قبل 4 شهور
محمد هلسة
85 قراءة

اليمين الصهيوني ومفهومه الجديد.. هل يعيدا بناء جدار جابوتنسكي الحديدي!

بعث عضو مجلس الوزراء الصهيوني وزير المالية بتسلئيل سموتريتش رسالة إلى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو حذّر فيها من أن فتح الحواجز العسكرية لتسهيل دخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى في رمضان هو استمرارٌ للمفهوم القديم والخطير الذي يتعارض مع السياسة المقررة في مجلس الوزراء.

يستند الوزير سموتريتش في مفهومه "الجديد" إلى أن رمضان هذا العام يجب أن يشكل نقطة تحول "لتسريع ضغط الإجراءات المضادة بشكل كبير وتعزيز الجهود الدفاعية من خلال إضافة الحواجز وإغلاق طرق المرور الرئيسية أمام حركة الفلسطينيين لتقليل فُرص تنفيذ الهجمات، لا العكس".

ويؤكد سموتريتش أن القرار "العبثي والفوضوي" القاضي بتسهيل مرور الفلسطينيين يُعرّض المستوطنين للخطر بشكل فوري، وأن أي أثمان يدفعها المستوطنون ستكون في رقبة المستوى السياسي غير القادر على فرض الحد الأدنى من تعليماته وسياساته على المستوى العسكري الذي تظن قيادته العليا، وفق سموتريتش، "أن إسرائيل جيش له دولة وليس دولة لديها جيش". 

لعلَّ الفترة القليلة الماضية التي قضاها اليمين الصهيوني، المتمثل بسموتريتش وبن غفير، في الحكم لغاية الآن أثبتت للجميع بما لا يدع مجالاً للشك سعيه المحموم، وربما مقدرته في بعض الأحيان، على إحداث تغييرٍ جوهري لمصلحة الرواية الاستعمارية الاستيطانية فيما يخص العلاقة بالقضايا الوطنية الفلسطينية، كما يتبدى في مشهد الحرب الطاحنة الإجرامية على قطاع غزة وغياب أي ضوابط أخلاقية أو قانونية توقف هذا الانفلات الجنوني للآلة العسكرية الصهيونية التدميرية التي فاقت كل تصور.

 ولعلنا نسوق كذلك قضية الأسرى الفلسطينيين التي يفاخر بن غفير اليوم بأنه أستطاع أن يفرض فيها شروطه وأن ينزع من الأسرى حقوقهم الأساسية التي حازوها عبر سنوات طويلة من نضال الحركة الأسيرة، مستغلاً حالة الحرب الدائرة، من دون أن يستجلب انقضاضه عليهم رد فعل يُجبره على التراجع، وهو ما يروّج له كسابقة يود بشدة إسقاطها على بقية قضايا الشأن الفلسطيني. 

ويبدو لسان حال بن غفير كمن يقول إن الأمة العربية والإسلامية التي لم يُحرّكها سفك دم 30 ألف فلسطيني على الملأ في غزة أو تجريد الأسرى الفلسطينيين من إنسانيتهم وحقوقهم لن تحرّكها قيود تُفرض على الأقصى في رمضان! 

لذا، لا غرابة في أن يسعى الرجلان، سموتريتش وبن غفير، إلى اسقاط المسلمات وتجاوز الخطوط الحمر التي ظلت تحكم علاقة "إسرائيل" بالحقوق الفلسطينية والقضايا الوطنية الأساسية، إذ باتا أكثر يقيناً بأن الظروف مواتية جداً لليمين الصهيوني الحاكم في "إسرائيل" لتجاوز حالة التدرّج في فرض الشروط الإسرائيلية وإحداث تحولاتٍ نوعية في هذه العلاقة لمصلحة سردية الاحتلال ومخططاته الاستعمارية. 

يبدو أن هذا المسار الجديد "الانقلابي" الذي يتجاوز أنماط التعامل الإسرائيلي القديمة التدريجية، والذي تنتهجه حكومة نتنياهو اليمنية، يهدف إلى المساس بالحقوق العربية الإسلامية والإضرار بها قدر الإمكان، عبر كسر حواجز ما اعتادت "إسرائيل" تسميته "المحافظة على الوضع القائم" في كل قضايا الصراع العربي – الإسرائيلي، وعلى رأسها المسجد الأقصى والقدس.

بن غفير الذي استغل ظروف الحرب لنزع حقوق الأسرى والتنكيل بهم، ولتشكيل عصابات الحرس المدني، وتوزيع السلاح بشكل جنوني على الإسرائيليين، فعل الشيء ذاته في تقييد حركة الفلسطينيين في الشوارع الخارجية الواصلة بين المستوطنات المنتشرة في الأراضي الفلسطينية، تحت شعار "أن حق المستوطنين في الحياة مُقدمٌ على حق الفلسطينيين في الحركة"، مستغلاً بعض العمليات الفدائية التي حدثت، والتي قُتل فيها مستوطنون في تلك الشوارع كذريعة، وهو شخصياً من يقود اليوم المسعى الحثيث لمنع الفلسطينيين من أراضي فلسطين المحتلة عام 48 من الوصول إلى المسجد الأقصى في رمضان بذريعة أن وصولهم إليه قد يساهم في "الإضرار بأمن إسرائيل وزيادة التحريض عليها". 

والواقع أن الخطر الَّذي يمثله اليمين الصهيوني ودُعاته لا يكمن في الأهداف المختلفة التي أشرنا إليها أعلاه فحسب، والتي يسعون لتحقيقها عن طريق "زرع الفوضى" و"إشعال الحرائق"، بل في أن هؤلاء على الأرجح سيفعلون أشياء لم يفعلها من سبقوهم، وسيذهبون أبعد من ذلك إن بقوا وأتيحت لهم الأدوات وبقيت أجندتهم من دون مواجهة وتعطيل.

والأخطر أن ما يفعلونه اليوم يؤسس للبناء عليه والانطلاق منه، وإن غاب بن غفير وسموتريتش وحزباهما عن المشهد السياسي الإسرائيلي مستقبلاً، فـ"إسرائيل" اعتادت أن تُراكم على ما تَحَقَق وأن تنطلق مما وصلت إليه وتثبّته كأمرٍ واقع في إطار صراعها مع الفلسطينيين. 

والأهم من هذا وذاك أن هذا المفهوم الصهيوني اليميني الجديد يحاول أن يُثبت على جبهتي الوعي المتصارعتين أمرين: أولهما أن اليمين الصهيوني قادرٌ على إعادة بناء جدار جابتونسكي الحديدي القائل إن إخضاع العرب الفلسطينيين بالتوازي مع السعي لتحقيق هدف الحركة الصهيونية بخلق أغلبية يهودية في أرض فلسطين يمكن تحقيقهما عندما يدرك العرب أنهم لا يستطيعون إحباط تحقيق هذا الهدف، وأن استمرار الاستيطان الصهيوني برعاية قوة أجنبية وبمساعدة القوة العسكرية اليهودية الحديدية يُعتبر ضمانةً لتحقيق هذه الأهداف. 

يضاف إلى ذلك اعتقاد اليمين الصهيوني أنه بمجرد أن يتضح للفلسطينيين ومقاومتهم أنه لا يمكن كسر "الجدار الحديدي" اليهودي، فسيكون من الممكن "إخضاعهم وجلبهم صاغرين إلى طاولة المفاوضات، وسيقدمون تنازلاتهم"، وخصوصاً أن هذا الافتراض ربما أثبت من منظور تاريخي أنه ليس سيئاً بالنسبة إلى "إسرائيل"، بعدما اعترف بعض العرب بوجودها، واستعد البعض الآخر لإقامة علاقات تطبيع وتعاون معها.

أما الأمر الثاني الذي يحاول قادة الكيان الصهيوني زرعه في وعينا العربي، فهو صورة التدمير والسحق التي حلّت بغزة، والتي يلوحون بها كعصا غليظة لردع العرب عن التفكير في مواجهة "إسرائيل" مستقبلاً.

وقد تردد على ألسنة قادة الكيان العسكريين والسياسيين خلال الحرب الحالية على غزة مثل هذه التهديدات ضد قادة المقاومة الإسلامية في لبنان وهم يحاولون ردعهم عن الاستمرار في مساندة غزة ومقاومتها.  

وفي المحصلة، يُجاهر اليمين الصهيوني الاستيطاني ويعمل بقوة على شعار "دولة يهودية واحدة بين النهر والبحر"، من خلال السيطرة على كامل فلسطين التاريخية، عبر إحكام السيطرة على الضفة، وصولاً إلى اجتثاث المقاومة من غزة، وإحداث التغيير الديمغرافي في القطاع بتهجير ثلثي سكانه وإعادة استيطانه. 

لكن يبدو أن رياح هذا اليمين الصهيوني تسير عكس ما تشتهي سفنه، فرغم تعمّق النزعة اليمينية للمجتمع الإسرائيلي، ستكون عودة أحزاب اليمين الحاكم إلى المشهد السياسي ومستقبلها رهناً بما تسفر عنه الحرب الحالية في القطاع ومدى نجاح حكومة نتنياهو في تحقيق أهدافها المُعلنة. 

ومع ما تقوم به هذه الأحزاب من إجراءات لخدمة أجندتها السياسية، ربما سيكون من الصعب أن تعفيها من مسؤولية الإخفاق الذي وقع في 7 أكتوبر، ومن ثم قد تكون غير ممثلة في حكومة "إسرائيل" ما بعد الحرب. 

في الخلاصة، يمكن القول إن "طوفان الأقصى" أسقط فلسفة اليمين القائمة على أن التشدد والقبضة الحديدية أو "الجدار الحديدي" هما ضمانة وجود "إسرائيل" وأمنها، وهو ما يعني في المدى القريب، على الأقل، عزوف كثيرين عن التصويت لأصحاب هذا التيار، مع بقاء النزعة اليمينية الأيديولوجية للمجتمع الإسرائيلي قائمة. 

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP