قبل 8 ساعە
وليد القططي
14 قراءة

في يوم القدس "متسادا الكُبرى" على خط الانحدار

وقف الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن مرةً أمام آثار قلعة متسادا وقال متعهداً "متسادا لن تسقط ثانية" قاصداً "دولة إسرائيل" وهي متسادا الكُبرى، وكلمة متسادا هي تحريف عبري لجبل مسعدة المُطل على البحر الميت شرق فلسطين أُقيمت عليه قلعة رومانية استولى عليها حوالي ألف يهودي لجأوا إليها بعد فشل التمرد اليهودي على الحكم الروماني في فلسطين، فلحق بهم الجيش الروماني وحاصرهم ثم اقتحم القلعة وقتل جزء منهم وانتحر الجزء الآخر قُبيل سقوط القلعة كي لا يقعوا أسرى حسب الرواية اليهودية.

هذه القصة تحوّلت إلى اسطورة يهودية وظفتها الحركة الصهيونية للترويج "للمظلومية والبطولة" اليهودية وللدلالة على "ارتباط وأحقية" اليهود في أرض فلسطين، وفي المقابل تحوّل حدث سقوط القلعة إلى هاجس مُرعب يُعزز القلق الوجودي لمستوطني متسادا الكُبرى "إسرائيل"، وتكرار التعهد الصهيوني أمريكياً وإسرائيلياً بأنَّ "متسادا لن تسقط ثانية" يؤكد هذا القلق الوجودي والخوف على المصير، ويُشير إلى الإدراك الصهيوني الداخلي بأنَّ متسادا الكبرى تسير على خط الانحدار.

خط الانحدار الذي تسير عليه "إسرائيل" تنبأ به مرشد الثورة والجمهورية في إيران السابق سماحة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي في خطبة له يوم القدس العالمي بقوله:" إنَّ الخط البياني الانحداري باتجاه زوال الكيان الصهيوني قد بدأ وسوف لن يتوقف"، وأكد على نهاية هذا الخط الانحداري عام 2015 بقوله: "إنَّ إسرائيل لن تكون موجودة في ربع القرن القادم". وهذا ما أكده الأمين العام السابق لحزب الله السيد الشهيد حسن نصر الله في ذكرى نصر تموز بقوله: "انتصار تموز 2006م وضع العدو الإسرائيلي والكيان الإسرائيلي على خط النزول وخط الانحدار".

خط الانحدار الإسرائيلي بدأ عام 2000 بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بدون شروط وقيود تحت ضغط المقاومة ثم الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وتفكيك المشروع الاستيطاني فيه عام 2005 تحت ضغط المقاومة في سياق انتفاضة الأقصى.. وهذا الانحدار أنهى خط الصعود الإسرائيلي الذي وصل ذروته في حرب 1967 ثم تلقى صدمة في حرب 1973 أدت إلى تجميد حالة الصعود التي حاولت "إسرائيل" استعادته في حرب 1982 فاستبدلت مقلومة منظمة التحرير الفلسطينية بمقاومة حزب الله لتتوج بالنصر بعد دحر الاحتلال، النصر الذي تعزز في حرب تموز عام 2006 في لبنان، ومعارك المقاومة في فلسطين وآخرها سيف القدس عام 2021.

وصل خط انحدار متسادا الكبرى "إسرائيل" إلى محطة فاصلة في تاريخ الصراع ومسيرة المقاومة بهجوم (طوفان الأقصى) بتاريخ (7) اكتوبر الذي ضرب نظرية الأمن الإسرائيلية وركائزها الأساسية: الإنذار والردع والحسم، وأوصل المأزق الأمني الوجودي الإسرائيلي إلى ذروته بانهيار اسطورة الملاذ الآمن لليهود، وأفقد إسرائيل توازنها ووعيها لم تستعيدهما إلاّ بحبلٍ من الناس في الغرب الأمريكي والأوروبي، وما إنْ استعادت توازنها واستفاقت من غيبوبتها حتى أخرجت من جوفها كل غرائز الوحشية وطاقاتها الإرهابية التي غرسها الغرب في مشروعه الاستعماري الصهيوني.

بقدر تسارع خط الانحدار البياني وعمق المأزق الأمني الوجودي الذي أحدثه هجوم (طوفان الأقصى) في "إسرائيل" كانت ردة الفعل الإسرائيلية بكل هذه القسوة والوحشية المُجسّدة في حرب الإبادة قتلاً وتدميراً وتهجيراً طالت البشر والشجر والحجر، وامتدت بعدوانها إلى لبنان وسوريا واليمن وغيرها وصولاً إلى الحرب الأمريكية- الإسرائيلية المُتجددة على إيران ولبنان محاولة أن توقف خط الانحدار بالنار والدم وبالموت والدمار، وأن تستأنف خط الصعود والعلو في محاولة يائسة تناقض مسار التاريخ وسننه وقوانينه، وتعاند معطيات الواقع وحقائقه وأحداثه.

رغم ما حققته "إسرائيل" أو "متسادا الكبُرى" من إبادة وتدمير ومارسته من وحشية وإرهاب بدعم أمريكي وغربي غير محدود، وما توهمته من حالة صعود زائف وعلو مؤقت فلن يُغير من حالة الانحدار الحقيقي والهبوط الدائم المستندة إلى مؤشرات جوهرية ما زالت موجودة قبل وبعد (طوفان الأقصى) أهمها: فشل تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه لا سيما بعد حرب الإبادة في قطاع غزة مما يبقي الخطر السكاني الوجودي المتمثل في تآكل طبيعة "إسرائيل كدولة يهودية ديموقراطية" بعد زيادة عدد الفلسطينيين ما بين البحر والنهر على عدد اليهود.

ومن المؤشرات الأُخرى على استمرار خط الانحدار الإسرائيلي فشل إنهاء التهديد الأمني الوجودي القادم من محور المقاومة لا سيما الذي مصدره الصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة التي تضرب عمق الكيان وأمنه القومي والفردي فتقوّض أساس المشروع الصهيوني وروايته بالملاذ الآمن لجلب الهجرة والاستيطان. وفشل الاندماج في المنطقة بالتطبيع والهيمنة بسبب الرفض الدائم والعميق من شعوب الأمة وكراهيتهم لها.

وكذلك تحوّل ميزان الهجرة لصالح الهجرة المعاكسة خارج "إسرائيل". واستفحال خطر التناقضات الداخلية التي جمدتها الحرب والشعور بالخطر الوجودي مؤقتاً ولكنها موجودة وتتزايد خطورتها الكامنة تحت رماد الخلافات الأثنية والأيديولوجية والسياسية والمصلحية.

في يوم القدس العالمي الذي أبدعته الثورة الإسلامية في إيران والتي تخوض جمهوريتها حربها الكُبرى ضد العدوان الصهيوأمريكي ونحن نقرأ مؤشرات خط انحدار متسادا الكُبرى "إسرائيل" من الضروري أنْ نؤكد أنَّ يوم القدس العالمي يعني ديمومة الصراع والاشتباك واستمرارية الجهاد والمقاومة حتى تكتمل دائرة النصر بالتقاء الزمان المقدس (شهر رمضان) بالمكان المقدس (مدينة القدس)، بالقرآن الكريم (سورة الإسراء)، في الوعد الإلهي (وعد الآخرة)، عندما يتقاطع خط التاريخ الصاعد للأمة نحو النور، وخط التاريخ الهابط لإسرائيل نحو الظلام.. إيذاناً بنهاية السير على خط الانحدار في محطة الزوال.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP