التاريخ والمستقبل.. 5 رسائل كبرى يقولها التشييع المهيب
لتشييع الشهيد السيد خامنئي عناوين كثيرة تتزاحم. ربما تكون الأوضاع التي تمر بها المنطقة هي العنوان الأبرز؛ نظراً لما قالته الحرب من نتائج، والصمود الإيراني الذي أثبت واقعيته ضمن خطة معدّة مسبقاً، تضمنّت توجيهات الشهيد نفسه. ولكن، ثمة عناوين أخرى يدفع بها مشهد التشييع المهيب إلى الواجهة أيضاً. ببساطة، نحن أمام مشهد لا تفتكّ فيه العناوين التاريخية عن العناوين السياسية الراهنة، التي أنتجتها الحرب.
رسالة أولى: الوداع الأخير في مناخ الحرب
حدث أن رحلت قيادات وهي تتقدّم صفوف المواجهة ضد الولايات المتحدة ووكلائها. السلفادور الليندي في تشيلي استمرّ في الدفاع عن الديمقراطية ضد الانقلاب العسكري المدعوم أميركياً عام 1973، وحتى اللحظة الأخيرة، مات وهو يحمل بندقية أهداه إياها، القائد الكوبي الراحل، فيديل كاسترو.
خورخي غايتان في كولومبيا، اغتيل لقطع الطريق على وصول اليسار في كولومبيا إلى السلطة. كان يقول "إن تقدمت فاتبعوني، وإن توقفت فادفعوني، وإن خنت فاقتلوني، وإن قُتلت فانتقموا لي". لم يأتِ الانتقام الكولومبي إلا في فترة محددة ومختصرة بعد أكثر من 70 عاماً، بانتخاب أول حكومة يسارية في تاريخ كولومبيا الحديث عام 2022.
آرنستو جيفارا، استشهد في ميدان المواجهة، وهو يحمل بندقيته، وتحوّل بعدها إلى رمز للأممية والحرية وتحدي الإمبريالية الأميركية، ولكن مشروعه الذي بدأ من حروب الغوار في الجبال، لم يتحوّل إلى واقع إلا بانتصار الثورة الكوبية قبل التوجه إلى بوليفيا، وإلا بعد عقود عند وصول حزب الحركة نحو الاشتراكية إلى السلطة في بوليفيا، التي استشهد فيها، عام 2005.
في إيران، نحن أمام مشهد له خصوصية كبيرة. في الدفعة الأولى من الشهداء جرّاء العدوان الأميركي- الإسرائيلي، يُستشهد قائد الثورة، في مشهدية لن تتبخر أبداً من الذاكرة الجمعية للمجتمع الإيراني. تستمر الحرب وتصمد إيران وتنتصر، ضمن خطة أسهم هو شخصياً فيها. مشهدية تتحول فوراً إلى وقود للصمود، والنتائج ليست مؤجلة، وإنما فورية، تمثلّت بصمود الشعب الإيراني، وقواته المسلّحة.
لم تكن الشهادة حدثاً مفاجئاً، وجاءت بعد أسابيع من التحشيد العسكري الأميركي في البحار، في دلالة واضحة على اقتراب بدء العدوان. لم يغير الشهيد مكان إقامته، في دلالة استثنائية على روحية الفداء من جهة، وعلى الثقة العالية بالدولة والمجتمع من جهة أخرى.
يقول أبو حيان التوحيدي "نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب، وقلوب الفرس، وأيدي الصينيين". صحيح أن الوجدان العاطفي الجماعي في المجتمع الإيراني عميق، ويمكنك تلمّس ذلك بوضوح في فعل البكاء، ولكنه البكاء الذي لا يتناقض مع الصلابة والقوة؛ من بكاء المسؤولين الكبار في لحظة وداع قائدهم، إلى بكاء مشجعين في مدرجات لعبة رياضية ككرة القدم، جميعها تدلل على هذا الوجدان العاطفي.
مرّ أكثر من 1000 عام على عبارة التوحيدي الشهيرة. وأصبحت إيران الحديثة أكثر من قلب ينبض عاطفة، وإنما يد ثقيلة في الرد، ورأس مفكّر في ميدان الحرب والتفاوض، ولسان واضح ولاذع في التصريح والتوصيف.
يودّع الإيرانيون قائدهم برباعية "القلب، واللسان واليد والرأس"، في مشهدية استثنائية تتطلب دراسة معمّقة لطبيعة النظام السياسي، وتماسك المؤسسات، والصمود المجتمعي، والهوية الجامعة، وتعاظم القدرات العسكرية.
125 يوماً من العدوان حتى يوم التشييع، سنوات من الحصار، التعرض لأطول نظام عقوبات أحادي الجانب، برصيد قرارات تنفيذية وصلت إلى أكثر من 5500 عقوبة، وتكون النتيجة النهائية لكل ذلك دولة تصمد في وجه العدوان، وتقيم مراسم التشييع ببروتوكولاتها الخاصة، المزدحمة بمشاهد القدرة والإمكانات، وهذه المراسم، كباقي قطاعات الدولة، إنتاج محلي خاص، خال من الاستيراد الأعمى الذي فرضته منظومة العولمة.
بين الشهادة والتشييع تتورط حكومات أخرى في العالم محرَجة مرتين، في المرة الأولى يستشهد قائد الثورة قبل الناس، ولا يختبئ خلفهم كما تفعل القيادات الأخرى في العالم، ويستشهد في حرب مفروضة يحقّ له فيها أصلاً أن يحظى بالتدابير الأمنية الخاصة لحمايته، ولكنه تجاهلها، وفي الوقت نفسه، تتخذ قيادات أخرى في العالم كل وسائل الحماية بسبب حرب حرّكتها هي، وأشعلتها بنفسها من دون مبرر محقّ.
رسالة ثانية: التجربة المعمّمة
لإيران الحديثة تجربتها الخاصة، وللشهيد تجربته الخاصة أيضاً. التجربتان تتقاطعان وتتداخلان بمنطق استثنائي. ليس صحيحاً أن المجتمعات لا تتأثر بالفرد، ويمكن القول إن العقل الغربي البارد حاول تعميم هذه الفكرة على المجتمعات التي لا تقبلها. إن صورة البطل المخلّص هي جزء من موروث مجتمعات الشرق، ليس في غرب آسيا فقط، وإنما أيضاً في شرقها وفي روسيا أيضاً.
مثّل الشهيد تجربة زخمة في مواجهة أعتى الأنظمة المدعومة من الولايات المتحدة و"إسرائيل"، فنظام الشاه الذي تعاون مع الموساد في تأسيس السافاك والذي بنى ترسانته العسكرية الضخمة من الأسلحة الأميركية، صمّم نموذجاً دموياً في الاعتقال والتعذيب.
كانت أفكار التغيير الاجتماعي تموج في رأسه عندما انقلبت الولايات المتحدة على الديمقراطية في إيران، وأقصت حكومة محمد مصدق لصالح الشاه عام 1953. في تلك الأثناء كان الشهيد، ابن ال 14 ربيعاً، مولعاً بمطالعة القصة والرواية، من الأدب الإيراني إلى الأدب الروسي والفرنسي، وكان منكبّاً على دراسة اللغة العربية التي يعشقها.
وعندما اعتقل في سجون الشاه، كان يرفع صوته في المعتقلات عن قصد، لإسماع باقي المعتقلين صوت الاحتجاج، وبالتالي الرفع من عزيمتهم. إنها النسخة الشخصية لإيران بعد انتصار الثورة، التي رفعت الصوت ضد العقوبات والحصار والحرب، وتحدّتها، وكانت بذلك الصوت تريد للجوار أن يسمع وينهض، وكانت تحرّضه على تمرد شامل على قواعد اللعبة المهيمنة التي فرضتها واشنطن. هذا ما نعنيه بالضبط بالتجربة المعمّمة من الفرد إلى الدولة وبعدها إلى الإقليم. ليس غريباً أن يصدر عدد من المقالات، بما فيها الغربية، التي تتحدث عن النموذج الإيراني القابل للاستفادة لدى الآخرين. النموذج الذي قال إن تحدي واشنطن ليس عبثاً ولا مغامرة غير محسوبة.
"استخدم الشهيد أسلوباً خاصاً في رفع معنويات السجناء، إذ كان يتعمّد رفع صوته أثناء إدخاله إلى الزنازين، يطلب الوضوء، ويسأل عن القبلة بصوت مرتفع، ويرفض خلع عمامته. ومن خلال ذلك يسمع السجناء الصوت من زنازينهم فترتفع معنوياتهم".
رسالة ثالثة: الجار العربي
صحيح أن إحدى نتائج الحرب كانت إثارة الحوار بجدّية أكبر بشأن نظام إقليمي خاص، بعيداً من التدخل الأميركي، لكن مبادرات طهران ودعوتها إلى ذلك لم تتوقف، حتى قبل الحرب.
تروّج الميديا الغربية عن هذه المبادرات أنها تكتيك إيراني ناعم لتوسيع النفوذ، وكانت هذه الدعاية مصممة عن قصد لقطع الطريق على التفاهم العربي- الإيراني، الذي تجمعه جذور حضارية مشتركة.
الشخصية السياسية لإيران في موقفها من التفاهم مع الدول العربية، تشبه شخصية الشهيد خامنئي نفسه. فقد كان نظام الشاه قد نفى الشهيد إلى إحدى المناطق الإيرانية ذات الأغلبية السنيّة، ظنّاً أن ذلك سوف يتسبب له بإشكاليات كبرى، فكانت النتيجة أن لعب الشهيد دوراً مهماً في الوحدة بين السنة والشيعة، ومن ذلك التنظيم كان الموحّد للفعاليات الدينية، بما في ذلك ذكرى المولد النبوي.
عربياً، يقول الشهيد خامنئي في مذكراته "إن مع الصبر نصراً":
"يعتريني شعور خاص حين استمع إلى اللغة العربية، وأهتز من الأعماق لسماع هذه اللغة. كنت دائماً أتمنى لو عشت شطراً من أيام طفولتي في منطقة عربية، والواقع أن الإيرانيين عامة، والمتدينين منهم خاصة، يحبون اللغة العربية، بدرجة أو بأخرى. والعلاقات الأخوية القائمة على مر التاريخ الإسلامي، بين الإيرانيين وجيرانهم العرب ليس لها نظير بين أي شعبين من شعوب العالم في سعتها وعمقها وشمولها.
رسالة رابعة: فلسطين
كانت القضية الفلسطينية واحدة من الشعارات الأساسية للثورة، في اعتبار نظام الشاه حكماً منحازاً ومتعاوناً مع "إسرائيل". لقد كان الموقف الإيراني متضامناً مع القضية الفلسطينية مبكراً، ففي عام 1938م، وإبان الثورة الفلسطينية الأولى، أعلن المرجع الديني محمد حسين كاشف، أن الجهاد في فلسطين واجب على العرب والمسلمين، وأن من يقوم ببيع الأراضي لليهود خارج عن الإسلام". ودعم العلماء ثورة القسام ورفضوا قرار التقسيم. وقد اعتقل نظام الشاه عدداً كبيراً من المناضلين بسبب مواقفهم من القضية الفلسطينية.
سار موقف الشهيد من القضية الفلسطينية على هذه السكّة، وسبق له أن قال "نحن نفكر في تحرير القدس الشريف وكل الأرض الفلسطينية، وطريق التحرير واضحة بالنسبة إلى إيران".
عصر اليوم الأول لانتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 من القرن الماضي، سفارة "إسرائيل" تغدو سفارة لفلسطين. وبعد عشرة أيام، زار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات طهران لتسلم السفارة. يكتب الشهيد السيد خامنئي في مذكراته "إن مع الصبر نصراً" ، البرقيات التي كان يكتبها، وهو في سجنه، إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وقد قرأها له عند زيارته طهران بعد انتصار الثورة".
وقال حينها أبو عمّار فور وصوله إلى طهران "هل من أحد يصدق ما يحصل؟ أن الثورة الفلسطينية موجودة في إيران؟".
وعندما قامت "إسرائيل" بإبعاد قياديين من حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى مرج الزهور، قامت إيران بالتنسيق مع حزب الله في رعاية شؤون المبعدين، وتدريب عدد من كوادر الحركتين، وتسهيل تنقلات البعض منهم خارج الساحة اللبنانية.
اهتمّت إيران بتطوير علاقاتها مع فصائل المقاومة الفلسطينية، على اختلاف توجهاتها الأيديولوجية. وفي بداية التسعينيات، تم تعيين ممثل دائم لحركة حماس في إيران.
ذاكرة الفلسطينيين مزدحمة بمحطات الدعم التي قادها الشهيد السيد خامنئي، ومنها موجات الوعد الصادق التي أحرقت منشآت الاحتلال. فعندما صمت المجتمع الدولي وشُلت يده عن لجم الإبادة الجماعية في قطاع غزة، عبّرت إيران عن احتجاجها ومواجهتها بلغة الصواريخ والقدرات العسكرية.
تصفيق الفلسطينيين وصفيرهم فرحاً على أسطح المنازل فرحاً بالصواريخ الإيرانية يرتدّ صداه في لحظة التشييع المهيب، ولسان حاله يقول "شكراً لك، من رسائلك في سجنك، إلى سلاح ثورتك ،لم ينقص عقد وفائك لنا حلقة واحدة".
لذلك، فإن العنوان الفلسطيني حاضر بوضوح في مشهدية التشييع. فالاستشهاد في ذاته مرتبط بشكل وثيق مع فلسطين، وإن كان هناك بنود تحرّك العداء الأميركي- الإسرائيلي لإيران ( التنمية المستقلة، القدرات العسكرية، إلخ...)، فإن البند الأثقل في تحريك العداء ضد إيران، أميركياً وإسرائيلياً، هو الدعم الإيراني لفلسطين.
قاد الشهيد خامنئي العلاقة مع فلسطين في محطات شائكة:
عقد الثمانينيات من القرن الماضي كانت إيران تواجه حرباً مفروضة، ومع ذلك استمرّت في دعمها للثورة الفلسطينية.
عقد التسعينيات كانت التحولات الكبرى في النظام الدولي، وكانت واشنطن تحرّك الاتفاقيات العربية عنوة مع "إسرائيل".
إيران برفضها كل ذلك المسار حمت القضية الفلسطينية من الذوبان في فخ "التسويات".
حملت بداية الألفية المزيد من الدعم المباشر بالمال والسلاح لفصائل المقاومة الفلسطينية.
رسالة خامسة: التهديد والفرصة
عنوان تحويل "التهديد إلى فرصة" متناسخ بين ميدان الاقتصاد وميدان السياسة. ومع أن الأدبيات الغربية حاولت احتكاره، إلا أن إيران مثلت النموذج التطبيقي الأكثر وضوحاً فيه، سواء في ميدان الاقتصاد، بتحويل ضغط العقوبات إلى إمكانات إنتاج داخلية، أو في الميدان العسكري، بتحويل التهديد المستمر إلى فرصة بناء القدرات الذاتية.
كان الشهيد خامنئي ركناً أساسياً في تكيّف الثورة في بداياتها مع الضغوط السريعة عليها في سبيل إضعافها، وكان جزءاً من خزّان إنتاج الأفكار في مواجهة الحرب المفروضة على إيران بداية الثمانينيات. ففي الوقت الذي كانت فيه سياسات أبي الحسن بني صدر مترددة في آليات الدفاع عن إيران، كانت أفكار الشهيد خامنئي تنطلق من مبدأ المقاومة الشعبية، وحشد الإرادات، تلك كانت إحدى نقاط الانطلاق لما وصلت إليه قوات الباسيج، ومليونيات التطوع للدفاع عن إيران في هذه الحرب.
كان احتلال العراق وأفغانستان محطات أخرى من التهديد، ولا سيّما أن هاتين الدولتين على الحدود المباشرة مع إيران ( 1500 كم، 900 كم بالترتيب). قال الشهيد خامنئي حينذاك بشأن احتلال العراق، وموجهاً حديثه إلى القوات الأميركية " لقد كنتم بعيدين عنّا والآن أصبحتم تحت أيدينا"، وما مشهد الرد على القواعد العسكرية الأميركية في هذه الحرب إلا ترجمة واقعية لهذا التصريح.
وضع الشهيد الخطوط الحمراء عبر خطابه في أهالي أصفهان في ال 15 من تشرين الأول عام 2001م "إننا نشجب الإرهاب بكل أشكاله، ونعارض الحملة الأميركية على أفغانستان، ونرفض الدخول في أي تحالف تقوده الولايات المتحدة" . وبعد أكثر من عقد من تلك اللحظة، حوّلت إيران تهديد التنظيمات التكفيرية في المنطقة إلى فرصة لتكاتف القوى، بما فيها الجيوش، لصد الموجة التكفيرية الأعلى في تاريخ المنطقة الحديث.
ربما يجد عدد من الدول في المنطقة أن مغادرة القواعد العسكرية الأميركية قد تكون تهديداً، ولكنه في الواقع فرصة كبرى، للخروج من صيغة "الأمن المستورد" وهي رسالة أخرى تقولها مراسم التشييع.
إن الآراء والتوصيفات المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً