هل لا يزال التفوق العسكري النوعي لـ"إسرائيل" يخدم مصالح أميركا؟

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

يكتب الأكاديمي والمحاضر في الأمن الدولي روب غايست بينفولد في موقع "warontherocks" المتخصص بالدفاع والحرب مقالاً مطولاً يتحدث عن الاستراتيجية القديمة التي اتبعتها الولايات المتحدة بضمان التفوق العسكري النوعي ل"إسرائيل" في المنطقة، ويناقش هل بات الوقت مناسباً لتخلي واشنطن عنها مقابل الالتفات أكثر لمصالحها الخاصة؟

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
في أوائل كانون الثاني/يناير 2026، فجّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مفاجأة مدوية. ففي مقابلة مع مجلة "الإيكونوميست"، ادّعى أنه يسعى إلى تقليص المساعدات العسكرية التي تتلقاها "إسرائيل" من الولايات المتحدة، والبالغ قيمتها 3.8 مليار دولار، أو حتى إنهاء برنامج المساعدات العسكرية القائم منذ فترة طويلة بشكل كامل. وفي المقابلة نفسها، زعم نتنياهو أن "إسرائيل" تخوض معركة للدفاع عن "الحضارة الغربية" بأكملها ضد "قوى متعصبة" تسعى إلى "إعادتنا إلى أوائل العصور الوسطى". وما يزيد الأمر غرابة هو أن تقارير سابقة أشارت إلى أن نتنياهو لم يسعَ فحسب إلى تجديد اتفاقية المساعدات العسكرية، بل إلى مضاعفة مدتها. فلماذا يريد نتنياهو قطع الإمدادات الوحيدة المضمونة من الأسلحة عن "إسرائيل"؟

يكمن الجواب في أن مقابلة نتنياهو الأخيرة لا تقلّ أهمية عن تصريحاته المفاجئة، لما تحويه من إغفالات صارخة. ومن أهمّ ما يُميّزها أنه لم يدعُ إلى إنهاء سياسة أميركا طويلة الأمد المتمثلة في الحفاظ على التفوّق العسكري النوعي لـ"إسرائيل" في الشرق الأوسط، والتي تُلزم الولايات المتحدة بضمان احتفاظ "الجيش" الإسرائيلي بتفوّق تكنولوجي حاسم على أيّ جهة فاعلة إقليمية أخرى، سواءً كانت صديقاً أم عدواً.

وبالنظر إلى حجم الاضطرابات الإقليمية الأخيرة وردود الفعل السلبية التي تلقتها واشنطن نتيجة لذلك، فإن إعادة النظر بجدية في التزام الولايات المتحدة بالتفوق العسكري والمساعدات العسكرية لـ"إسرائيل" أمر منطقي. لكن الصيغة الضمنية التي يتبناها نتنياهو لإنهاء المساعدات العسكرية الأميركية مع الحفاظ على تفوق عسكري نوعي، ستكون أسوأ الخيارات المتاحة. فتقليص دور الولايات المتحدة في عملية صنع القرار الإسرائيلية سيزيل القيود الضئيلة الحالية المفروضة على التحول الاستراتيجي الكبير الذي تشهده "إسرائيل" مؤخراً. ويُعدّ إنهاء جميع المساعدات العسكرية الأميركية لـ"إسرائيل"، كما يدعو نتنياهو، أمراً غير واقعي. ومع ذلك، فإن جعل هذه المساعدات أكثر ارتباطاً بشروط معينة قد يُعيد ضبط ديناميكيات هذه العلاقة لصالح واشنطن. وهذا لن يمنح الولايات المتحدة حق النقض المطلق على السياسة الإسرائيلية. وسينهي تبعيةً قائمة على تبادل المصالح لا تصب في مصلحة أي من الطرفين.

كما أنّ استمرار الالتزام بالتفوق العسكري النوعي سيُقيد قدرة أميركا على تعميق علاقاتها مع شركاء إقليميين آخرين غير إسرائيليين. وهذا لا يُعيق الولايات المتحدة وحلفاءها فحسب، بل يُفسح المجال أيضاً أمام منافسين من القوى العظمى أمثال روسيا والصين لملء هذا الفراغ.

تطور المساعدات العسكرية الأميركية لـ"إسرائيل"
لا شك أن هناك جدلاً واسعاً يحيط بالمساعدات العسكرية الأميركية لـ"إسرائيل". ويعود السبب في ذلك جزئياً إلى أن أي موضوع يتعلق بالصراع العربي - الإسرائيلي بطبيعته مثير للجدل، وإلى حجم المبالغ الطائلة التي تُقدم لهذه المساعدات. ويُقدر مجلس العلاقات الخارجية إجمالي المساعدات العسكرية الأميركية لـ"إسرائيل" منذ عام 1946 بنحو 244 مليار دولار، بينما تُعدّ أفغانستان أقرب منافس لها، حيث بلغت قيمة مساعداتها 133 مليار دولار. وفي الوقت الحالي، تُقدّم الولايات المتحدة لـ"إسرائيل" 3.3 مليار دولار سنوياً كتمويل عسكري أجنبي، مع تخصيص 500 مليون دولار إضافية للدفاع الصاروخي. عملياً، هذا ليس المبلغ النهائي، بل هو الحد الأدنى للمساعدات التي يُمكن لـ"إسرائيل" أن تتوقع الحصول عليها. ووفقاً لتقرير المجلس، بلغت المساعدات العسكرية الأميركية نحو 18 مليار دولار خلال السنة المالية 2024-2025.

ومع ازدياد المساعدات الأميركية لـ"إسرائيل"، تحوّل وعد ضمان التفوق العسكري النوعي لـ"إسرائيل" من مجرد تعهد سياسي إلى التزام رسمي. وقد تمّ إضفاء الطابع الرسمي عليه نتيجةً لاختلاف الإدارات الأميركية والإسرائيلية المتعاقبة حول معنى الوفاء بهذا التعهد عملياً: ما هي الكمية والنوعية الدقيقة للتكنولوجيا العسكرية المتطورة التي تلتزم الولايات المتحدة بتوفيرها لـ"إسرائيل"؟ وما هي المنتجات التي يمكن للولايات المتحدة بيعها أو عدم بيعها لشركائها الإقليميين غير الإسرائيليين؟

ولهذا السبب، فإن تعهد الرئيس دونالد ترامب في اجتماعه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 ببيع طائرات "إف-35 الأعلى جودة" للسعودية، بدلاً من طرازات "أقل كفاءة"، ليس مجرد خروج عن عقود من سياسة التفوق العسكري الراسخة - بل سيواجه حتماً معارضة شديدة من حلفاء "إسرائيل" في الكونغرس الأميركي، بغض النظر عن استعداد نتنياهو الواضح لإنهاء برنامج المساعدات العسكرية لـ"إسرائيل" القائم منذ فترة طويلة.

هناك وصفتان سياسيتان مترابطتان تشكلان البُعد العسكري للعلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل". تنصان على تمويل واشنطن للمشتريات العسكرية الإسرائيلية، والحفاظ على التوازن العسكري في الشرق الأوسط بما يُمكّن "إسرائيل" من هزيمة أي خصم هزيمةً ساحقة.
في الواقع، ينص قانون صادر عن الكونغرس عام 2008 على إلزام السلطة التنفيذية بمراسلة الكونغرس قبل أي صفقة بيع أسلحة لأي جهة أخرى في الشرق الأوسط باستثناء "إسرائيل"، للتأكيد على أن هذه الصفقة لن تُضعف التفوق العسكري النوعي لهذه الأخيرة. وقد كان هذا القيد، عملياً، ذا طابع سياسي أكثر منه قانوني بحت. إذ اعتمدت الإدارات الأميركية المتعاقبة على آليات مبتكرة للتصديق والتعويض، بموافقة ضمنية من الكونغرس في أغلب الأحيان. ومع ذلك، فقد أدى ذلك إلى زيادة التكاليف وإثارة المتاعب للكثير من الإدارات الأميركية من دون أن يُعيق فعلياً عمليات نقل الأسلحة.

بدأت هذه الديناميكية في أوائل الثمانينيات. فبعد أن أعلنت إدارة الرئيس رونالد ريغان أنها ستبيع طائرات متطورة للإنذار المبكر والتحكم المحمولة جواً إلى المملكة العربية السعودية، اضطرت واشنطن إلى بذل جهد سياسي كبير للتغلب على اعتراضات جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" وأعضاء الكونغرس. وفي النهاية، تمت الصفقة، ولكن بعد أن قامت الولايات المتحدة بتعويضها بصفقة أسلحة ضخمة لـ"إسرائيل". ومع ذلك، فإن الضرر الذي لحق بالدبلوماسية العامة السعودية وصورتها في الولايات المتحدة نتيجةً لجهود الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" على الرأي العام والنخب دفع الرياض إلى التوجه نحو المملكة المتحدة في صفقة الأسلحة الكبرى التالية.

باختصار، هناك وصفتان سياسيتان مترابطتان تشكلان البُعد العسكري للعلاقة "الخاصة" بين الولايات المتحدة و"إسرائيل". وتنص هاتان الوصفتان على ما يلي: أولاً، تمويل الولايات المتحدة للمشتريات العسكرية الإسرائيلية؛ وثانياً، الحفاظ على التوازن العسكري في الشرق الأوسط بما يُمكّن "إسرائيل" من هزيمة أي خصم هزيمةً ساحقة. وهذا الشرط الثاني تحديداً- الالتزام بالتفوق العسكري النوعي - هو ما يُشكّل الشرط الأول. ذلك لأنه يضمن حصولها على تمويل غير مسبوق من واشنطن، ومنح "إسرائيل" الضوء الأخضر لاستخدام هذه المساعدة في الحصول على أحدث التقنيات. وبالمثل، يضمن التزام أميركا بالتفوق العسكري النوعي لـ"إسرائيل" أن يقتصر هذا الامتياز على "إسرائيل" وحدها. وبالتالي، فإنه لا يؤثر على علاقات واشنطن مع "إسرائيل" فحسب، بل مع منطقة الشرق الأوسط بأكملها. 

المنطق الأميركي في ضمان التفوق العسكري النوعي لـ"إسرائيل"
على الرغم من أن المساعدات العسكرية الأميركية لـ"إسرائيل" كانت منخفضة نسبياً في الخمسينيات وأوائل الستينيات، إلا أن التنافس بين القوى العظمى خلال الحرب الباردة ساهم تدريجياً في تقارب "تل أبيب" وواشنطن. فعلى سبيل المثال، باع الرئيس جون إف. كينيدي صواريخ "هوك" المضادة للطائرات لـ"إسرائيل" عام 1962، لأن السوفيات زوّدوا مصر بقاذفات بعيدة المدى. لكن حرب الأيام الستة في حزيران/يونيو 1967 شكّلت نقطة التحول الحاسمة. وذلك لأسباب ثلاثة: أولاً، اعتبرت إدارة الرئيس ليندون جونسون أن الدولتين العربيتين الرئيسيتين - مصر وسوريا - هما المعتديتان ووكيلتا السوفيات الميؤوس منهما. ثانياً، مُنيت هاتان الدولتان بهزيمة ساحقة في الحرب، ما زاد من أهمية "إسرائيل" الاستراتيجية في نظر الكثيرين. ثالثاً، حاول السوفيات تعويض حلفائهم العرب المهزومين وطمأنتهم بإعادة تسليحهم بسرعة. وبناءً على ذلك، وبعد عام واحد من انتهاء الحرب، باعت إدارة جونسون لـ"إسرائيل" طائرات "إف-4 فانتوم" في عام 1968، وهي المرة الأولى التي تبيع فيها الولايات المتحدة لـ"إسرائيل" تكنولوجيا عسكرية لم تكن تمتلكها دول الجوار.

وبرزت أهمية هذه "العلاقة الخاصة" الناشئة بشكلٍ أوضح بعد أن حلّت الصدمة الاستراتيجية لحرب يوم الغفران في أواخر عام 1973 محلّ نشوة حرب الأيام الستة. فبعد أن شنّت مصر وسوريا هجوماً مفاجئاً في أقدس أيام السنة اليهودية، قوبلت نداءات "تل أبيب" للمساعدة بالرفض القاطع، إذ خشي حلفاؤها الأوروبيون، الذين لا يقدمون سوى الدعم في أوقات الرخاء، من أن ترفض الدول العربية بيعهم النفط. في المقابل، تكبدت الولايات المتحدة الضربة: فمع نفاد الوقود من محطات البنزين في جميع أنحاء البلاد، نظّمت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون عملية إعادة تزويد "إسرائيل" بمعدات عسكرية بقيمة 2.2 مليار دولار.

في عام 1975، انسحبت "إسرائيل" من أجزاء أكبر من سيناء، وبالمقابل تلقت 8.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية. وضماناً بـ "احتفاظها بتفوقها العسكري النوعي".
وقد أثار هذا القرار استياءً واسعاً في العالم العربي. لكن هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي آنذاك، أوضح منطق القرار في محادثة مع السعوديين بعد الحرب، قائلاً: "يدرك الإسرائيليون اليوم مدى اعتمادهم على الولايات المتحدة، وهذا يعني أنهم سيستمعون إلينا". وبناءً على ذلك، وبمجرد موافقة الطرفين على وقف إطلاق النار، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً شديدة على "إسرائيل" لتقديم تنازلات. وفي المقابل، زادت "إسرائيل" مساعداتها العسكرية لأن واشنطن تبنت مبدأ "المعدات مقابل البرمجيات"، أي أن توفير تكنولوجيا عسكرية من الدرجة الأولى وزيادة التمويل من شأنهما أن يجعلا "إسرائيل" تشعر بمزيد من الأمان؛ وبالتالي، أكثر استعداداً لتحمل مخاطر محسوبة. كما تطلب هذا الأمر من صناع القرار الإسرائيليين التفكير بعناية في ما يخدم مصالحهم على أفضل وجه - التمسك بالأراضي أو ترسيخ "العلاقة الخاصة" الناشئة مع الولايات المتحدة.

وسرعان ما أثبت هذا النهج النفعي صوابه. ففي عام 1974، تنازلت "إسرائيل" عن أراضٍ خارج نطاق الحرب لأول مرة منذ حرب الأيام الستة، عندما أعادت أجزاءً من شبه جزيرة سيناء إلى مصر. وفي الوقت الذي حصلت "إسرائيل" على بعض التنازلات السياسية المصرية، تجلّى المكسب الحقيقي في تعهد الولايات المتحدة بـ"بذل قصارى جهدها للاستجابة الكاملة والمستمرة وطويلة الأمد لاحتياجات إسرائيل من المعدات العسكرية". وكانت هذه أول خطوة رسمية نحو ضمان التفوق العسكري النوعي لـ"إسرائيل". ففي عام 1975، انسحبت "إسرائيل" من أجزاء أكبر من سيناء، وتلقت 8.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأميركية في سنة مالية واحدة فقط. كما تلقت ضماناً كتابياً من واشنطن بأن "الولايات المتحدة ستبذل قصارى جهدها لضمان احتفاظ إسرائيل بتفوقها العسكري النوعي".

وبعد نجاحها في المرحلة الأولى، ضاعفت الولايات المتحدة مساعداتها العسكرية. ففي كل عام منذ ذلك الحين، قدمت الولايات المتحدة لـ"إسرائيل" ما لا يقل عن 3 مليارات دولار. كما واصلت تطبيق مبدأ "المعدات مقابل البرمجيات": فمع تعثر مفاوضات أوسلو مع الفلسطينيين، شهد عام 1999 توقيع أولى مذكرات التفاهم الأميركية - الإسرائيلية التي أضفت الطابع الرسمي على المساعدات العسكرية. ويعود ذلك إلى الرئيس بيل كلينتون الذي سعى إلى تحفيز "إسرائيل" على مواصلة المحادثات. وبالمثل، استمر برنامج المساعدات العسكرية بعد انتهاء الحرب الباردة لأن منطقه الاستراتيجي الأوسع المتمثل في تسليح "إسرائيل" لردع المنافسين الإقليميين واحتوائهم ظل قائماً، مع تحول نظرة "تل أبيب" وواشنطن للتهديد من الدول العربية المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي إلى إيران.

التزام التفوق العسكري النوعي اليوم
كثيراً ما يُشير منتقدو "العلاقة الخاصة" إلى أن "اللوبي الإسرائيلي" يُحرف استراتيجية واشنطن الكبرى لصالح "تل أبيب". فقد أدت الديناميكيات السياسية داخل الولايات المتحدة إلى تغيير "العلاقة الخاصة" تدريجياً، مُحوّلةً إياها من أصولها القائمة على المصالح المتبادلة إلى نموذج تحصل فيه "إسرائيل" على مستوى غير مسبوق من المساعدات العسكرية بشروط قليلة نسبياً. ويرى المؤيدون أن ذلك يرجع إلى تشارك "إسرائيل" والولايات المتحدة في قيم أساسية (كالديمقراطية الليبرالية) ومصالح إقليمية (كاحتواء إيران). ومع أن هذا قد يكون صحيحاً، إلا أن التحول عن العولمة قد قلل من نفوذ الولايات المتحدة على عملية صنع القرار في "إسرائيل". كما دفع الكونغرس إلى تقييد السلطة التنفيذية عندما تُعتبر سياساتها متعارضة مع المصالح الإسرائيلية أو مُضرة بأمنها.

لذا، فإن تراجع النفوذ الأميركي على "إسرائيل" ليس نتاجاً لأفعال هذه الأخيرة أو لتوازن القوى الإقليمية فحسب، بل يعكس قيوداً هيكلية داخل النظام السياسي الأميركي. وهذه القيود باتت أكثر وضوحاً اليوم مما كانت عليه في السبعينيات، حين بدأ نموذج "المعدات مقابل البرمجيات". فضغوط اللوبي، وديناميكيات تمويل الحملات الانتخابية، والمخاطر الانتخابية حتى لأبسط الانتقادات، تحمي المساعدات العسكرية من أنواع النفوذ التي يمكن لواشنطن ممارستها في مجالات أخرى. وقد تعلّم القادة الإسرائيليون، وعلى رأسهم نتنياهو، توظيف هذه الديناميكية كوسيلة ضغط فعالة لرفع تكلفة أي انتقاد علني من السلطة التنفيذية للسياسة الإسرائيلية.

وفي الوقت الذي رسّخت جماعات الضغط الداخلية والمشاعر المؤيدة لـ"إسرائيل" المتنامية في الكونغرس الالتزام بالتفوق العسكري والمساعدة العسكرية لـ"إسرائيل" ورفعت من تكلفة الانتقادات، إلا أنه لم يكن لها دور يُذكر في خلق أي من هذين النموذجين. وبدلاً من ذلك، لا يمكن فهم المنطق الاستراتيجي لهذه السياسات طويلة الأمد إلا في سياق تقاطع ديناميكيات الحرب الباردة الكلية والجغرافيا السياسية الجزئية للشرق الأوسط الموصوفة أعلاه. وهذا السياق هو المقياس الحاسم لتقييم مدى ملاءمة هذه السياسات للغرض المنشود في حقبة ما بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر.

في عام 2015، وقبل وقت طويل من هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، أعلن نتنياهو معارضته لإقامة دولة فلسطينية، متراجعاً بذلك عن سنوات من الضغط الأميركي بتصريح واحد.
ولا شك أن المعدات العسكرية الأميركية ساعدت في منح "إسرائيل" التفوق العسكري الذي احتاجته لصدّ التهديدات المشتركة المتعددة التي كانت تواجه "تل أبيب" وواشنطن، وليس للدفاع عن نفسها فحسب. وقد منحت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر "إسرائيل" التفويض الذي تحتاجه لإطلاق العنان لقوتها التدميرية الكامنة في جميع أنحاء المنطقة. وفي حين قد تتجاوز المعدات الأميركية والإسرائيلية التوقعات، لا ينطبق الأمر نفسه على الجانب البرمجي من هذه الديناميكية. فبحسب وزارة الخارجية الأميركية، تُسهم المساعدات العسكرية في بناء "الثقة اللازمة لإسرائيل لخوض مخاطر محسوبة من أجل السلام". وإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا بلغت "إسرائيل" ذروة قوتها العسكرية، بينما أصبح خصومها أضعف من أي وقت مضى، في حين وسّعت سيطرتها الإقليمية في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا؟ فمنذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، تضاعفت المساعدات العسكرية الأميركية لـ"إسرائيل"، كما حدث خلال حرب يوم الغفران.

يتمثل الاختلاف هذه المرة في غياب أي نية إسرائيلية واضحة لتقديم تنازلات لاحقة، وهو أمر يبدو أن الولايات المتحدة غير راغبة أو غير قادرة على تغييره. ولا شك أن صدمة 7 تشرين الأول/أكتوبر تلعب دوراً، ولكن في عام 2015، وقبل وقت طويل من هجمات حماس، أعلن نتنياهو معارضته لإقامة دولة فلسطينية، متراجعاً بذلك عن سنوات من الضغط الأميركي بتصريح واحد. وفي العام نفسه، قدمت الولايات المتحدة لـ"إسرائيل" مساعدات عسكرية بقيمة 4.8 مليار دولار.

وعلى الرغم من أن التحولات الجذرية في موازين القوى في الشرق الأوسط قد تفيد الولايات المتحدة على المدى البعيد، إلا أن هذا لم يكن جزءاً من خطة واشنطن. فقد تحدّت "إسرائيل" مراراً مطالب إدارة الرئيس جو بايدن بوقف إطلاق نار طويل الأمد في غزة. كما قاوم نتنياهو الضغوط الأميركية لوضع خطة "اليوم التالي" للقطاع. وحاولت إدارتا بايدن وترامب، من دون جدوى، منع "إسرائيل" من توسيع حربها إلى جبهات أخرى. وبلغت التصعيدات في "تل أبيب" ذروتها في أيلول/سبتمبر 2025، عندما شنت "إسرائيل" هجوماً على قطر، وهي حليف رئيس آخر للولايات المتحدة من خارج حلف "الناتو". وكان توسيع المساعدات العسكرية الأميركية لـ"إسرائيل" مقبولاً بالمنطق الأميركي عندما كانت قوة محافظة على الوضع الراهن، لأن واشنطن - إلى جانب حلفائها العرب الإقليميين - كانت تولي الأولوية للاستقرار الإقليمي. أما الآن، ومع سعي "إسرائيل" للهيمنة الإقليمية من خلال استراتيجية كبرى تنقيحية تركز على القوة، فإن إعادة النظر في نماذج السياسة الحالية أمر منطقي.

والمفارقة أن نتنياهو يريد إعادة تقييم الوضع لسبب معاكس تماماً. فهو يرى في إنهاء المساعدات العسكرية آليةً لتقليص النفوذ الأميركي في عملية صنع القرار الإسرائيلي. وقد أثارت تصريحاته الأخيرة استغراباً واسعاً، لكنه طرح حججاً مماثلة خلال ولايته الأولى كرئيس للوزراء في أواخر التسعينيات، حين دفع رفضه قبول أن تكون المساعدات العسكرية الأميركية تأتي بشروط الرئيس كلينتون إلى التساؤل بلاغياً: "من هي القوة العظمى اللعينة هنا؟"

نحو نموذج أفضل
قد يلجأ نتنياهو إلى التهديد، إذ إنّ التعاون الدفاعي الأميركي - الإسرائيلي راسخٌ لدرجة أن إنهاء جميع المساعدات العسكرية بحلول عام 2028 يُعد أمراً غير واقعي، على أقل تقدير. ومن المرجح أنه يدرك أن الوضع الراهن يمر بضغوط غير مسبوقة: فالأميركيون من مختلف الأطياف السياسية يتزايد عزوفهم عن الاستمرار في تقديم المستويات الحالية من المساعدات العسكرية لـ"إسرائيل". وقد دفع هذا الأمر المحللين إلى التساؤل عما إذا كان بايدن سيكون "آخر رئيس ديمقراطي مؤيد لإسرائيل"، حيث تضافرت ميوله الأيديولوجية لـ"إسرائيل" مع القيود الهيكلية الداخلية للولايات المتحدة التي ترفع من تكلفة النقد العلني لسياسات "تل أبيب". وقد أدى ذلك إلى تثبيط أي محاولة لكبح جماح سياسات "إسرائيل"، حتى عندما كانت تختلف اختلافاً كبيراً عن توجهات واشنطن. ولا يقتصر هذا الأمر على بايدن وحده، فقد واجه رؤساء أميركيون سابقون من مختلف الأطياف السياسية، ولا سيما كلينتون وجورج دبليو بوش، القيود الأيديولوجية والمؤسسية نفسها.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يرضي استمرار ضمان التفوق العسكري النوعي لـ"إسرائيل" مع تقليص المساعدات العسكرية الناخبين الأميركيين. كما أنه من غير المرجح أن يخفف من مخاوف حلفاء واشنطن الإقليميين الذين يشعرون بتهديد متزايد من نزعة "تل أبيب" التحريفية. وحتى لو خفضت الولايات المتحدة مساعداتها العسكرية بشكل كبير، فستظل متورطة في تمكين "إسرائيل" من القيام بأفعالها. وفي الوقت نفسه، ستفقد قدرتها على كبح جماح "إسرائيل" القائم على القوة لتحقيق الهيمنة الإقليمية.

ولهذا السبب، فإن الحل الأفضل هو توقيع مذكرة تفاهم جديدة تجعل المساعدة العسكرية مشروطة باستعداد "إسرائيل" للتنازل ويمكن تعديلها كل 5 سنوات (كما كان الحال عند الاتفاق عليها في البداية) بدلاً من كل 10 سنوات (كما هو الحال حالياً). ويمكن تخفيف معارضة مؤيدي "إسرائيل" بالسماح للمساعدات العسكرية بالتأرجح صعوداً وهبوطاً. وهذا من شأنه أن يضمن للولايات المتحدة تحقيق أقصى استفادة من إنفاقها. كما أنه يحاكي التحول من نموذج "العطاء مقابل لا شيء" إلى نموذج "المعاملاتية" الذي سعى إليه ترامب مع حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين.

إن إخضاع المساعدات العسكرية الأميركية لمراجعة أكثر دقة وتواتراً من شأنه أن يعيد بشكل طفيف إمكانية التنبؤ والتأثير المحدود إلى العلاقة بين واشنطن و"تل أبيب" والتي أصبحت أكثر تساهلاً.
في المقابل، لن يمنح هذا الحل الولايات المتحدة سيطرة كاملة على صنع السياسات الإسرائيلية، وهو أمر غير قابل للتحقيق وغير مرغوب فيه. ولا تعمل المراجعة المتكررة من قبل الكونغرس على استعادة النفوذ المفقود بقدر ما تمنع المزيد من التآكل من خلال إعادة إدخال نقاط تأثير متوقعة إلى نظام متساهل في الأصل. وكثيراً ما يُبالغ منتقدو "إسرائيل" في تقدير النفوذ الذي يُمكن أن تُمارسه واشنطن على "تل أبيب". فلا ينبغي لأحد أن يتوقع علاقة يقول فيها رئيس أميركي "اقفز" فيرد عليه نظيره الإسرائيلي "إلى أي مدى؟". إن القيود المؤسسية والتكاليف السياسية التي يمكن فرضها، والتي تُفرض بالفعل، على أي إدارة أميركية، باتت اليوم أعلى من أي وقت مضى. ولن يُغير تعديل المساعدات العسكرية الأميركية لـ"إسرائيل" من هذا الواقع. إلا أن انضمام أعضاء مجلس الشيوخ المخضرمين المؤيدين لـ"إسرائيل"، مثل ليندسي غراهام، إلى دعوة نتنياهو لإعادة تقييم المساعدات العسكرية الأميركية، يُشير إلى أن إدارة ترامب أمامها اليوم فرصة نادرة، وربما عابرة، للقيام بذلك.

إن إخضاع المساعدات العسكرية لمراجعة أكثر دقة وتواتراً من شأنه، في أحسن الأحوال، أن يعيد بشكل طفيف إمكانية التنبؤ والتأثير المحدود إلى العلاقة بين الطرفين التي أصبحت أكثر تساهلاً. ومع ذلك، قد يساعد ذلك في ترجيح كفة النفوذ لصالح واشنطن بشكل طفيف من خلال إعادة تقديم حوافز لمواءمة عملية صنع القرار الإسرائيلي مع تفضيلات الولايات المتحدة. وسيوضح ذلك لصناع القرار والناخبين الإسرائيليين فوائد تعديل السياسات بما يتوافق مع المصالح الأميركية، وتكاليف عدم القيام بذلك، من دون اللجوء إلى إجراءات قسرية. وعلى الرغم من أن هذا الحل لن يعيد النفوذ الأميركي على "إسرائيل" إلى مستويات السبعينيات، إلا أنه سيتيح لواشنطن احتواء الأضرار وفك ارتباط "إسرائيل" والولايات المتحدة بنموذج بات كلا الجانبين يشكك بشكل متزايد في جدواه الاستراتيجية.

في الوقت نفسه، ينبغي على الولايات المتحدة إعادة تقييم ضمانة تفوقها العسكري، وهي سياسة قديمة لم تعد مناسبة للغرض المنشود. فـ"إسرائيل" ليست الحليف الوحيد للولايات المتحدة في منطقة موالية للسوفيات، بل هي واحدة من 9 حلفاء رئيسيين لأميركا من خارج حلف "الناتو" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما أنها ليست وحدها في منطقة معادية بشكل ميؤوس منه. ويتمتع عدد من حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين من خارج حلف "الناتو"، مثل مصر والمغرب والبحرين، بعلاقات دبلوماسية كاملة مع "إسرائيل". وقد أبدت دول أخرى، كالسعودية وقطر، استعدادها لتطبيع العلاقات في حال التزمت "إسرائيل" بإقامة دولة فلسطينية.

والأهم من ذلك، يمنع التزام الولايات المتحدة بالتفوق العسكري النوعي من استخدام مبيعات الأسلحة لتعزيز علاقاتها الإقليمية. وهذا أمرٌ مرفوضٌ تماماً من قِبل ترامب، الذي يُوصف بأنه "تاجر الأسلحة الأول". كما أن إنهاء الضمان الأميركي للتفوق العسكري النوعي لـ"إسرائيل" من شأنه أن يُعيق تواصل روسيا والصين مع شركاء أميركا الإقليميين، الذين لجأوا إلى موسكو وبكين عند حرمانهم من الأسلحة. ويُصبح هذا عائقاً لا يُمكن تجاوزه أمام تواصل الولايات المتحدة، لأنه بمجرد أن تُنوّع دولةٌ ما مصادر مشترياتها من الأسلحة، تبدأ مخاوف تبادل التكنولوجيا بالظهور، ما يُعيق المزيد من مبيعات الأسلحة. ولهذا السبب، فشلت صفقة الإمارات العربية المتحدة لشراء طائرات "إف-35" من الولايات المتحدة عام 2020، الأمر الذي دفع أبوظبي إلى شراء طائرات مقاتلة متطورة من فرنسا بدلاً من ذلك.

وقد يزعم مؤيدو "إسرائيل" أن هذا الأمر يُنذر بسباق تسلح أو يُهدد "إسرائيل". لكنه يتجاهل حقيقة أن ضمان التفوق العسكري قد تسبب مراراً وتكراراً في انتشار الأسلحة في المنطقة، عندما شعرت واشنطن بأنها مُلزمة بتعويض بيع الأسلحة إلى حلفائها العرب ببيع "إسرائيل" أسلحة أكثر تطوراً مما سمحت بنقله في السابق. كما يتضح من حالة طائرات الإنذار المبكر والتحكم السعودية، فإن التزام الولايات المتحدة بدعم التفوق العسكري الإسرائيلي لم يوقف مبيعات الأسلحة للدول العربية. بل على العكس، فقد زاد من تعقيد العملية ورفع تكاليف أي صفقة بالنسبة للإدارة الأميركية، مع استمرار دفع المشترين المحتملين إلى البحث عن بدائل أخرى حتى بعد إتمام الصفقة.

إن استراتيجية الأمن القومي الأميركي الأخيرة توضح بجلاء أن الاعتبارات المعيارية لن تقيد بعد اليوم سياسة واشنطن الخارجية. وبالنظر إلى الرأي العام الأميركي، وتصريحات نتنياهو العلنية، والضغوط الإقليمية، بات زخم التغيير واضحاً بشكل لا لبس فيه. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستقود إعادة ضبط هذه العلاقة بما يخدم مصالحها، ويعزز الأمن الإسرائيلي، ويدعم الاستقرار الإقليمي في آن واحد.

نقله إلى العربية: زينب منعم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP