قبل 2 سنە
عادل الجبوري
317 قراءة

المصالحات الإقليميّة ودبلوماسيّة بغداد الناجحة!

يؤشر الحراك الإقليمي المتعدد الاتجاهات والمصادر والمستويات خلال الشهور الستة المنصرمة إلى 3 حقائق مهمة من شأنها رسم وصياغة معالم المشهد العام في المنطقة وملامحه خلال العام الجديد وما بعده، من دون أن يعني ذلك تلاشي وغياب المشاكل والأزمات في جغرافيا سياسية معقدة وشائكة ومتقاطعة في مصالح أطرافها ومكوناتها السياسية والمجتمعية وأجنداتها ومشاريعها واصطفافاتها وولاءاتها.

 الحقائق الثلاث هي:

- الاستنزاف الكبير الَّذي تسبّبت به الصراعات والحروب والمواجهات السياسية والعسكرية والإعلامية، وحتى الدينية والمذهبية، طيلة أعوام طويلة، لكلِّ الأطراف من دون استثناء، وضرورة البحث في خيارات أخرى أقلّ كلفة وأكثر فائدة وجدوى.

- التبعات والآثار والانعكاسات السلبية الكارثية للتدخّلات الدولية في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وتنامي مظاهر التفكّك والانقسام والتشظي والتناحر، وهيمنة مظاهر التوتر والاحتقان الدائم على عموم أجواء المنطقة.

- هناك الكثير من نقاط الالتقاء ومساحات المصالح المتبادلة والقواسم المشتركة بين دول المنطقة وشعوبها، والتي يمكن أن تؤسس لتفاهمات ومصالحات حقيقية، بعيداً عن التشبّث بعقد وإشكاليات تأريخية وسياسية ومذهبية وطائفية، لا يمكن في أيّ حال من الأحوال إلغاؤها أو تجاهلها أو القفز عليها، بقدر ما يمكن التعاطي معها بواقعية وإيجابية.    

ربما كانت أبو ظبي الطرف الأكثر ديناميكية وحراكاً في الفضاء الإقليمي، ولا سيما الأطراف المتقاطعة والمتخاصمة معها منذ زمن غير قصير. وكانت أولى خطوات الحراك المعلنة نحو العاصمة السورية دمشق، إذ زار وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد سوريا في 9 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، والتقى الرئيس بشار الأسد، وأكّد حرص بلاده على دعم الاستقرار في سوريا، وعودتها إلى الحضن العربي، علماً أنَّ تلك الزيارة كانت الأولى من نوعها منذ 10 أعوام، أي منذ اندلاع الأزمة السورية في العام 2011.

وفي الرابع والعشرين من الشهر نفسه، أي بعد أسبوعين، حطت الطائرة الإماراتية التي كانت تقل ولي عهد الإمارات محمد بن زايد آل نهيان في مطار أنقرة، بعد قطيعة دامت 10 أعوام بين تركيا والإمارات. وحظي ابن زايد بحفاوة بالغة من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وأسفرت الزيارة عن إبرام عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والتفاهمات الأمنية والسياسية حول بعض الملفات الإقليمية الشائكة. 

ولم يمرّ أسبوعان حتى كان مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد في العاصمة الإيرانية طهران في زيارة رسمية معلنة هذه المرة، بعد أكثر من زيارة سرية، بناءً على دعوة من الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني الأدميرال علي شمخاني. 

وعقد طحنون سلسلة لقاءات واجتماعات مع كبار المسؤولين الإيرانيين، وفي مقدّمتهم رئيس الجمهورية السيد إبراهيم رئيسي، ولم يكن محتاجاً إلى من يترجم له، إذ وجد شمخاني يتحدّث معه بالعربية، بعيداً عن سياقات البروتوكول وضوابطه.

 وتمحورت المباحثات حول اتجاهين؛ الأول هو تطوير العلاقات بما يعزز مصالح الطرفين وأمنهما، وخصوصاً الاقتصادية والتجارية، والآخر يتمثل بتبديد المخاوف والهواجس الإيرانية من الانفتاح الإماراتي السريع والمحموم على الكيان الصهيوني. وبقيت الجزر الثلاث المتنازع عليها منذ 5 عقود بين طهران وأبو ظبي خارج دائرة أجندة زيارة طحنون، حتى لا تختلط الأوراق وتتكدر الأجواء.

وقبل طهران، كان مستشار الأمن القومي الإماراتي قد زار أنقرة والقاهرة، وتواصل مع عواصم إقليمية أخرى. خلاصة الحراك الإماراتي أوضحها المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أنور قرقاش، بقوله: "إن أبو ظبي تعمل حالياً على تعزيز العلاقات وبناء وترميم الجسور مع الجميع، واختلاف المواقف لن يحول دون تعزيز العلاقات الاقتصادية".

وفي الإيقاع نفسه، وإن كان بوتيرة أبطأ نوعاً ما، راحت الرياض تتحرك وتمدّ الخيوط وترسم الخطوط. وقد بدا ذلك بصورة أوضح مع طهران، ارتباطاً بأربعة عقود من تراكم الخلافات والاختلافات والتقاطعات، وما شيَّدته من جدار عالٍ بين الطرفين، بدا أنَّ من الصعب تحطيمه وهدمه في كثير من الأوقات.

وإذا كانت أبو ظبي قد ذهبت إلى خصومها مباشرة، ومن بينهم طهران، من دون الحاجة إلى قنوات اتصال ووسطاء، فإنَّ الرياض اختارت أن تكون بغداد بوابتها وقناة اتصالها الرئيسية مع طهران، وكذلك كانت رغبة الأخيرة، مع العلم أنّ العاصمة العُمانية مسقط لم تكن بعيدة عن الاضطلاع بدور نسبي في هذا السياق، كما هو دأبها في توظيف علاقاتها الإيجابية مع مختلف الفرقاء، واستثمار دبلوماسيتها المعتدلة والمتوازنة في احتواء المشاكل والأزمات وحلحلتها.

احتضنت بغداد جولات من الحوار السعودي الإيراني خلال العام الجاري، أفضت إلى كسر الجمود وإذابة بعض الجليد والشروع في خطوات ومبادرات إيجابية في عدد من الملفات الثنائية والملفات الإقليمية.

 جرت الجولة الأولى في أواخر شهر نيسان/أبريل الماضي، تبعتها 3 جولات تمحورت بشكل عام حول إعادة فتح السفارات بعد 6 أعوام من القطيعة الدبلوماسية على خلفية اقتحام متظاهرين إيرانيين مبنى السفارة السعودية في طهران، إثر إقدام السلطات في الرياض على تنفيذ حكم الإعدام بحق عالم الدين الشيعي الشيخ نمر النمر، وكذلك السعي إلى فتح قنصلية إيرانية في مدينة جدة وقنصلية سعودية في مدينة مشهد.

وبعد أن قبلت الرياض الوساطات العراقية والعمانية لإعادة السفير الإيراني في اليمن حسن إيرلو إلى بلاده جراء تدهور صحته بفعل إصابته بفيروس كورونا، منحت 3 دبلوماسيين إيرانيين تأشيرات دخول لتمثيل بلادهم في مقر منظمة التعاون الإسلامي في مدينة جدة.

وقد أشاد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان في المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره العراقي فؤاد حسين، خلال زيارة الأخير لطهران قبل أسبوعين، بالجهود والمساعي العراقية الطيبة في التقريب بين بلاده والمملكة العربية السعودية.

وإلى جانب ذلك، فإنَّ العاصمة الأردنية عمّان شهدت في 13 كانون الأول/ديسمبر الجاري لقاءات بين مسؤولين أمنيين إيرانيين وسعوديين. وبحسب وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، "تضمَّنت الاجتماعات التي استضافها المعهد العربي لدراسات الأمن، وهو مؤسسة قريبة جداً من الحكومة الأردنية، مناقشة عدد من القضايا الأمنية والتقنية، من بينها الملف النووي الإيراني، والحد من تهديد الصواريخ وآليات الإطلاق، والإجراءات الفنية لبناء الثقة بين الطرفين، وتحديداً في ما يتعلق ببرنامج إيران النووي والتعاون في مجال الوقود النووي".

وليس بعيداً عن الحراك الإيجابي الملموس بين طهران والرياض عبر بوابة بغداد، جاء التقارب السوري السعودي الذي بدا واضحاً منذ الشهور الأولى للعام 2021، رغم أن خطواته لم تخرج إلى العلن بالكامل، بيد أن ما ظهر منها حتى الآن يؤشر إلى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وأن هناك رغبة وجدية لدى الطرفين في فتح صفحة جديدة، محورها القبول السعودي بالنظام الحاكم في دمشق، بعدما كانت الرياض، ومعها عواصم أخرى، ترفض أي خيار سوى ذهاب ذلك النظام بإرادته أو رغماً عنه.

ولعلّ أبرز خطوات إعادة المياه إلى مجاريها بين دمشق والرياض تمثل بزيارة رئيس المخابرات السعودية خالد الحميدان لسوريا مطلع شهر أيار/مايو الماضي، ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد ونائبه للشؤون الأمنية علي مملوك، إضافة إلى مسؤولين سياسيين وأمنيين كبار.

 وبالنسبة إلى التقارب السوري السعودي، فإنَّ بغداد كان لها دور فاعل في ترطيب الأجواء وترتيب اللقاءات بمستويات مختلفة. وقد مهّدت الزيارات التي قام بها رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض لدمشق، وتلك التي قام بها مسؤولون عراقيون آخرون إلى الرياض، لكسر الكثير من الحواجز بين دمشق والرياض بشكل كبير، وبصورة متناغمة ومنسجمة، مع كسر الحواجز وتذليل العقبات بين الأخيرة وطهران.

وأكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين خلال زيارته الأخيرة لإيران، وفي مناسبات سابقة، "أنَّ الحكومة العراقية ترى في الحوار الإيراني السعودي جزءاً رئيسياً من الحل لتحقيق الأمن والاستقرار في العراق والمنطقة عموماً"، موضحاً "أن العراق يعمل على ترطيب العلاقات المتوترة من خلال فتح قنوات للحوار البناء، لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء في منطقة الشرق الأوسط".

ورغم أنّ مواقف الرياض، ومعها أبو ظبي، لم تكن إيجابية وطيبة حيال بغداد بعد إطاحة نظام صدام في ربيع العام 2003، ورغم أنه ما زالت هناك العديد من الملفات والقضايا العالقة بين الطرفين، ولا سيما ملف الإرهابيين السعوديين في السجون العراقية، فإنَّ رؤية بغداد تقوم على مبدأ أن حلحلة مجمل العقد والخلافات والاختلافات من شأنها أن تساهم في تكريس الاستقرار الأمني والسياسي وترسيخه، وتعزيز الازدهار الاقتصادي لكل دول المنطقة وشعوبها، وقطع الطريق على التدخلات والأجندات والمشاريع الخارجية التي تفاقم الأمور سوءاً، عبر استفحال مظاهر التفكك والانقسام والتشظي والحروب والصراعات الداخلية.  

ولأنَّ الملفات متداخلة والقضايا شائكة، ترسخت لدى الأوساط والمحافل السياسية والشعبية العراقية قناعة مع مرور الوقت، مفادها أنَّ استمرار التأزم والخلاف بين السعودية وإيران وعموم الأطراف الإقليمية، يعني بقاء الوضع السياسي والأمني والاقتصادي العراقي متأزماً ومتوتراً وقلقاً ومضطرباً على الدوام.

دبلوماسية بغداد الناجحة التي انطلقت خطواتها الأولى بوضوح في عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، وتواصلت بوتيرة أسرع، وعلى نطاق أوسع، في عهد الحكومة الحالية برئاسة مصطفى الكاظمي، شكّلت محور الحراك الدبلوماسي الإقليمي والعنصر الدافع له. ولا شكّ في أن تواصلها يعني في ما يعنيه رسم وصياغة معالم وملامح مرحلة من الهدوء النسبي ورجحان كفة الحوار على كفة الصدام، وإن كانت النتائج والمخرجات والمعطيات بطيئة ورتيبة ومرتبكة. 

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء و التوصيفات المذكورة.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP