13/02/2026
أمن 16 قراءة
بين الهيمنة الإسرائيلية والاصطفاف الإقليمي.. السعودية في موقع الضامن والموازن!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
عندما انسحب دونالد ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة في أيار/مايو 2018. اختار نهجاً بديلاً عن نهج الرئيس باراك أوباما سلفه لكي تنسحب أميركا جزئياً من الشرق الأوسط، فكانت الاتفاقيات إلابراهيمية هي الحلّ بالنسبة له لتأكيد ودعم السيادة الإسرائيلية وتثبيت هيمنة "إسرائيل" من خلال اتفاقيات سلام مع الدول العربية، متجاهلاً البحث بالقضية الفلسطينية، واستمرّ الرهان على دمج العرب بهذه الاتفاقية مع بايدن إلّا أنّ الأحداث الزلزالية بعد 7 أكتوبر 2023 أدّت إلى ردّ فعل إسرائيلي أعاد موضوع تشكيل الشرق الأوسط إلى الواجهة.
دعمت إدارة بايدن "إسرائيل" بالكامل ضدّ ما اعتبرته تحدّياً إيرانياً. سلّح الأميركيون "إسرائيل" من دون شروط، رغم انتهاكاتها المنهجية للحقوق الإنسانية في غزة، وساعدت الإسرائيليين في محاولات السيطرة على القطاع، واعترضت على السبل القانونية التي تدين الإبادة الجماعية لإنقاذ المسؤولين الإسرائيليين، وساهمت في قتل الفلسطينيين بشكل منهجي، وهي اليوم تعيد تركيزهم في زاوية من غزة كمقدّمة لطردهم من الإقليم، بينما أقامت "إسرائيل" حلقة من المناطق العازلة في غزة ولبنان وسوريا حولها.
إذا كانت "إسرائيل" هي الأداة لهذا التحوّل، فإنّ الولايات المتحدة هي صاحبة النظام الناشئ في المنطقة. تبنّت الولايات المتحدة وصانعو السياسة فيها تفسيرات "إسرائيل" للواقع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، فخطة وقف إطلاق النار في غزة أعدّها ترامب في تشرين الأول/أكتوبر 2025، حيث تمّ تقليص حلّ القضية الفلسطينية إلى ذكر موجز وشامل.
تماماً كما حصل في عهد بايدن عام 2024 مع لبنان عبر اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر الذي كان من جانب واحد أي لبنان ولا تزال "إسرائيل" تنتهكه يومياً، ومنحتها واشنطن حرية أكبر للتحرّك في لبنان.
كان قصف إيران من قبل "إسرائيل" دليلاً على مدى النفوذ الإسرائيلي على السياسة الأميركية في المنطقة. شاركت الولايات المتحدة في قصف المفاعلات النووية، وعندما لحق الدمار الكبير بـ "إسرائيل" من جرّاء الصواريخ الإيرانية تدخّلت واشنطن بسرعة لوقف إطلاق النار.
تحديد أجندة الولايات المتحدة من قبل نتنياهو أدّت به إلى قصف مكتب حماس في الدوحة التي يفترض أنها تحت حماية قواعد الولايات المتحدة في أيلول/سبتمبر 2025. جميع هذه الأحداث أكّدت نزول الولايات المتحدة عند رغبة "إسرائيل" في السيطرة نارياً وسياسياً على المنطقة، الأمر الذي حمل السعودية على الانضمام إلى شراكة مع دولة باكستان التي تملك الغطاء النووي لحمايتها من أيّ اعتداء بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة التي تدعم الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية وتفرض ذلك على دول المنطقة.
الاصطفاف ضدّ سياسة الهيمنة الإسرائيلية
حكّام تركيا ومصر وقطر وإيران وحتى باكستان أصبحوا حلفاء في هدفهم المشترك لكبح "إسرائيل" المدعومة من الولايات المتحدة. تقف تركيا والسعودية ضدّ تجزئة "إسرائيل" لسوريا، وهذا ما رأيناه مؤخراً من خلال دعم حكومة الشرع في الشمال والشمال الشرقي ضدّ قسد، تدخّلت السعودية عسكرياً في جنوب اليمن لأنها غير مستعدّة للسماح لـ "إسرائيل" والإمارات العربية المتحدة بالسيطرة الفعلية على ممر باب المندب المؤدّي إلى البحر الأحمر.
كما وردت تقارير تفيد بأنّ تركيا والسعودية وباكستان تداعت إلى تشكيل ميثاق دفاعي، وهو محاولة لإحباط الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية.
مصر التي تتباعد مع الإمارات في ملفات إقليمية تدعم الجيش السوداني في وجه دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، وهي تسعى لضمان منع تقسيم السودان وتنسّق مع الرياض في ملف وحدة الصومال. مصر ترى أنّ الصومال تشكّل استراتيجية أمنها القومي، وأنّ أرض الصومال تقسّم الصومال لمصلحة "إسرائيل" التي اعترفت بها وهي تسعى لتأمين الممرات البحرية وعدم حيازة إثيوبيا حليفة "إسرائيل" موقعاً على البحر الأحمر.
هذا التحالف توسّط ضدّ أيّ هجوم أميركي على إيران الذي، في نظر أعضائها، سيقوّي "إسرائيل" فقط، إضافة إلى التسبّب في عدم استقرار إقليمي كبير. اليوم جميع هذا الدول لديها مصلحة مشتركة في الحفاظ على الوضع الراهن الذي لا يمكن أن يتغيّر لصالح "إسرائيل"، خاصة مع استعداد الولايات المتحدة غالباً للتصديق على أولويات "إسرائيل".
السعودية تؤدّي دور الوسيط في ملفات الحدود البرية والبحرية
تخشى تركيا أن تكون اتفاقية الحدود البحرية التي عقدها لبنان مع قبرص خطوة تمهيدية لربط لبنان بمحور طاقوي يضمّ قبرص واليونان و"إسرائيل" (منتدى غاز شرق المتوسط)، مما قد يؤدّي إلى عزل تركيا وتهميش دورها في ممرات الطاقة بالبحر. في هذا السياق أعربت تركيا عن غضبها ورفضها لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي وقّعها لبنان مع قبرص في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 لعدة أسباب جيوسياسية وقانونية تتعلّق بالنزاع القائم في شرق المتوسط:
وصفت وزارة الخارجية التركية الخطوة اللبنانية بأنها "خرق غير مبرّر للتوازنات الإقليمية"، معتبرة أنّ لبنان تجاهل التنسيق مع دول معنية مباشرة مثل تركيا وسوريا. تعتبر تركيا أنّ لبنان "نكث بوعوده" السابقة لأنقرة بشأن عدم توقيع اتفاقيات أحادية مع قبرص قبل التوصّل إلى تسوية شاملة للأزمة القبرصية.
يوجد إجماع تقني وسياسي متزايد على أنّ التنسيق مع "العمق البري" (سوريا) و"القوة الإقليمية" (تركيا) يصبّ في مصلحة لبنان الاستراتيجية، لبنان لا يمكنه الاستفادة الكاملة من بلوكاته الشمالية (1 و2) من دون اتفاق نهائي مع سوريا. التنسيق الثلاثي (لبنان-قبرص-سوريا) ضروري لحلّ النزاع حول "النقطة الثلاثية" في الشمال لضمان عدم ضياع مساحات مائية.
غضب تركيا من اتفاقية لبنان مع قبرص (نوفمبر 2025) نابع من شعورها بالتهميش. التنسيق مع أنقرة يحمي لبنان من الدخول في صراعات المحاور البحرية ويفتح الباب أمام تعاون تقني في الاستخراج، خاصة وأنّ تركيا وسوريا بدأتا مفاوضات سرية لترسيم حدودهما البحرية في 2025.
تؤدّي العربية السعودية دوراً محورياً ومتزايداً، ليس فقط كداعم مالي، بل كـ "ضامن إقليمي" ووسيط دبلوماسي في ملفات الحدود والطاقة بين لبنان وسوريا وتركيا.
تتوزّع الأدوار السعودية على تأدية دور الوساطة في ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان، فقد أصبحت الرياض المنصة الرئيسية لمعالجة النزاعات الحدودية العالقة بين بيروت ودمشق؛ حيث إنها رعت توقيع اتفاقية تاريخية بين وزيري دفاع لبنان وسوريا لترسيم الحدود البرية والبحرية، مما وضع حجر الأساس لإنهاء عقود من التداخل الحدودي.
وتشرف حالياً على متابعة عمل "اللجان القانونية والفنية المشتركة" التي انبثقت عن اتفاق جدّة لضمان عدم عودة التوترات الأمنية، خاصة بعد اشتباكات آذار/مارس 2025 الحدودية.
تمتدّ المصلحة السعودية إلى استقرار حوض شرق المتوسط لضمان أمن ممرات الطاقة حيث وقّعت شركات سعودية عقوداً ضخمة لتطوير قطاع الغاز والنفط في سوريا، وهو ما يجعل السعودية مهتمة مباشرة باستقرار الحدود البحرية السورية مع لبنان وتركيا لحماية استثماراتها.
تؤدّي السعودية دور "الموازن"؛ فهي تقود تقارباً اقتصادياً مع أنقرة لدمج تركيا في ترتيبات إقليمية تمنع الصدام مع المحور اللبناني-القبرصي.
هدى رزق - باحثة في الشأن التركي والإقليمي
إن الآراء المذكورة في هذا التحليل لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً