المشرق الكبير بعد الحرب: من منطقة تمزيق إلى شريك أوراسي-صيني
بعد أن استعرضنا في مقالات سابقة روح الشعوب الأساسية المكوّنة لغرب آسيا (إيران، تركيا، مصر، والكرد)، واقترحنا إطاراً لنظام إقليمي جامع بعد الحرب، نصل اليوم إلى البعد الدولي لهذا المشروع. فغرب آسيا لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، والتحوّلات الجارية تخلق فرصة تاريخية لدمج هذه المنطقة في بنية النظام العالمي الجديد، ليس كساحة صراع أو أداة بيد القوى الكبرى، بل كشريك فاعل في تشكيل هذا النظام.
السؤال المركزي: كيف يمكن لـ"المشرق الكبير" (غرب آسيا الممتدّ من مصر إلى إيران) أن يجد مكانه في نظام عالمي متعدّد الأقطاب، يتجه نحو مزيد من التعدّدية الثقافية والاقتصادية، بعيداً عن الهيمنة الغربية الأحادية؟
أوّلاً: المشرق الكبير... كيان طبيعي كان ولا يزال
قبل أن نناقش علاقة المشرق الكبير بالعالم الأوراسي والصين، لا بدّ من تعريف هذا الكيان الذي نقصده. "المشرق الكبير" ليس اختراعاً سياسياً جديداً، بل هو عودة إلى فطرة الجغرافيا والتاريخ:
· جغرافياً: يمتدّ من وادي النيل غرباً إلى الهضبة الإيرانية شرقاً، ومن الخليج جنوباً إلى هضبة الأناضول شمالاً. هذه المنطقة هي قلب العالم القديم، ملتقى القارات الثلاث: آسيا، أوروبا، وأفريقيا.
· تاريخياً: كان هذا الفضاء وحدة سياسية واقتصادية وثقافية لآلاف السنين: من الإمبراطوريات الفارسية واليونانية والرومانية، إلى الخلافة الإسلامية، ثمّ الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية. الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار بعد الحرب العالمية الأولى هي التي مزّقت هذه الوحدة.
· بشرياً: شعوب المنطقة (عرب، فرس، أتراك، كرد) تعيش في نسيج متداخل، وتربطهم قواسم مشتركة: الدين (الإسلام بأغلبية ساحقة)، التاريخ، الجغرافيا، والتحدّيات المشتركة.
ما نقترحه ليس "دولة واحدة"، بل منطقة تكامل إقليمي (على غرار الاتحاد الأوروبي)، تحافظ فيها الدول على سيادتها لكن تتعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والثقافة. وهذا التكامل هو وحده القادر على تحويل المنطقة من "ساحة صراع" إلى "كتلة مستقرة نامية".
ثانياً: العالم بعد الحرب... انتهاء الأحادية القطبية
الحرب الأخيرة في غرب آسيا، رغم أنها لم تدم طويلاً، لكنها كانت كافية لكشف حدود القوة الأميركية والغربية. لقد أثبتت الأحداث أنّ:
· الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها عسكرياً، حتى عندما تتآزر مع أقوى جيش في المنطقة (إسرائيل).
· الحلفاء الأوروبيون رفضوا الانخراط في الحرب، وتركوا واشنطن و"تل أبيب" تخوضانها وحدهما.
· الصين وروسيا نجحتا في استنزاف أميركا من دون إطلاق رصاصة واحدة، عبر الدعم السياسي والدبلوماسي لإيران.
هذه المعطيات تؤكّد أنّ النظام العالمي أحادي القطب (الذي قادته الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي) قد انتهى فعلياً، وأنّ العالم يتجه نحو نظام متعدّد الأقطاب، حيث تؤدّي الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى أدواراً مركزية.
في هذا النظام الجديد، المنطقة التي تمتلك مقوّمات القوة (جغرافيا، سكاناً، موارد، موقعاً استراتيجياً) يمكنها أن تكون لاعباً لا أداة. والمشرق الكبير، بموقعه الجغرافي الفريد، وثرواته النفطية والغازية، وسكانه الشباب، هو مؤهّل لأن يكون أحد أقطاب هذا العالم الجديد، ليس كقوة عظمى منفردة، بل ككتلة إقليمية متكاملة.
ثالثاً: المشرق الكبير والعالم الأوراسي... شراكة طبيعية
مفهوم "أوراسيا" ليس جديداً، لكنه عاد بقوة في الخطاب الجيوسياسي المعاصر، خاصة مع صعود روسيا والصين ومشاريعهما المشتركة (منظمة شنغهاي للتعاون، البريكس، مبادرة الحزام والطريق).
العالم الأوراسي (من لشبونة إلى فلاديفوستوك، ومن مورمانسك إلى كوالالمبور) هو قلب العالم من حيث السكان والموارد والناتج الاقتصادي. والمشرق الكبير (غرب آسيا) هو بمثابة الجسر بين أوروبا وآسيا، وبين البحر المتوسط والمحيط الهندي.
الشراكة بين المشرق الكبير والعالم الأوراسي تقوم على أسس موضوعية:
المجال- المشرق الكبير العالم الأوراسي
الطاقة- أكبر مصدّر للنفط والغاز في العالم أكبر مستهلك للطاقة (الصين، الهند، أوروبا)
الممرات- يسيطر على أهمّ الممرات المائية (هرمز، السويس، باب المندب، الدردنيل) يحتاج إلى هذه الممرات لربط آسيا بأوروبا
السكان- سكان شباب (أكثر من 400 مليون) سكان متقدّمون في السن (أوروبا، روسيا، الصين)
الموقع- ملتقى ثلاث قارات يمتدّ على قارتين
المبدأ الأساسي: المشرق الكبير ليس تابعاً لأوراسيا، ولا هو منافس لها، بل شريك متكافئ. كما أنّ أوروبا شريك للصين في مبادرة الحزام والطريق، يمكن للمشرق الكبير أن يكون شريكاً استراتيجياً للعالم الأوراسي، يتبادل معه المصالح من دون أن يتنازل عن هويته أو سيادته.
رابعاً: الانسجام مع مبادرة الحزام والطريق الصينية
"مبادرة الحزام والطريق" هي أكبر مشروع للبنية التحتية في تاريخ البشرية. تمّ إطلاقها رسمياً عام 2013، وتهدف إلى ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر شبكة من الطرق البرية والبحرية.
المشرق الكبير هو قلب هذه المبادرة للأسباب الآتية:
1. الموقع الجغرافي: المشرق الكبير يقع على مفترق طرق المبادرة. "الحزام" (الطريق البري) يمرّ عبر آسيا الوسطى وإيران وتركيا إلى أوروبا. "الطريق" (البحري) يمرّ عبر المحيط الهندي والخليج والبحر الأحمر وقناة السويس إلى البحر المتوسط. من دون استقرار المشرق الكبير، لا يمكن للمبادرة أن تحقّق أهدافها.
2. الموارد المالية: دول المشرق الكبير (خاصة الخليجية في حال حسمت أمرها بعيداََ عن الولايات المتحدة) تمتلك صناديق سيادة ضخمة يمكن أن تستثمر في مشاريع المبادرة، ليس فقط كمتلقّية للاستثمارات، بل كشريك مموّل.
3. الأسواق: المشرق الكبير يضمّ أكثر من 400 مليون مستهلك، وهو سوق نامٍ واعد للسلع والخدمات الصينية والأوراسية.
4. الأمن: المبادرة تحتاج إلى ممرات آمنة. المشرق الكبير المستقر (بعد الحرب) يمكن أن يضمن أمن هذه الممرات، بدلاً من أن تكون ساحة لتهديدها.
لكن... المشرق الكبير يجب ألّا يقبل المبادرة كـ"منحة" صينية، بل كشراكة متكافئة. الصين تحتاج إلى نفط وغاز المشرق الكبير كما يحتاج المشرق الكبير إلى استثمارات الصين. الصين تحتاج إلى ممرات آمنة كما يحتاج المشرق الكبير إلى ربط أسواقه بآسيا وأوروبا.
خامساً: العودة إلى تعدّدية الثقافات... بديل عن الأورومركزية
أحد الإنجازات الكبرى للحرب الأخيرة (غير المباشرة) هو أنها أظهرت فشل النموذج الثقافي الغربي كوصفة وحيدة للبشرية. فكرة أنّ "العولمة" تعني "أمركة" العالم، وأنّ "التحديث" يعني "تبنّي القيم الغربية الليبرالية"، هذه الفكرة لم تصمد أمام اختبار الحرب.
شعوب غرب آسيا (وغيرها من شعوب العالم) أثبتت أنها تريد:
· التكنولوجيا والطب والهندسة من الغرب، لكنها لا تريد تبنّي قيمه الثقافية بالكامل.
· التجارة والاستثمار مع الغرب، لكنها تريد الحفاظ على هويتها الخاصة.
النظام العالمي الجديد ينبغي أن يقوم على تعدّدية الثقافات، حيث لكلّ حضارة مسارها الخاصّ في التحديث، من دون إكراه تبنّي نموذج واحد.
المشرق الكبير يمتلك مقوّمات هذا النموذج الثقافي البديل:
· الإسلام كقيمة جامعة (ليس كأيديولوجيا حصرية)، يقدّم مفاهيم عن العدالة والمساواة والأخوة تختلف عن النموذج الليبرالي الفردي.
· نظام الأسرة كمركز للحياة الاجتماعية، بدلاً من الفردانية المتطرّفة والفوضى الأسرية التي شهدها الغرب.
· القيم الجماعية (العائلة، المجتمع) بدلاً من النزعة الفردية المفرطة.
هذه القيم ليست "رجعية"، بل هي بديل حضاري في السياق الطبيعي لتكون الجماعات الإنسانية، وقابل للاستمرار بالحياة في القرن الحادي والعشرين، شريطة أن تتسع للحداثة والتكنولوجيا والعلم.
سادساً: نظام الأسرة... اللبنة الأساسية في مواجهة الانحراف الغربي
أحد أعمق الاختلافات بين النموذج الثقافي الغربي والنموذج التقليدي في المشرق الكبير هو مفهوم الأسرة.
في الغرب (خاصة منذ الستينيات)، تمّ تفكيك نظام الأسرة التقليدي تدريجياً: ارتفاع نسبة الطلاق، انخفاض الإنجاب، إضفاء الشرعية على أشكال جديدة من العلاقات، إضعاف دور الوالدين في التربية. هذه التغيّرات أدّت إلى أزمات اجتماعية عميقة: الوحدة، الاكتئاب، الإدمان، العنف، وفقدان المعنى.
في المشرق الكبير، لا يزال نظام الأسرة صامداً إلى حدّ كبير:
· الأسرة الموسّعة هي الوحدة الأساسية للتماسك الاجتماعي، والروابط العائلية توفّر شبكة أمان اقتصادي واجتماعي. بالارتكاز إلى القيم الدينية والتقليدية بما يعزّز استقرار الأسرة.
هذا النظام الأسري ليس مثالياً (فهو يعاني من مشكلاته الخاصة: القمع أحياناً، التسلّط أحياناً أخرى)، لكنه بالتأكيد أفضل من التفكّك الأسري الكامل.
النقطة المشتركة: في مواجهة القيم الثقافية الغربية التي أدّت إلى انحرافات اجتماعية عميقة (الإباحية، إضفاء الشرعية على المخدّرات، تدمير الفطرة، فقدان القداسة للحياة الأسرية)، يمكن لدول المشرق الكبير أن تتفق على حماية نظام الأسرة كخط أحمر. هذه ليست قضية دينية فقط، بل قضية بقاء اجتماعي.
وبما أنّ الصين (والتيارات المحافظة في روسيا) تتبنّى أيضاً قيماً أسرية تقليدية (على خلاف النموذج الليبرالي الغربي)، فإنّ هذا الملف يشكّل أرضية مشتركة للتعاون الثقافي والسياسي بين المشرق الكبير والعالم الأوراسي.
سابعاً: شروط دور المشرق الكبير في النظام العالمي الجديد
لكي يكون للمشرق الكبير دور معتبر في النظام العالمي الجديد، لا بدّ من توفّر شروط ثلاثة:
الشرط الأول: الاستقرار الداخلي والإقليمي
لا يمكن لمنطقة تعاني من حروب أهلية وتدخّلات خارجية وتنظيمات إرهابية أن تؤدّي دوراً دولياً. الحرب الأخيرة خلقت فرصة لإعادة ترتيب الأوضاع، لكن الاستقرار يحتاج إلى:
.إنهاء الكيان الصهيوني مهما تطلّب ذلك من زمن قد يمتدّ طويلاً، وقدرات.
· تسوية الصراعات الداخلية ( اليمن، سوريا، العراق،،،،).
· بناء مؤسسات دولية قادرة على إدارة المنطقة (نظام إقليمي جامع).
· مكافحة الفساد وبناء اقتصادات منتجة.
الشرط الثاني: التكامل الإقليمي
الدول المنفردة (حتى الكبيرة منها مثل مصر، تركيا، إيران) لا تستطيع وحدها أن تكون لاعباً دولياً مستقلاً في عالم متعدّد الأقطاب. التكامل الإقليمي (اقتصادي، أمني، سياسي) هو السبيل الوحيد لتحويل المنطقة إلى "كتلة" قادرة على التفاوض مع الصين وروسيا وأوروبا من موقع قوة، لا من موقع ضعف.
الشرط الثالث: الرؤية والأداة
الرؤية التي نقدّمها (المشرق الكبير كشريك للعالم الأوراسي والصيني) تحتاج إلى أداة لتنفيذها. هذه الأداة يمكن أن تكون:
· منظمة إقليمية جديدة (على غرار الاتحاد الأوروبي أو الآسيان).
· شراكات ثنائية ومتعدّدة الأطراف مع كتل عالمية (البريكس، منظمة شنغهاي للتعاون، الاتحاد الأوراسي).
لكنّ الأهمّ من الأداة هو الإرادة السياسية. هل القيادات في المنطقة مستعدّة لتجاوز خلافاتها التاريخية والانشغال بالبناء المشترك؟ هذا هو السؤال الأصعب.
النتيجة: المشرق الكبير... شريك لا أداة
النظام العالمي الجديد الذي يتشكّل بعد الحرب هو نظام متعدّد الأقطاب، يقوم على تعدّدية الثقافات حتى داخل كلّ دولة ومجتمع، ويحتاج إلى أطراف فاعلة متعدّدة. المشرق الكبير، بموقعه الجغرافي وثرواته السكانية والطاقية وإرثه الحضاري، هو مرشّح طبيعي ليكون أحد هذه الأطراف.
ولكنّ المشرق الكبير لن يصل إلى هذا الموقع إلا إذا:
· تجاوز صراعاته الداخلية وبنى نظامه الإقليمي الجامع.
· أقام شراكات متكافئة مع العالم الأوراسي والصين، لا علاقات تبعيّة.
· تمسّك بقيمه الثقافية وتطويرها (الأسرة، الدين، الجماعة) كبديل للنموذج الليبرالي الغربي المتآكل.
· أدّى دوراً نشطاً في تشكيل النظام العالمي الجديد، لا مجرّد التكيّف مع ما يفرض عليه.
السؤال المتبقّي: هل القيادات والشعوب في غرب آسيا مستعدّة لدفع ثمن هذا المشروع الطموح، أم ستظلّ أسيرة حدود سايكس-بيكو ومشاريع التمزيق "الإسرائيلية" التي حالت دون نهضتها لقرن كامل؟
الأشهر والسنوات المقبلة ستكون حاسمة. الحرب الأخيرة خلقت فرصة نادرة. إما أن نغتنمها لبناء نظام إقليمي جامع يليق بتاريخنا وجغرافيتنا، أو ننتظر حتى يعيد الغرب ترتيب أوراقه، وتضيع الفرصة، ونظلّ كما كنّا: منطقة تمزّق وصراع، لا شريكاً في صنع التاريخ.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً