قبل 8 ساعە
وليد القططي
14 قراءة

ما الشيء الذي لا يفهمه ترامب وإدارته في إيران؟

ذكر الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون في كتابه "الأورجانون الجديد" عام 1620م أربعة أوهام للعقل، أهمها أوهام الكهف، وفكرتها أنَّ الإنسان، فرداً وجماعةً، يرى الأشياء من المنظور الخاص، والواقع الذاتي، والخلفية الثقافية، وكأنه محبوس داخل كهف مُغلق، فيرى النور المنعكس على جدرانه بطريقة مشوّهة.

منها: توهّم أشياء غير موجودة، وتجاهل أشياء موجودة، وهذا ما حدث للرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته في فهمهم وتعاملهم مع ملف إيران، فهم محبوسون داخل الكهف الخاص بهم، المليئة جدرانه بانعكاسات النور المشوّهة، كما يرونها داخل كهف أيديولوجيا (المسيحية الصهيونية)، ومصلحة الاستعمار الأميركي، وغطرسة القوة الاستكبارية، الكهف الذي قادهم إلى مأزق قصور الفهم وخطأ التعامل مع إيران.

قصور الفهم وخطأ التعامل الأميركي مع إيران تُرجم عملياً من خلال اعتقاد ترامب وإدارته أنَّ الضغط على إيران بالحرب والعقوبات والحصار وغيرها سيؤدي إلى تحقيق الأهداف الصهيوأميركية، إمّا بتفكيك الدولة الإيرانية أو إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، وإمّا بإجبار إيران على الاستسلام للإرادة الأميركية أو بانتزاع صفقة مُربحة للمصالح الأميركية. ولكن، جاءت رياح النتائج مُعاكسةً لاتجاه سفن ترامب وإدارته؛ فالدولة لم تتفكك، بل زادت تماسكاً واستقراراً، والنظام لم يسقط، بل تعمّق شرعيةً وشعبيةً، والشعب لم يستسلم، بل ثبت صموداً ومقاومةً، والقيادة لم ترضخ، بل قويت تصلباً وعنفواناً. وهذا يدل على تجذر أوهام الكهف لدى ترامب وإدارته، وعلى وجود شيء ما لا يفهمه ترامب وإدارته في إيران.

الشيء الذي لا يفهمه ترامب وإدارته في إيران هو إرادة الحياة الحرة العزيزة، التي سكنت روح الشعب الإيراني وكل شعوب الأمة والعالم، الإرادة التي تأبى الخضوع للاستكبار العالمي بزعامة الشيطان الأكبر الأميركي والإسرائيلي، الإرادة التي تمتلك روحاً مُحبةً لصعود جبال العزة والكرامة، ومُبغضةً لهبوط حفر الذلة والمهانة، وهي الإرادة التي تُجسّد الكرامة الوطنية للشعب الإيراني، وكل شعب حر، بما تملك من: فطرة وطنية سليمة، وجذور قومية عريقة، وانتماء لأمة إسلامية عظيمة، ورصيد ثورة شعبية أصيلة، ونواة مشروع نهضة حضارية، ومنظومة قيمية أخلاقية، الإرادة التي تتجلّى وقت الأزمات وذروة التحديات، فلا تخضع لحسابات الربح والخسارة، ومعايير النفع والضرر، وسياسة العصا والجزرة، ومواقف الموالاة والمعارضة للنظام. لذلك تنتصر فيها إرادة الحياة الحرة العزيزة، وهو الشيء الذي لا يفهمه ترامب وإدارته من داخل كهفهم ومنطق استكبارهم.

الشيء الذي لا يفهمه ترامب وإدارته في إيران هو فلسفة الثورة الإسلامية، الأساس الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فلسفة الثورة المستدامة المنطلقة من غار حراء وملحمة كربلاء، ومدرسة الثورة المقتبسة شعلتها من دار الأرقم بمكة المكرمة والمدرسة الفيضية بمدينة قم، فلسفة قوية بشرعيتها الدينية المستمدة من ولاية الفقيه وحاكمية الإسلام، وبشرعيتها الشعبية المستمدة من إرادة الجماهير وسلطة الأمة، فلسفة تقدم الإسلام بنموذجه الثوري المقاوم، ونسخته الوسطية المستقلة، وبنهجه التنويري المجدد، وبرسالته الإنسانية الحضارية. وهي الفلسفة التي أعادت التموضع الحضاري لإيران خارج بيت الطاعة الأميركي، وحظيرة الاستعمار الغربي، ونادي التطبيع الإسرائيلي، وجوقة المجتمعات الاستهلاكية، وطوابير المنتظرين على رصيف التاريخ. وإيران، بشعبها وقيادتها، تُدرك أنَّ أي تنازل مستحيل عن فلسفة الثورة الإسلامية يعني تنازلاً عن إيران الثورة والجمهورية والدولة والحضارة، وهو الشيء الذي لا يفهمه ترامب وإدارته من داخل كهفهم ومنطق استكبارهم.

الشيء الذي لا يفهمه ترامب وإدارته في إيران هو إرث الشهادة الحُسينية، الشهادة التي تكمن في باطنها الحياة الخالدة للشهيد، والحياة الحقيقية للأمة، إرث الشهادة الذي يدفع الشعب الإيراني وشعوب الأمة الإسلامية إلى رفض الخضوع للظلم والاستسلام للباطل، ويضمن عدم الانكسار أمام غطرسة القوة وعدم الانهيار أمام علو الاستكبار، الإرث الذي يجعل الحروب لا تُحسم بالتفوق العسكري والقدرة التدميرية فقط، بل بالتفوق الروحي والقدرة على الصبر والصمود، وإبداع الشعوب في استدعاء تراثها الثوري ومخزونها المقاوم ورموزها المجددة، خاصةً إذا كان هذا التراث والمخزون والرموز بحجم ثورة الحسين وملحمة كربلاء، الثورة والملحمة التي تُحرض على مقاومة الظلم والاستكبار في كل زمان ومكان بشعار (كل أرض كربلاء.. كل يوم عاشوراء)، وتُعطي أملاً لا ينضب نبعه، وتفاؤلاً لا ينقطع مدده، بحتمية انتصار المستضعفين على المستكبرين بشعار (انتصار الدم على السيف)، وتمنح إصراراً ومثابرةً على استمرار المقاومة حتى النصر بشعار (هيهات منا الذلة)، وهو الشيء الذي لا يفهمه ترامب وإدارته من داخل كهفهم ومنطق استكبارهم.

الشيء الذي لا يفهمه ترامب وإدارته في إيران هو سياسة الصبر الاستراتيجي، التي تتبعها إيران كاستراتيجية سياسية وعسكرية في إدارة الصراع مع الاستكبار الأميركي والعلو الإسرائيلي، وجوهرها تحويل الزمن إلى أصل استراتيجي لامتصاص الضغوط والاستفزازات، لتجنب الانجرار إلى حرب شاملة قبل وقتها المحدد إيرانياً. وهي استراتيجية بديلة لخياري (الانتحار) في مواجهة شاملة مبكرة، و(الهروب) من المواجهة بشكل كلي، وهي سياسة ليست لها علاقة بحالتي (الانتظار السلبي) من دون فعل، و(العجز المرضي) عن الفعل، وتقوم على: إدارة الوقت لصناعة ظروف أفضل للمواجهة الشاملة، وإدارة الاستنزاف بالحد الأدنى من التضحيات والخسائر في جبهة إيران والمحور، وبالحد الأقصى من الكلفة والخسائر في جبهة العدو، وإدارة الانفعال بطريقة الضبط المحسوب، بعيداً عن ردود الفعل المتسرعة على الاستفزازات، وقريباً من ردود الفعل المتزنة الخادمة للأهداف، وإدارة تراكم القوة بطريقة صانع السجاد طويلة الأمد، التي تخدم الأهداف الكبرى للحرب. وهذا لا يفهمه ترامب وإدارته في إيران من داخل كهفهم ومنطق استكبارهم.

الشيء الذي لا يفهمه ترامب وإدارته في إيران هو تحالف محور المقاومة، من حيث أسسه الأخلاقية، وعلاقاته الحضارية، أو مكانة إيران داخله. فأهم أسسه: الأساس الإنساني، وهو الحاجة الإنسانية للحياة بأمان وسلام وعدالة وازدهار، في منطقة وعالم خاليين من الظلم والاستغلال والاستعمار، ومقاومين للاحتلال والاستعمار والاستكبار. والأساس الحضاري، نابع من حاجة الأمة إلى مشروع حضاري نهضوي وحدوي تكون طليعته محور المقاومة، لمواجهة المشروع الاستعماري الغربي ورأس حربته (إسرائيل). والأساس الاستراتيجي، نابع من حقيقة وحدة المعركة المصيرية للأمة ضد التحدي الغربي المعاصر، مجسداً بالمشروع الاستعماري والكيان الصهيوني، المعركة التي مركزها فلسطين كقضية أولى ومركزية للأمة ومحورها المقاوم. أما طبيعة العلاقات الحضارية داخل أطراف محور المقاومة، فهي علاقات تحالف استراتيجي تحكمها الاستقلالية في القرار حسب المصلحة الوطنية والموقف الميداني، وتكامل وحدوي في الرؤية الكلية والأهداف الكبرى للصراع، وهذا يعني وحدة المعركة وتعدد الجبهات، ومساندة بعضها بعضاً بمفهوم وحدة الساحات. أما مكانة إيران داخله، فهي عمقه الاستراتيجي، وداعمه الرئيسي، وإسناده الأساسي. وهذا الشيء لا يفهمه ترامب وإدارته من داخل كهفهم ومنطق استكبارهم.

من المهم أن نعرف النقاط والأشياء التي لا يفهمها ترامب وإدارته في إيران بسبب كهف المسيحية الصهيونية ومنطق الاستكبار الأميركي، ولكن الأكثر أهمية أن نعرف، ونفهم، ونوظف الأشياء التي تُشكّل نقاط قوة للأمة، وهي نفسها الأشياء التي لا يفهمها ترامب وإدارته من داخل كهفهم ومنطق استكبارهم، وأهمها: إرادة الحياة الحرة، وفلسفة الثورة الإسلامية، وإرث الشهادة الحسينية، وسياسة الصبر الاستراتيجي، وتحالف محور المقاومة.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP