قبل 3 سنە
عادل الجبوري
351 قراءة

مؤتمر أربيل التّطبيعيّ.. فضيحة المموّلين والداعمين والمساهمين.

بدايةً، من المهم جداً تسجيل 3 ملاحظات جوهرية على المؤتمر الذي عُقد في مدينة أربيل، العاصمة المحلية لإقليم كردستان في شمال العراق، في 25 أيلول/سبتمبر الجاري. تتمثل الملاحظة الأولى بأنَّ جهات أميركية صهيونية تقف وراء فكرة تنظيمه واختيار المكان المناسب له، تحت مظلّة منظّمة غير حكومية هي "مركز اتصالات السلام"، وبالتعاون والتنسيق والدعم والتمويل من قبل أطراف داخلية وخارجية.

الملاحظة الثانية هي أن التحضيرات والاستعدادات الفنية واللوجستية له، والتي استغرقت بضعة أسابيع، أحيطت بقدر كبير من السرية والكتمان، على خلاف المتعارف في مختلف الفعاليات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية التي يتم الترويج لها والإعلان عنها مسبقاً وعبر مختلف وسائل الدعاية والإعلام.

الملاحظة الثالثة أنَّ أغلب المدعوين والمساهمين والفاعلين فيه والمحتضنين له، تبرؤوا منه حتى قبل أن تنتهي وقائعه، وهو أمر غريب، وربما لا توجد سابقة له. وبدلاً من أن يستتبع المؤتمرَ شرحٌ وتوضيح لمضامينه ونتائجه ومخرجاته وأهدافه، راحت البيانات والتصريحات من هنا وهناك تتوالى للنأي عنه، وكأنه فعل معيب وشنيع.

هذه الملاحظات الثلاث هي التي صاغت ورسمت مجمل الانطباعات والتقييمات العامة لمؤتمر "السلام والاسترداد" التطبيعي. وبشكل أوضح، مثلت حلقة وصل ونقطة استمرار لمجمل المواقف والتوجهات العراقية السابقة من قضية التطبيع والعلاقات مع الكيان الصهيوني، وما يمكن أن يتأسَّس ويترتب مستقبلاً على هذا المؤتمر، وأي خطوات ومبادرات أخرى مماثلة أو مشابهة باتجاه التطبيع.

الأشخاص الذين خطّطوا للمؤتمر ونظّموه، ورتبوا واختاروا مفردات رسالته العامة ومضامينها، يبدو أنهم لم يقرأوا حقائق الماضي البعيد والقريب بصورة موضوعية ودقيقة وهادئة، وانساقوا وراء عواطف وأمنيات، وفق ما يُعرف بمنهج "التفكير الرغبي" (Wishful thinking)، وجروا آخرين بمغريات مادية قد تكون تبعاتها السلبية عليهم أكثر كلفة مما تقاضوه من هدايا وهبات!

يشير الماضي البعيد إلى أنَّ العراق ساهم بمجمل الحروب ضد الكيان الصهيوني، بدءاً من حرب 1948، وأنه لم يتبنَّ أيَّ موقف سياسي، وإن كان ضمنياً، يمكن أن يُفهم منه وجود تعاطف أو مهادنة لـ"تل أبيب". هذا في الوقت الذي راحت أنظمة عربية منذ أكثر من 4 عقود تهرول لإبرام اتفاقيات سلام مع الكيان الصهيوني، اتضح في ما بعد أن كل ما كانت تتمناه وتطمح إليه كان سراباً في سراب.

ولعلّ الكثيرين يتذكرون أن الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، قال في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي في العام 1977: "جئت إليكم اليوم على قدمين ثابتتين لكي نبني حياة جديدة ونقيم السلام، وكلنا على هذه الأرض، أرض الله؛ كلنا مسلمون ومسيحيون ويهود، نعبد الله ولا نشرك به أحداً، وتعاليم الله ووصاياه هي حب وصدق وطهارة وسلام، وقد أعلنت أكثر من مرة أن إسرائيل أصبحت حقيقة واقعة اعترف بها العالم، وحملت القوَّتان العُظميان أمنها وحماية وجودها، ولما كنّا نريد السلام، فعلاً وحقّاً، فإننا نرحب بأن تعيشوا بيننا، في أمن وسلام، فعلاً وحقّاً"‏‎، ولكن هل تحقق شيء من السلام الحقيقي بعد 44 عاماً مما قاله وتمناه السادات؟ بالتأكيد لا، وأكثر من ذلك. بقدر ما كانت التنازلات والتراجعات والانكسارات في مواقف بعض الأنظمة العربية تتزايد، كانت الغطرسة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني تتزايد هي الأخرى.

ولا شك في أنَّ صورة اتفاقيات التطبيع بين كل من الإمارات والبحرين وأطراف أخرى من جهة، والكيان الصهيوني من جهة ثانية، قابلتها صورة انتهاكات المقدسات والحرمات الإسلامية واستباحة الدماء الفلسطينية.

وبالنسبة إلى النخب السياسية العراقية وعموم فئات المجتمع العراقي وشرائحه، تبدو الحقائق والمعطيات واضحة وجلية إلى حد كبير، ومن غير الممكن الالتفاف عليها أو التغافل عنها، فمواقف العراق حيال القضية الفلسطينية قبل 70 أو 60 أو 50 عاماً لا تختلف عن مواقفه اليوم، مع اختلاف الطرق ووسائل التعبير عن تلك المواقف والظروف المحيطة، ولا يمكن لأي كان أن ينسى ويتناسى الموقف التاريخي الشهير للمرجع الديني الكبير الإمام محسن الحكيم في العام 1966 بدعم الشعب الفلسطيني وإسناده في نضاله ضد الكيان المحتل، وصولاً إلى المواقف الإيجابية للمرجعية الدينية في النجف الأشرف في الوقت الحاضر إزاء القضية الفلسطينية وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قمع واضطهاد صهيوني يومي يقابله صمت دولي وخنوع عربي.

بعبارة أخرى، تقوم الرؤية العراقية على حقيقة أنَّ الكيان الصهيوني وجود شاذ وغير قانوني، تشكَّل عبر مؤامرات دولية على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه الطبيعية الأصيلة على أرضه. وقد اعتمد ذلك الكيان في ترسيخ وجوده وتكريسه وتوسيعه على الحروب والعنف والإرهاب. لذا، من الخطأ اللجوء إلى خيار السلام مع كيان لا يمتّ إلى السّلام بأيِّ صلة.

واستكمالاً لهذه الرؤية، فإنَّ التجارب الطويلة والكثيرة أثبتت أن انتهاج الخيار السلمي القائم على المفاوضات من قبل بعض الأطراف العربية - وآخرها البحرين والإمارات والمغرب - لم يفضِ إلى أي نتائج إيجابية، لأنَّ المنطلقات والأسس التي كانت المفاوضات تقوم عليها خاطئة وغير واقعية وغير متكافئة، وغالباً ما كانت تستند إلى مصالح وحسابات ضيقة ومغلوطة؛ فبعد مرور أكثر من 40 عاماً على إبرام اتفاقية سلام بين مصر والكيان الصهيوني، وأكثر من 25 عاماً على إبرام اتفاقية مماثلة بين الأخير والأردن، تمخضت عنهما إقامة علاقات دبلوماسية وتبادل فتح السفارات، إلا أن التطبيع الحقيقي بين الشعوب والمجتمعات لم يتحقق، وبقي الكيان الصهيوني، في نظر المواطن المصري والأردني، كياناً عدوانياً غاصباً لا يمكن بأي حال من الأحوال التصالح والتعايش معه، وهذا ما تم التأكيد والتشديد عليه والتذكير به من قبل مختلف القوى والفاعليات السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية والأكاديمية العراقية، التي عبرت عن رفضها القاطع واستنكارها الشديد لمؤتمر أربيل الأخير، رغم ضعفه وهزالته ونهايته البائسة.

وإذا افترضنا جدلاً أنه في بعض الدول، قد تكون هناك حاضنة سياسية أو اجتماعية لمشاريع التطبيع، تشجع على السير بهذا الطريق، ففي بلد مثل العراق، وبحكم طبيعته الاجتماعية، وواقعه السياسي، والرمزيات الدينية والروحية فيه، من الصعب بمكان أن تتوفر الأرضيات المناسبة والمطلوبة لتسويق مشاريع التطبيع وتمريرها. 

ولإدراك أصحاب الأجندات في "تل أبيب" وعواصم التطبيع هذه الحقيقة، فقد راحوا يبحثون عن خواصر رخوة وأبواب غير محكمة الإغلاق للولوج من خلالها، وكانت أربيل الكردية خيارهم المكاني، انطلاقاً من اعتبارات وحقائق وعلاقات في بعض جوانبها تمتلك عمقاً وامتداداً تاريخياً، إلى جانب حضور غلب عليه لون طائفي معيّن من 6 محافظات فقط، وليس من 18 محافظة عراقية. 

في مقابل ذلك، من الطبيعي أن الكيان الصهيوني والقوى الداعمة له والمتحالفة معه يراهنون على الظروف والأوضاع الصعبة التي يعيشها العراق، والضغوطات الحياتية الكبيرة التي تتعرض لها فئات وشرائح عديدة من أبناء الشعب العراقي، ولا سيما الشباب منهم، لتغيير الصورة النمطية في ذهنية المواطن العراقي عن ذلك الكيان، وهو - أي الكيان الصهيوني - لم ينجح في ذلك.

على سبيل المثال، قوبلت زيارة النائب السابق في البرلمان العراقي مثال الألوسي إلى "تل أبيب" في شهر أيلول/سبتمبر 2008 باستهجان ورفض واستنكار سياسي وشعبي واسع، أرغمه في النهاية على العزلة والانزواء. فضلاً عن ذلك، فإنَّ الكثير من العراقيين تلقوا مبادرة إنشاء صفحة "إسرائيل باللهجة العراقية"، ومن ثم إنشاء سفارة إسرائيلية افتراضية في العراق بقدر كبير من الاستهجان والسخرية، عبر العشرات من التعليقات والمنشورات، مؤكدين أن الكيان الذي يقتل الفلسطينيين الأبرياء يومياً، ويستبيح حرماتهم ومقدساتهم، لا يمكن التفكير في التصالح معه، معتبرين استغلال الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي لتسويق أفكار التعايش والتصالح أمراً عبثياً لا جدوى منه، لأنَّ الحقائق والوقائع على الأرض تسير باتجاهات أخرى متناقضة. 

ولعلَّ مؤتمر أربيل التطبيعي كشف أمرين؛ الأول القراءة الإسرائيلية الخاطئة للواقع العراقي، والآخر تعزيز حقيقة أن قطار التّطبيع الّذي بدا أنه عبر بعض المحطات العربية وغير العربية بيسر وسلاسة تعطَّل في محطة أربيل العراقية، ومن استقلَّه تحت جنح الظلام، تركه وتخلى عنه سريعاً في وضح النهار!

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء و التوصيفات المذكورة.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP