13/02/2026
أمن 21 قراءة
"فايننشال تايمز" .. ماذا وراء ابتعاد ألمانيا عن أميركا؟

الاشراق
الاشراق | متابعة.
تحدثت صحيفة "فايننشال تايمز"، عن "شعور بالخيانة" يجتاح ألمانيا، وذلك بعدما صدم انهيار العلاقات عبر الأطلسي البلد الذي كانت تربطه علاقة عاطفية وثيقة بالناتو، والولايات المتحدة على وجه الخصوص.
وفيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:
شكّل التدهور الأخير في العلاقات عبر الأطلسي صدمةً عميقةً في ألمانيا، حيث تربطها علاقةٌ وثيقةٌ بالولايات المتحدة، الأمر الذي عبّرت عنه كلوديا ماجور، نائبة الرئيس الأولى في صندوق مارشال الألماني، الذي أرسل أجيالاً من الطلاب الألمان إلى الولايات المتحدة، بأنّه أشبه بالخيانة.
فالعلاقات عبر الأطلسي، "تتمتع بأساسٍ عاطفيٍّ أعمق بكثير مما هو عليه الحال في المملكة المتحدة أو فرنسا"، وفقاً لماجور، التي أضافت: "أميركا هي الدولة التي وثقت بألمانيا لكي تصبح أكثر عقلانيةً بعد فظائع الحرب العالمية الثانية.. لقد علّم الأميركيون الألمان الديمقراطية، فيما نشعر الآن وكأنها خيانة".
ما وراء الاستياء الألماني
بالعودة قليلاً إلى الوراء، فقد استاء الألمان المؤيدون للعلاقات الأطلسية بشدة، عندما استغل نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس مؤتمر ميونيخ للأمن - الذي تزامن مع الحملة الانتخابية الفيدرالية الألمانية - لإلقاء محاضراتٍ على أوروبا حول القيم الديمقراطية، قبل أن يلتقي على هامش المؤتمر بزعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني أليس فايدل.
وبعد أن شعر المستشار المحافظ فريدريش ميرتس، الرئيس السابق لمنظمة "أتلانتيك بروكه" للتواصل، والرئيس السابق لشركة "بلاك روك" في ألمانيا، بالصدمة، وصف الأمر لاحقاً بأنه "قطيعة تاريخية".
وفي الليلة التي فاز فيها حزبه، الديمقراطيون المسيحيون، بالانتخابات بعد أيام، أعلن أنه من الضروري لأوروبا "الاستقلال عن الولايات المتحدة".
وقد ذهب إلى أبعد من ذلك في كانون الأول/ديسمبر حين قال: "لقد ولّت عقود الهيمنة الأميركية إلى حد كبير بالنسبة إلينا في أوروبا، وبالنسبة إلينا في ألمانيا".
"شعور بالخيانة"
فبالنسبة إلى ألمانيا، التي تعتبر نفسها الحامي الأكثر حرصاً على سيادة القانون في أوروبا، يعدّ تجاهل واشنطن الصريح للنظام العالمي الذي دافعت عنه في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية "مؤلمًا للغاية".
هذا الشعور بالخيانة، الذي يتفاوت في درجاته في أنحاء أوروبا، ولكنه أشدّ وطأةً في ألمانيا، يُزعزع بنية الأمن التي استمرت لعقود في القارة، ويُؤجّج سباق تسلح لم تشهده منذ الحرب الباردة.
برلين، التي لطالما ترددت في تولي دور عسكري قيادي بسبب ماضيها النازي، تُدفع الآن، بفضل قوتها المالية الهائلة، إلى صدارة إعادة تسليح أوروبا.
علاقات لم تخلُ من التوترات
في هذا السياق، يقول الرئيس الألماني لمؤتمر ميونخ الأمني فولفغانغ إيشينغر: "عندما تقول قوة عالمية كالولايات المتحدة إنّها لا تبالي بالقانون الدولي، فإنّ ذلك يُشكّل تحدياً أكبر بكثير لتماسك الحلف، لأنّ هذه العلاقة تعتمد على الدعم الشعبي، فإذا لم يدعمها الشعب، وإذا اعتقد أنها قوة معادية، فإنها تفقد قيمتها".
وتضيف ماجور بدورها أنّ الولايات المتحدة "كانت في السابق القوة التي تُحافظ على وحدة حلف الناتو. أمّا الآن، فهي التي تُشعل فيه النيران".
من جانبه، يقول كارستن فويغت، الذي كان مفوضاً للتعاون الألماني الأميركي في البرلمان في عهد المستشار غيرهارد شرودر من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إنّ السياسة الخارجية الألمانية في فترة ما بعد الحرب "كانت مُحددة بالعلاقة الأميركية الألمانية".
فبصفتها أقوى قوة احتلال بعد الحرب، كان للولايات المتحدة "حق نقض" على السياسة الخارجية، فيما طورت الحكومات الألمانية الغربية المتعاقبة "علاقات أقوى" مع الولايات المتحدة، مقارنةً بفرنسا أو غيرها من جيرانها، كما يوضح.
غير أنّ ذلك لم يخلُ من التوترات، إذ ظهرت جيوب من العداء الشديد لأميركا في اليسار خلال حرب فيتنام، وعادت للظهور خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت الصواريخ النووية الأميركية متمركزة في ألمانيا الغربية، وأثناء غزو العراق.
لكن المفارقة تكمن في أنّ المشاعر المعادية لأميركا قد تراجعت في أعقاب الحرب بين روسيا وأوكرانيا،بحسب نوربرت روتغين، النائب البارز في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وخبير السياسة الخارجية.
فعلى سبيل المثال، تحول حزب الخضر، الذي "دخل البرلمان كحركة سلمية تنتقد أميركا بشدة"، إلى مؤيدين أشدّ أنصار كييف.
عودة ترامب وانقلاب الموقف الألماني
بعدها، انقلبت المواقف الألمانية تجاه أميركا من إيجابية بشكل عام إلى سلبية بشكل كبير، منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
وقد أظهر استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث ومؤسسة كوربر في كانون الأول/ديسمبر، أنّ 27% فقط من الألمان قيّموا العلاقات مع الولايات المتحدة بأنّها "جيدة"، بانخفاض عن ثلاثة أرباع في العام السابق.
وفي شهر كانون الثاني/يناير الماضي، أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة فورسا، بعد تهديد ترامب بضم غرينلاند، أنّ 71% من الألمان ينظرون الآن إلى الولايات المتحدة كخصم لا كشريك. وقد أيّد هذا الرأي غالبية المتعاطفين مع حزب البديل من أجل ألمانيا.
وعليه، يرى روتغين أنّ العداء الأخير الذي أبدته واشنطن تجاه حلفائها الأوروبيين - بما في ذلك مساعيها "لبيع الأمن الأوروبي" لروسيا عبر مقترح وقف إطلاق النار المكون من 28 بنداً - يُمثّل منعطفاً تاريخياً ثانياً، بعد الحرب الأوكرانية عام 2022.
تسلل الشكوك
فحتى في مدينة كايزرسلاوترن، الواقعة في ولاية راينلاند بالاتينات، والتي تُعتبر أكثر المدن الألمانية تأثراً بالثقافة الأميركية، بدأت الشكوك تتسلل إليها.
فهذه المدينة، التي تضم نحو 50 ألفاً من العسكريين الأميركيين والمدنيين وعائلاتهم، والمتمركزين في قاعدة رامشتاين الجوية الشاسعة - الأكبر خارج الولايات المتحدة - لطالما تمحورت حول العلاقات عبر الأطلسية.
وتبذل السلطات المحلية جهوداً حثيثة لجعل الأميركيين يشعرون بالترحيب، من خلال تقديم جلسات تعريفية ونصائح لتجنب الأخطاء الشائعة في الثقافة الألمانية، مثل جزّ العشب في أوقات غير مناسبة أو فرز النفايات بطريقة خاطئة.
كما تُكرّس قطاعات واسعة من اقتصاد المنطقة لخدمة القاعدة العسكرية. ففي "كي تاون"، كما يسميها الأميركيون، مطاعم تقدم أطباقاً شهية من الفطائر، وصالون تجميل يُدعى "هير فورس"، ونادٍ للرقص الخاص - واحد من بين العديد - يُسمى "هوتيل تينيزي". كما تضم المدينة مقبرة للأطفال الأميركيين الذين توفوا أثناء إقامة آبائهم في ألمانيا.
في هذا الخصوص، تقول بيات كيميل، عمدة المدينة: "نحن مضيفون رائعون للغاية".
"توازن دقيق"
يأتي ذلك فيما ينتظر المسؤولون الأوروبيون الآن ما يُسمى بمراجعة الوضع العالمي التي يُجريها البنتاغون، والتي ستُحدد مستقبل 80,000 جندي أميركي متمركزين في أوروبا، منهم نحو 37,500 في ألمانيا.
وبينما يحظى مشروع ميرتس لضخ مليارات الدولارات في بناء الجيش الألماني (البوندسفير) ليصبح "أكبر جيش نظامي في أوروبا" بدعم واسع من مختلف الأحزاب الألمانية الرئيسية، من المحافظين إلى الخضر والديمقراطيين الاجتماعيين، فإنّ صناع القرار منقسمين حول مدى التحرر من الولايات المتحدة، إذ يوازنون بين المخاوف من أن يؤدي هذا التوجه الحازم إلى تسريع انسحاب القوات الأميركية وإحداث فجوة في الردع، وبين الآمال بأن تكون إدارة ترامب، ربما، حالة شاذة.
ويُجسد موقف ميرتس هذا التوازن الدقيق. فقد صرّح أمام البرلمان الشهر الماضي، بأنّ "حلف الناتو والثقة التي بُنيت فيه على مدى أكثر من سبعة عقود، يظل أفضل ضمانة للحرية والسلام والأمن لجميع الأطراف المعنية على جانبي المحيط الأطلسي".
ويضيف: "ولهذا السبب، نحن الأوروبيون نريد الحفاظ على الناتو، وتعزيزه من أوروبا. وسنمد يد التعاون دائماً إلى الولايات المتحدة الأميركية"، لكنّه حذر قائلاً: "بصفتنا دولًا ديمقراطية، فنحن شركاء وحلفاء، ولسنا تابعين".