول الإيرانية فيها.
وفي عام 1984 تمّ تصنيف إيران دولة راعية للإرهاب لتبرير فرض عقوبات إضافية على تصدير السلاح والتكنولوجيا إليها، وفي عام 1995 اتسع نطاق هذه العقوبات ليشمل التجارة والاستثمار وقطاع الطاقة. وإبّان الولاية الأولى لأوباما تحوّلت العقوبات الأميركية إلى عقوبات أممية شاملة غطت قطاعات النفط والبنوك والتأمين والشحن، ورغم ذلك ظلّ أوباما حريصاً على أن تكون سياسته تجاه إيران محكومة برؤية أميركية خالصة، بصرف النظر عن الموقف الإسرائيلي.
وهذا ما يفسّر إقدامه على توقيع اتفاق نووي مع إيران عام 2015، ترتّب عليه رفع جزئيّ لهذه العقوبات، وتطلّع إيران نحو رفعها نهائياً إذا استمرّ التزام الأطراف ببنود الاتفاق النووي، وهو ما لم يحدث بسبب انقلاب مفاجئ طرأ على السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وليس تجاه إيران وحدها، عقب وصول ترامب إلى البيت الأبيض.
فخلال فترة ولايته الأولى، تبنّى ترامب بالكامل رؤية نتنياهو التي استهدفت ليس فقط تصفية القضية الفلسطينية وإنما أيضاً إسقاط النظام الإيراني، ما يفسّر قراراته بنقل السفارة الأميركية للقدس، والاعتراف بسيادة "إسرائيل" على الجولان، وطرح "صفقة القرن"، والانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي وإعادة فرض جميع العقوبات السابقة على إيران، ولكن في صورة أشدّ هذه المرة (عبر سياسة الضغوط القصوى).
ولم يكتفِ ترامب، حين عاد إلى البيت الأبيض لفترة ولاية ثانية، بتشديد وإحكام العقوبات الأميركية وحدها وإنما ضغط على الأطراف الأوروبية لتفعيل "آلية الزناد"، ما أدّى إلى عودة العقوبات الأممية بصورة تلقائية، بل إنه ذهب إلى حدّ المشاركة مع "إسرائيل" في حربها على إيران، حيث تكفّلت الولايات المتحدة بمهمّة تدمير المنشآت النووية الإيرانية. لذا يمكن القول من دون تردّد إنّ الحركة الاحتجاجية الحالية في إيران تجري في سياق إقليمي ودولي مختلف تماماً عن كلّ ما سبقها من حركات أو انتفاضات.
لا جدال في أنّ تراكم الآثار الاقتصادية الناجمة عن الموجات المتعاقبة من العقوبات هو ما دفع المواطن الإيراني إلى الخروج إلى الشارع للاحتجاج على ارتفاع الأسعار وتدهور مستوى معيشته، وربما يفسّر لماذا انطلقت الشرارة الأولى لموجة الاحتجاجات الحالية من البازار هذه المرّة، رغم دوره البارز في الثورة الإيرانية وامتناعه عن المشاركة في موجات الاحتجاج السابقة.
غير أنّ لجوء المحتجين إلى العنف بوتيرة متسارعة وتحوّل مطالبهم من مطالب فئوية واقتصادية صرفة إلى مطالب سياسية تهتف بإسقاط النظام، ورفعهم لصور الشاه وابنه في الميادين، يثير علامات استفهام كثيرة حول حقيقة ما يجري، وربما يعكس حجم الاختراق الذي حقّقته أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية داخل إيران.
وهذه كلّها مؤشرات توحي بأنّ ساعة الحسم تقترب وبأنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" تراهنان على هذه الموجة الاحتجاجية وتصرّان على دعمها بكلّ قوة إلى أن تتمكّن من الإطاحة بالنظام الحالي في إيران، حتى لو اضطرّتا هذه المرة للقيام بعمل عسكري مباشر. بل إنني لا أبالغ إن قلت إنّ احتمالات التدخّل العسكري ستزداد مع تزايد قدرة النظام على احتواء هذه الموجة من الاحتجاجات، بذريعة لجوء النظام إلى استخدام العنف المفرط ضدّ المتظاهرين!!.
عوامل كثيرة تدفع نتنياهو إلى التحرّك السريع من أجل الإجهاز على النظام الإيراني هذه المرة. فهو يعتقد أنه تمكّن من توجيه ضربات قاصمة لمحور المقاومة كلّه، بما في ذلك إيران نفسها، لكنه يشعر أيضاً أنه لم يكسب الحرب نهائياً بعد.
صحيح أنه ما زال قادراً على مواصلة عملياته العسكرية ضدّ كلّ من حماس في غزة وحزب الله في لبنان، من دون أن يبالي بالاتفاقيات التي وقّعها لوقف إطلاق النار على الجبهتين، وصحيح أيضاً أنه يبدو مطمئناً تماماً إلى أنّ الجبهة السورية خرجت تماماً من ساحة المواجهة عقب سقوط نظام بشار، لكنه يدرك أنّ هذه العمليات الاستنزافية لا تكفي لحسم الحرب، خصوصاً وأنّ الوقت يعمل لصالح كلّ من النظام الإيراني وحزب الله اللذين يسعيان لإعادة بناء قدراتهما العسكرية بسرعة.
ولأنّ الخيار الوحيد المتاح أمامه، قبل أن يتمكّن من إعلان "النصر المطلق" الذي يتوق لإنجازه قبل خوض الانتخابات التشريعية، يكمن في القضاء على النظام الإيراني، أي على "رأس الأفعى" كما يسمّيه، فمن الطبيعي أن يرى في موجة الاحتجاجات الراهنة فرصته الوحيدة، وربما الأخيرة، لتحقيق هذا الهدف الكبير، حتى ولو خاطر بشنّ حرب جديدة على إيران، خصوصاً وأنه يبدو على ثقة تامّة من أنّ صديقه في البيت الأبيض لن يخذله إن احتاج إليه في لحظات الحسم الأخيرة، بل وليس من المستبعد أن يقوم هو بالمهمة الكاملة نيابة عنه!!
سقوط النظام الإيراني، خصوصاً إذا تحقّق من خلال عملية عسكرية تنفرد بها "إسرائيل" أو الولايات المتحدة أو يشتركان فيها معاً، سيمكّن نتنياهو من ضمان:
1-حسم سباق الانتخابات التشريعية المقبلة لصالحه.
2- تحويل "خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة" إلى خطة لنزع سلاح جميع الفصائل الفلسطينية وتحويل قطاع غزة إلى "ريفييرا" على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط، وفقاً لرؤية ترامب الأصلية، ولكن بعد إفراغه من الفلسطينيين الذين سيتمّ ترحيلهم قسراً أو طوعاً.
3- نزع سلاح حزب الله وفرض تسوية على كلّ من لبنان وسوريا بشروط تمكّن "إسرائيل" من التحكّم في رسم حدودها البحرية معهما على نحو يضمن سيطرتها على أهمّ مكامن الغاز في شرق البحر المتوسط.
4- فتح الطريق أمام توسيع نطاق "اتفاقيات أبراهام" لتشمل جميع دول الخليج، بما فيه السعودية.
5- إطلاق يد "إسرائيل" للسيطرة على البحر الأحمر، بالتعاون مع إثيوبيا، من خلال تحويل أرض الصومال إلى قاعدة عسكرية مشتركة تهيمن على القرن الأفريقي وتتحكّم في مضيق باب المندب، ولا سيما إذا وقع عليها الاختيار لاستقبال الفلسطينيين المطرودين من القطاع.
على صعيد آخر، يعتقد ترامب أنّ سقوط النظام الإيراني سيؤدّي إلى تحقيق أكبر اختراق جيواستراتيجي وأهمّ مكسب استراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، لأنه سيمكّنها ليس من التحكّم في نفط وغاز منطقة الخليج فحسب، بما في ذلك الغاز والنفط الإيرانيان، وإنما أيضاً من التحكّم في تدفّقه نحو أوروبا عبر "ممر هندي" يربط الهند بأوروبا عبر الخليج وسوريا و"إسرائيل"، ما سيشكّل ضربة موجعة للصين ولمبادرة "الحزام والطريق"، أداتها الرئيسية في التطلّع إلى مكانة القوة الأولى في العالم.
تلك هي أحلام ترامب ونتنياهو والتي إن تحقّقت، لا قدّر الله، ستكتشف شرائح النخب التي كانت تعتقد أنّ النظام الإيراني يشكّل مصدر التهديد الرئيسي لأمن المنطقة أنها مخطئة، لكن بعد فوات الأوان.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً