قبل 6 ساعە
وليد القططي
12 قراءة

"إسرائيل" بين إدارة الصراع وحسم الصراع.. المأزق والسقوط

كتب المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف مقالاً بعنوان "حرب إسرائيل الأبدية" في مجلة فورين أفيرز الأميركية، موضوعه الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني ومحور المقاومة، عرض فيه لرؤية ديفيد بن غوريون للصراع، وأوضح أنها تعتمد على استراتيجية إدارة الصراع والتعايش مع استمراره، بعدما أدرك استحالة حل الصراع بالتسوية السياسية أو حسم الصراع بالقوة العسكرية، وهي الاستراتيجية نفسها التي اتبعها بنيامين نتنياهو قبل طوفان الأقصى، ولكنه - برأي سيغيف - فعل ذلك بطريقة تفتقر إلى الكفاءة، ما أوصل "إسرائيل" إلى طوفان الأقصى ووضعها في مأزقٍ أمني وجودي أجبرها على الخروج من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة حسم الصراع.

استراتيجية إدارة الصراع في جانبها السياسي تتضمن: احتواء الصراع والتعايش معه والسيطرة عليه بدلاً من حله بالتسوية أو حسمه بالقوة، وكسب الوقت لفرض واقع سياسي وديمغرافي لصالح كيان الاحتلال ركيزتاه السيطرة على الأرض وزرع الاستيطان اليهودي فيها، وتجميد عملية التسوية السياسية بإطالة أمد المفاوضات أو وقفها، والحفاظ على الانقسام الفلسطيني لمنع قيام وحدة وطنية وكيان وطني موّحد، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى إدارة أو إدارات بلدية خدماتية تتحمل عبء السكان من دون أُفق سياسي ومشروع وطني، وعقد اتفاقيات التطبيع مع العرب والقفز عن القضية الفلسطينية.

استراتيجية إدارة الصراع في جانبها العسكري تتضمن: تكرار "قص العشب" بتدمير قدرات المقاومة العسكرية كلما نمت واشتد عودها، وتجديد الردع العسكري بالعمليات الخاطفة والمعارك السريعة كلما تآكل وضعف، وإدارة أزمات التهديد الأمني والوجودي لاحتوائها وتقليصها والتعايش معها، واستثمار أوقات الهُدنة بين المعارك والمعركة بين الحروب لفرض وقائع جديدة وكسب نقاط إضافية، ورفع كُلفة الصمود والمقاومة بشرياً ومادياً لقتل الأمل في النصر والتحرير، والحرص على التفوّق الإسرائيلي المُطلق خاصةً: الأمني الاستخباري، والعسكري التكنولوجي، والقوة التدميرية، وحشد الدعم.

 وقد أفرزت الهزات الارتدادية للزلزال استراتيجية حسم الصراع التي اتّبعها نتنياهو كمخرج للمأزق الأمني الوجودي لكيانه في مواجهة الشعب الفلسطيني ومحور المقاومة، وهو ما عبّر عنه بمفهوم "النصر المُطلق" كنهاية للحرب، وحُلم "إسرائيل الكبرى" كتتويج للنصر وهدف للحرب، وما سمّاه "السيوف الحديدية" في غزة مُعبّراً عن حرب الإبادة، ثم "المخيمات الصيفية" في الضفة، مُعبّراً عن جرائم القتل والتدمير والتهجير والاستيطان، وكذلك "الحرب مُتعددة الجبهات" ضد محور المقاومة خارج فلسطين، خاصة إيران ولبنان واليمن، لينتهي به المطاف إلى تسميتها جميعاً "حرب النهضة".

استراتيجية حسم الصراع في جانبها السياسي تتضمن: إنهاء الصراع بإقامة حُلم"إسرائيل الكُبرى" بالمفهوم الجغرافي وجوهره السيطرة على "أرض إسرائيل الكاملة"، وبالمفهوم السياسي وجوهره الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، وإنهاء "المشكلة الفلسطينية" إسرائيلياً بالتخلّص من السكان بالإبادة والتهجير والإخضاع ومن يتبقى منهم يُقام لهم إدارات ذاتية ذات طابع بلدي خدماتي من دون أفق سياسي وحلم وطني، وما بين الحلم القائم والحلم الزائل تُرسّخ "إسرائيل" ما بين البحر والنهر: السيادة الوطنية، والسيطرة الأمنية، والاستيطان اليهودي، وتُرسّخ ما بعد البحر والنهر اتفاقيات التطبيع بنموذجها "الإبراهيمي" لتُعيد تموضعها في الإقليم كدولة رائدة ومُهيمنة.

استراتيجية حسم الصراع في جانبها العسكري تعني إنجاز "النصر المُطلق" بأساليب منها: "اقتلاع العشب" من جذوره بالقضاء على قدرات المقاومة العسكرية وليس إضعافها، والحفاظ على وجود الردع العسكري الدائم القوي وليس تجديده، ومنع ظهور التهديد الأمني والوجودي من بدايته لا تقليصه واحتواؤه، والنتيجة النهائية لحسم الصراع والنصر المُطلق هي تدمير المقاومة في فلسطين ولبنان، وتفكيك محور المقاومة بعد هزيمته عسكرياً وإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران أو إضعافه بالحد الأدنى بفعل العدوان الصهيو-أميركي عليها.

رغم الفائض الكبير في: القوة الإسرائيلية، والغطرسة الأميركية، والدعم الغربي، والعجز العربي... فإنَّ استراتيجية حسم الصراع لم تنجح بمعطيات الواقع ولن تنجح باستشراف المستقبل، فوعد "النصر المُطلق" لم يُنجز، وحُلم "إسرائيل الكبرى" لم يتحقق، وفلسطين القضية والشعب والمقاومة باقية، ومحور المقاومة باقٍ على خط النار يُقاتل في كل الجبهات، وشعوب الأمة العربية والإسلامية جمعاء تقف إلى جانب فلسطين ومحور المقاومة، وترفض "إسرائيل" والعدوان الصهيو-أميركي... وفي مقابل فائض الشر الصهيو-أميركي المهزوم لا محالة، يوجد فائض الخير المنتصر لا محالة، الذي أخرجته الأمة للناس ممثلاً في طليعتها المجاهدة ومحورها المقاوم.

مأزق "إسرائيل" بقيادة نتنياهو والصهيونية الدينية أنها خرجت من مرحلة إدارة الصراع وفشلت في دخول مرحلة حسم الصراع، فظلت عالقة على جسرٍ ضعيف هش بين المرحلتين، توشك أن تسقط من فوق الجسر في بئرٍ عميقة من نار ستحرقها ومعها علوّها وإفسادها، تُطاردها أرواح الضحايا ودماء الشهداء وآهات المُعذبين ولعنات المظلومين وصرخات المستضعفين... وحينئذٍ يفرح الصامدون والمقاومون بنصر الله... ونصر الله قريب.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP