قبل 6 ساعە
أحمد عبد الرحمن
12 قراءة

إيران تودّع قائدها.. وتعلن انتصار الدم على السيف!

لا اعرف إن كان التاريخ الحديث أو القديم قد شهد خروجاً مليونياً هادراً كالذي شهده تشييع قائد الثورة الإسلامية في إيران الشهيد على الخامنئي رضوان الله عليه، ولا أعرف أيضاً إن كان العالم سيشهد في المستقبل القريب أو البعيد ما تشهده المدن الإيرانية على اتساع رقعتها الجغرافية من مظاهر ومشاهد تضامن وتلاحم غير مسبوقة وغير معهودة.

في إيران المكلومة بفقدان قائدها التاريخيّ الفذّ، يبدو المشهد أقرب إلى لوحة فسيفسائية فريدة من نوعها، تتكوّن من خليط من المشاعر الجيّاشة التي تعبّر عنها دموع وعبرات ملايين الإيرانيين، ومعهم ملايين آخرون من بلدان عديدة، ومن عرقيّات وطوائف مختلفة، إذ إنّ المصاب الجلل الذي وقع بداية العدوان الصهيوأميركي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي أدّى إلى تغييب رجل من طراز فريد قد أصاب لدى هؤلاء المحبّين وتراً حسّاساً،بل وكاد لولا رباطة الجأش وتدارك لحظة الخديعة أن يقطع هذا الوتر ،وأن يفرط عِقد محور الخير ،وأن يسقطه أرضاً بضربة واحدة.

في دوائر الاستخبارات التابعة لدول الاستكبار العالمي وفي المقدّمة منها الولايات المتحدة الأميركية، وربيبتها في المنطقة "إسرائيل"، كان يُنظر على الدوام لعمليات الاغتيال ذات الوزن الثقيل على أنها يمكن أن تؤدّي إلى تداعيات استراتيجية، وأنّ النتائج المترتّبة عليها يمكن أن تساعد في تغيير أنظمة عتيدة وقوية، بل وفي إحداث تغيير نوعي وربما شامل على مجمل الأفكار والرؤى التي تناقض جملة وتفصيلاً تلك التي يدعو إليها محور الشرّ والإجرام.

يمكن الاستدلال على هذه النظرة من خلال الكثير من الكتب والدراسات التي ألقت الضوء على مجموعة واسعة من عمليات الاغتيال خارج إطار القانون، والتي تتصدّرها من دون منازع "الدولة" العبرية المارقة، وإلى جانبها حليفتها الاستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية، والتي تعتبر أنّ قتل المناوئين بغضّ النظر عن جنسيتهم أو ديانتهم أمراً مباحاً دينياً وقانونياً وأخلاقياً، وأنّ التخلّص من أعداء هذا المحور المعادي للبشرية وحقوق الإنسان أمر لا مفرّ منه، حتى لو ترتّب على ذلك تداعيات ونتائج غير مرغوب فيها.

على المقلب الآخر يمكن مشاهدة نتائج معاكسة تماماً لما يسعى إليه محور القتل والإجرام، إذ إنّ فقدان القادة البارزين، وغياب الرموز الوطنية والدينية لم يؤدّ في يوم من الأيام إلا إلى مزيد من الصمود والتلاحم، بل وإلى انطلاقة جديدة في مشروع المقاومة والتحرير، ولا سيّما في ظلّ امتلاك محور الخير لقوة بشرية هائلة، يستطيع من خلالها تعويض كلّ الخسائر، وملء كلّ الفراغات، وصولاً إلى استمرار مشروعه الهادف إلى جلب الأمن والسلام للمنطقة والعالمم، بدلاً من مشاريع الخراب والتدمير التي كانت على الدوام نتاج مشاريع أعداء الأمة.

في الجمهورية الإسلامية في إيران وبعد استشهاد قائدها وأحد أعمدة ثورتها المجيدة يمكن الاعتقاد وربما الجزم بأنّ كلّ ما كان يخطّط له الأعداء قد فشل، وأنّ المؤامرة الكبرى التي كانت قد حيكت في أروقة أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، ومعهما بعض أجهزة وحكومات المنطقة قد ذهبت أدراج الرياح، خصوصاً بعد الصمود التاريخي الذي أبدته إيران ومعها حلفاؤها في المنطقة أمام واحدة من أكبر العمليات العسكرية والاستخبارية والنفسية في التاريخ الحديث، والتي لو استهدفت أيّ دولة أخرى داخل الإقليم أو خارجه لأصابته في مقتل، ولغيّرت وجه نظامها السياسي خلال ساعات معدودات. 

في الحرب الغادرة على إيران كان المخطّط الشيطاني أكبر وأخطر مما كان يعتقده البعض حتى من الإيرانيين أنفسهم،حيث كان يسعى إلى فرض سيطرة مطلقة على كامل الجغرافيا الإيرانية، من خلال تصفية واغتيال كلّ رؤوس النظام الإسلامي، وضرب كلّ مقدّراته وأدواته العسكرية والاقتصادية، وصولاً إلى إدخال البلاد في حالة من الاقتتال الداخلي عبر التحريض المدروس والممنهج، بما يؤدّي في نهاية المطاف إلى تحويل الجمهورية المقتدرة إلى دولة فاشلة تتنازعها المصالح والبحث عن الذات، وهو المجال الأنسب للسيطرة على ثرواتها، ونهب خيراتها، وإعادتها إلى الحظيرة الأميركية كما كان الحال قبل ثورة الإمام الخميني رضوان الله عليه.

وعلى الرغم من أنّ المخطّط كان كبيراً، وتمّ العمل عليه منذ فترة طويلة، وجُيّرت له إمكانيات هائلة، إلّا أنّ الاستجابة السريعة من قِبل أجهزة الدولة في إيران، وتفعيل خطط الطوارئ التي كانت موضوعة مسبقاً على الصعد والمستويات كافة، إضافة إلى الوعي الشعبي الكبير الذي وأد الفتنة، وأطفأ فتيل الحرب الأهلية، قد أدّت إلى تفريغ المؤامرة من مضمونها، وسحب كلّ فتائل الانفجار التي كانت تهدّد بسقوط النظام، وتفكيك الدولة، والذهاب نحو المجهول، بكلّ ما قد يحمله من مصائب وكوارث.

يمكن النظر إلى عملية اغتيال قائد الثورة والجمهورية السيد على الخامنئي رضوان الله عليه بأنها الحلقة الأكثر خطورة في كلّ ما جرى من عدوان، إذ إنّ المكانة التي كان يحظى بها داخل النظام الإسلامي الإيراني، إلى جانب الأدوار الحيوية والحساسة التي كان يضطلع بها، تجعل من إمكانية فقدان النظام لتوازنه في حال غيابه واردة وممكنة، خصوصاً في ظلّ الحضور الطاغي للقائد الشهيد على كلّ المستويات في إيران، وما له من تأثير معنوي هائل يكاد يضاهي أو يتفوّق على ما سواه من أدوار ومسؤوليات.

تحاول إيران من خلال التشييع غير المسبوق لقائد ثورتها الراحل إرسال عدّة رسائل في اتجاهات مختلفة، مستغلّة الدفعة الهائلة التي حصلت عليها بعد تمكّنها من إسقاط مخططات الأعداء، ونجاحها في تجاوز عنق الزجاجة الذي كاد لولا صلابة نظامها ووعي شعبها أن يُسقط مشروعاً ثورياً وأخلاقياً وإنسانياً قلّ نظيره، ودُفع من أجل استوائه على سوقه أثمان باهظة للغاية.

أولى الرسائل كما نعتقد كانت موجّهة إلى الداخل الإيراني، وإلى عموم الشعب في المدن والمحافظات كافة، والذين تعرّضوا لحملة واسعة من التضليل والفبركات، والحرب النفسية الشعواء، والتي شاركت فيها كبرى وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية، واستُخدمت فيها أحدث ما توصّلت إليه التكنولوجيا من وسائل اتصال، إلى جانب التحرّكات التي قام بها المرتبطون بالعدوان من جماعات وأفراد، والذين كان يُراد لهم تأدية دور أكبر واوسع من خلال إثارة النعرات الطائفية والعرقية، وإشعال حرب أهلية لا تُبقي ولا تذر.

من خلال التشييع المهيب لقائد الثورة ترسل إيران رسالة واضحة لا تقبل الشكّ تفيد بأنّ الأوضاع الأمنية والسياسية والاجتماعية مُسيطر عليها بشكل تامّ، وأنّ الاستقرار الداخلي لم يتأثّر بكلّ الزوبعة الأميركية والإسرائيلية التي أُثيرت حوله، بل ولم يهتزّ في أصعب فترات العدوان، وغياب القادة، واستهداف مؤسسات الدولة.

اليوم يقول النظام الإسلامي في إيران لأبناء شعبه المؤيّدين منهم والمعارضين إنّ هذه الدولة ما زالت عزيزة ومقتدرة، وإنها بمرشدها وقادتها ومراكز القرار فيها كافة قادرة على حماية البلاد والدفاع عن مصالحها، وقادرة أيضاً على الاضطلاع بكامل مسؤولياتها تجاه الشعب، وهي مستمرة في ذلك مهما كانت الصعوبات والأزمات.

رسالة ثانية يُراد إرسالها من وراء تشييع القائد الشهيد تتعلّق بتحدّي الغطرسة والإجرام الأميركي والإسرائيلي، خصوصاً في ظلّ توفّر إمكانية العودة إلى مربّع الحرب من جديد، ولا سيّما بعد التهديدات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعن رئيس وزراء العدو الإسرائيلي ووزير حربه، والتي فُهم منها تلميحاً وتصريحاً أنّ النيّة لاستئناف القتال ما زالت موجودة لدى الجانبين، خصوصاً بعد سقوط معظم أهدافهما التي رفعاها في بداية العدوان، والتي تُجمع وسائل الإعلام في كلا الدولتين على عدم تحقّق الجزء الأكبر منها.

من خلال تشييع الإمام الشهيد في هذا الوقت بالذات، ونتيجة عدم التوصّل إلى اتفاق نهائي بين إيران والولايات المتحدة، وفي ظلّ المحاولات الإسرائيلية المتكرّرة لإفشال الاتفاق المرحلي، ومنع التوصّل إلى اتفاق ينهي الحرب بالكامل، ترسل إيران رسالة تحدٍ لا تُخطئها عين، تقول من خلالها لكلّ أعدائها القريبين والبعيدين إنها أقوى مما يظنون، وإنها عصيّة على الانكسار والسقوط، وإنّ الخسائر البشرية والمادية التي مُنيت بها لا تعني على الإطلاق أنّ هناك إمكانية لإسقاط الدولة، أو تفكيك بنيتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، ولا لتغيير نظامها الإسلامي الصلب والعنيد، والذي وإن كان قد فقد عموده الفقري، وركنه الأهم بغياب المرشد رضوان الله عليه، إلا أنه تمكّن من استعادة عافيته بسرعة قياسية، قاطعاً الطريق على كلّ الأعداء لاستغلال هذه الثغرة، والنفاذ منها إلى قلب النظام لتفكيكه وإسقاطه.  

رسالة ثالثة نراها على قدر عالٍ من الأهمية وهي تتعلّق بالدور الإيراني المقبل الذي يمكن أن يتجاوز الإقليم باتجاه العالمية، وهو الأمر الذي بات مثار حديث الكثير من وسائل الإعلام الدولية، ولا سيّما بعد العديد من التقديرات الاستخبارية التي أشارت إلى إمكانية توسّع الدور الذي يمكن أن تؤدّيه إيران إلى مديات أكبر، ولا سيّما بعد استخدامها بذكاء منقطع النظير لورقة مضيق هرمز، وكذلك التلويح بورقة مضيق باب المندب، والذي يملك حلفاء إيران في اليمن سيطرة ملحوظة عليه، وهدّدوا إبّان الحرب باستخدامه كورقة ضغط لوقف الحرب على إيران.

في الدور الإيراني المُتوقّع يمكن الإشارة إلى الحليفين الروسي والصيني، واللذين تبيّن لهما بما لا يقبل الشكّ أنّ إيران يمكن الاعتماد عليها، وأنها تملك من الإمكانيات البشرية والعسكرية ما يضعها في مصاف الدول الكبرى على مستوى العالم، وأنها يمكن أن تشكّل بيضة القبّان في إطار التنافس الروسي الصيني مع الولايات المتحدة الأميركية التي تحاول الهيمنة على كلّ العالم.

في تشييع الإمام الراحل ترسل إيران بنظامها وشعبها رسالة إلى كلّ المعمورة بأنها دولة جديرة بالثقة، وأنّ قدرتها على تجاوز الأزمات، وتعويض الخسائر أيّاً كان حجمها أكبر مما كان يعتقد البعض، وهي باتت بما تملك من خبرات وإمكانيات، وبما لديها من طاقات وأدوات قادرة على تأدية دور أكبر مما كان عليه الحال خلال السنوات الماضية، وأنها تصلُح لأن تكون مركزاً مؤثّراً في مختلف المجالات سواء داخل المنطقة أو خارجها.

في تشييع القائد الشهيد، تبدو إيران متلاحمة ومتضامنة أكثر من أيّ وقت آخر، وتبدو رغم خسارتها الفادحة بغياب قائد ثورتها، كمن واجه البحر وحيداً، ووقف في وجه أمواجه العاتية والهادرة، إلا أنه تمكّن من الخروج من دون أن يمسّه القرح، أو يناله الألم، أو يسقط مغشياً عليه من التعب والوجع.

في إيران تبدو الفرصة مواتية لانطلاقة جديدة نحو رحاب أوسع، ونحو مستقبل أكثر إشراقاً وثقة، ونحو تقدّم وازدهار سينقل هذه الجمهورية العزيزة إلى مكانة مرموقة كما لم يحدث من قبل، هذه المكانة التي يحاول أعداؤها حرمانها منها بكلّ الطرق والوسائل، وعلى مدار أكثر من سبعة وأربعين عاماً، إلّا أنّ الإرادة الإيرانية تبدو أكثر رغبة وتصميماً من مؤامرات الأعداء، وهي قادرة خلال المرحلة القريبة المقبلة على تجاوز كلّ ما لحق بها من أضرار، والوصول إلى شاطئ الأمان في ظلّ قيادتها الفتيّة والمقتدرة، ودعم وإسناد شعبها المكافح والعزيز.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP