13/02/2026
أمن 21 قراءة
"فورين أفيرز" عن "إسرائيل" .. تضم الضفة الغربية بهدوء!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
يحذر المقال من أن الضفة الغربية قد تصبح الجبهة التالية للانفجار في الشرق الأوسط نتيجة سياسات الحكومة الإسرائيلية التي تتجه نحو ضم فعلي للمنطقة عبر توسيع الاستيطان وإضعاف السلطة الفلسطينية.
ويرى أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى انهيار السلطة مالياً وأمنياً، ما يهدد باندلاع اضطرابات واسعة ويقوّض فرص إقامة دولة فلسطينية.
كما يؤكد أن استمرار هذا المسار سيضر بأمن إسرائيل ويُفشل خطط الاستقرار في غزة، داعياً إلى تدخل أميركي وعربي عاجل وقيام السلطة الفلسطينية بإصلاحات داخلية سريعة.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرّف:
لا يخلو الشرق الأوسط من التقلبات، لكن الجبهة التالية التي قد تنفجر قد تكون تلك التي يُهملها صنّاع القرار باستمرار، ألا وهي الضفة الغربية.
فمنذ الـ7 من أكتوبر/تشرين الأول 2023 شنت "الحكومة" الإسرائيلية حملة ضم فعلية، مُكثفة وجودها العسكري في الضفة الغربية، ومُمارسة ضغوطاً مُستمرة على السلطة الفلسطينية لإضعافها، ومُسرّعة الموافقة على المستوطنات اليهودية، ومُشرّعة البؤر الاستيطانية بأثر رجعي، وقد أصبحت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون شبه يومية.
ثم، يوم الأحد، وافق المجلس الوزاري الأمني برئاسة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو على مجموعة استثنائية من الإجراءات التي تحوّل ضمّ الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع إلى سياسة قانونية.
وجاء توقيت هذه الخطوة جريئاً للغاية، إذ سبقت زيارة نتنياهو للبيت الأبيض يوم أمس. وستخفف إسرائيل القيود المفروضة على بيع الأراضي للمستوطنين، وستتولى سلطة تحديد كيفية استخدام الأراضي في المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين كانتا رسمياً تحت حكم السلطة الفلسطينية.
وصرح وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش بأن الهدف هو "القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية".
هذه الخطوة ليست سوى أحدث تطورات الوضع الذي أوصل الضفة الغربية إلى حافة أزمة حقيقية. قد تصبح السلطة الفلسطينية عاجزة عن سداد ديونها في غضون أشهر، ما سيؤدي إلى توقف تقديم الخدمات الأساسية لملايين الفلسطينيين، وإجهاض جهود التعاون الأمني مع "إسرائيل" التي حالت حتى الآن دون اندلاع اضطرابات واسعة النطاق.
إن التغييرات في أساليب شرطة الاحتلال التي تُضعف القيود المفروضة على السلوك الاستفزازي، إلى جانب غياب قنوات وساطة خارجية فعّالة للمساعدة في تهدئة التوترات، تُشكل خطراً حقيقياً يتمثل في أن تؤدي حوادث في المواقع المقدسة إلى اندلاع اضطرابات أوسع.
إن وجود هذه البؤر المتوترة ليس من قبيل الصدفة، بل هو استراتيجية إسرائيلية.
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، استغل سموتريتش وغيره من قادة اليمين الإسرائيلي ضبابية الحرب لتحويل هذه الرؤية إلى سياسة.
إذا لم يُكبح جماح دُعاة الضم قريباً، فإن أعمالهم المتراكمة ستزيد من احتمالات تجدد الاضطرابات، وتستلزم تعبئة مستمرة لـ"الجيش" الإسرائيلي، وتعمق عزلة "إسرائيل" الدبلوماسية، وتجبرها على تحمل أعباء الحكم المدني في الضفة الغربية، مهما ادعى نتنياهو رغبته بخلاف ذلك.
كما سيقوض ذلك بشكلٍ خطير تنفيذ خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغزة، والتي تعتمد على عودة السلطة الفلسطينية لإدارة تلك المنطقة.
إن الأوضاع على الأرض تجعل استقرار القطاع مستحيلاً بالفعل، وتخلق الظروف اللازمة لتحويله إلى منطقة تمرد دائمة لا رجعة فيها.
تعمل المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية وفق مجموعة من المبادئ غير المستقرة ولكنها فعّالة: منع حماس من السيطرة، واحتواء العنف من خلال المعلومات الاستخبارية، والاعتماد على قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية كشريك (مهما كانت أوجه قصور هذه القوات) لمنع تمرد واسع النطاق ومنسق من الانتشار.
بحسب "الجيش" الإسرائيلي، فقد "وقع 397 هجوماً إرهابياً كبيراً في "إسرائيل" والضفة الغربية عام 2023، بينما انخفض هذا العدد إلى 255 هجوماً عام 2024، وإلى 54 هجوماً عام 2025".
وهذا ليس إنجازاً بسيطاً، لأن منع "الأعمال الإرهابية" يمثل ركيزة أساسية لـ"لأمن الداخلي" لـ"إسرائيل".
مع ذلك، يعمل بعض أجزاء الحكومة الإسرائيلية على تقويض هذه المكاسب الأمنية عبر زعزعة استقرار الضفة الغربية وإضعاف المؤسّسة نفسها - السلطة الفلسطينية - التي أسهمت في منع انتفاضة مستدامة.
وتقود حركة الاستيطان الإسرائيلية هذه الجهود الرامية إلى تغيير واقع الضفة الغربية، إذ استطاعت التأثير في سياسة الحكومة الإسرائيلية من خلال حشد كتلة تصويتية منضبطة، والضغط على الوزراء الرئيسيين، وتعيين أعضائها في مناصب بيروقراطية مهمة.
بحسب مؤسّسة "تمرور بوليتوغرافيا" البحثية، التي تجمع بيانات عن السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، فقد شهدت هذه الحكومة الإسرائيلية طفرة هائلة في توسع المستوطنات في الضفة الغربية منذ عام 2023.
ففي عام 2025 وحده، أصدرت ما يقرب من ضعف عدد الموافقات على بناء وحدات سكنية مقارنة بعامي 2019 و2020.
وتتجاوز هذه الطفرة الأخيرة بكثير إجمالي السنوات المتعددة المعتادة في العقد السابق، وتشير إلى تسارع واضح في كل من الموافقات على المستوطنات الجديدة والتقنين بأثر رجعي للبؤر الاستيطانية غير الشرعية.
لا تقتصر هذه التحركات على زيادة عدد الإسرائيليين المقيمين في الضفة الغربية فحسب، بل إنها تُضعف السلطة الفلسطينية يوماً بعد يوم وتُغيّر وجه المنطقة جذرياً.
فقد بدأت حكومة الاحتلال بإنشاء ممرات سيطرة استراتيجية عبر توسيع حدود المناطق الإدارية، وإنشاء طرق التفافية، وربط البنية التحتية بين المستوطنات، ما يُصعّب على قوات الأمن الفلسطينية وقادتها السياسيين ممارسة سلطتهم على المدى القريب، ويُقوّض أي فرصة طويلة الأمد لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
غيرت حكومة الاحتلال خطابها لإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية التي كانت تُعتبر في السابق غير قانونية. وهي تُروج بشكل متزايد ضرورة إنشاء "مزارع أمنية"، في عملية إعادة تسمية تُحوّل البؤر غير المرخصة إلى أصول استراتيجية مزعومة.
وقد أشار نتنياهو نفسه مؤخراً إلى دعمه للاعتراف الرسمي بهذه المواقع. قد يكون هذا النوع من الاستيلاء على الأراضي أقل دراماتيكية من الضم، ولكنه لا يقل عنه فعالية.
يواجه الفلسطينيون أيضاً تصاعداً حاداً في العنف الذي يرتكبه المستوطنون الإسرائيليون مباشرةً، وهو نوع من العنف تُقرّه الحكومة الإسرائيلية ضمنياً.
ففي عامي 2024 و2025، ارتكب المستوطنون عدداً غير مسبوق من هجمات الحرق العمد وأعمال التخريب والاعتداءات الجسدية. ووفقاً لإحصاءات نشرها "الجيش" الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي "الشاباك" الشهر الماضي، ارتفعت هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية بنسبة 27% بين عامي 2024 و2025.
كما ارتفع عدد الحوادث الخطيرة المصنفة كـ"إرهاب" بأكثر من 50%، وتركز معظمها في مناطق ساخنة مثل نابلس والخليل ورام الله.
لكن السمة الأهم لهذه الهجمات ليست تكرارها، بل بالأحرى سماح الحكومة الإسرائيلية بها. وفي الشهر الماضي، ولأول مرة في تاريخ "إسرائيل"، أفادت "المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية" بوقوع أعمال إرهابية يهودية ضد فلسطينيين في الضفة الغربية أكثر من "الأعمال الإرهابية" الفلسطينية ضد اليهود هناك وداخل "إسرائيل" نفسها.
لقد منحت القرارات المتخذة على أعلى مستويات "الحكومة" الإسرائيلية هؤلاء الجناة سلطة أكبر.
على الرغم من انتهازيته السياسية، تجنب نتنياهو تاريخياً دفع السلطة الفلسطينية إلى الانهيار التام. فهو يدرك أن أي مكاسب أيديولوجية قصيرة الأجل قد يحققها مثل هذا التحرك، ستكون تكاليفه على المدى البعيد باهظة. فمن دون السلطة الفلسطينية، ستضطر "إسرائيل" إلى تحمل مسؤولية توفير الخدمات المدنية - الرواتب، والصحة، والتعليم، والأمن - لملايين الفلسطينيين.
لكن مع إعطاء نتنياهو الأولوية لبقائه السياسي، لم يعد يسيطر سيطرة كاملة على ملف الضفة الغربية؛ إذ يديره سموتريتش وشركاؤه.
وقد سعوا عمداً إلى خنق اقتصاد المنطقة وتقويض قدرة السلطة الفلسطينية على العمل بفعالية، ما أدى إلى إبطاء موافقتها على مشاريع البناء الفلسطينية وتقييد قدرة الفلسطينيين على كسب عيشهم في "إسرائيل".
تقود السلطة التنفيذية الإسرائيلية جهود الضم، لكن "الكنيست" أسهم في محاولة خنق الضفة الغربية، ما يجعل التراجع عنها أكثر صعوبة.
السلطة الفلسطينية تعاني من عيوب جسيمة وهشاشة بالغة. لكن "إسرائيل" بحاجة إلى سلطة فلسطينية أكثر فاعلية، لا إلى سلطة أكثر هشاشة. وينطبق الأمر نفسه على ترامب: فخطته للسلام في غزة تنص على أن السلطة الفلسطينية ستستعيد في نهاية المطاف سلطتها على غزة.
لا يمكن لعملية السلام أن تستمر ما لم يكن للفلسطينيين تمثيل سياسي شرعي ومستقر، وهو ما يعتمد حالياً على مؤسسات السلطة الفلسطينية، إن لم يكن على قيادتها الحالية. لا يوجد حالياً بديل موثوق يتمتع بالشرعية القانونية والقدرة التشغيلية. إن إحراق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية يقوض عملية تعافي غزة قبل أن تبدأ حتى.
لهذا السبب، يجب اتخاذ خطوات فورية لوقف النهج الإسرائيلي المدمر تجاه الضفة الغربية. إن تجنب انفجار في الضفة الغربية لا يتطلب حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني برمته، بل يتطلب اتخاذ خطوات فورية لمنع التدمير المتعمد للمؤسسات الفلسطينية.
الجهة الوحيدة التي لا تستطيع حكومة الاحتلال رفضها هي ترامب. كما يمتلك شركاء "إسرائيل" العرب، وعلى رأسهم الإمارات العربية المتحدة، نفوذاً كبيراً. ويتعيّن على واشنطن وشركاء "إسرائيل" العرب، وخاصة الإمارات والمغرب، الضغط على "إسرائيل" لفرض قيود صارمة على الاستفزازات المتعلقة بشهر رمضان، والمساعدة في تنسيق الأمن الرمضاني مع الأردن.
إذا أرادت واشنطن منع فتح جبهة أخرى في الشرق الأوسط بينما تقف على حافة مواجهة مع إيران، فعليها أيضاً بذل المزيد من الجهود لضمان عدم تدمير "إسرائيل" للسلطة الفلسطينية.
وهذا يعني العمل مع "إسرائيل" لاستعادة تحويلات الإيرادات، ومطالبتها بالتوقف عن سنّ تشريعات مناهضة للسلطة الفلسطينية، وإلزامها بتطبيق قوانينها ضد المستوطنين العنيفين. من شأن هذه الإجراءات الملموسة إزالة التهديدات المباشرة لوجود السلطة الفلسطينية.
بعد ذلك، يتعين على السلطة الفلسطينية القيام بدورها من خلال تنفيذ إصلاحات سريعة وشفافة، لكن على السلطة الفلسطينية تسريع هذه الإصلاحات وترسيخها مؤسسياً من خلال تطبيق نظام إبلاغ عام كامل وعمليات تدقيق خارجية لبرامج المدفوعات المثيرة للجدل، وتنفيذ مبادرات شاملة لمكافحة الفساد، وتعزيز شفافية المشتريات، وضمان كفاءة قواتها الأمنية، وجعل عملية التصويت نزيهة، وتحسين تقديم الخدمات الأساسية على مستوى البلديات.
ركزت الجهود الأوروبية لإصلاح السلطة الفلسطينية على تعزيز قدراتها المؤسسية ودعم الحوكمة الرشيدة، وهذا أمرٌ صائب. إلا أنها تعتمد على أطر عمل معقدة. لذا، ينبغي لواشنطن وشركائها العرب أن يقودوا زمام المبادرة من خلال حزمة إصلاح واضحة وبسيطة، متفق عليها من قبل الأطراف المعنية الرئيسية، بما فيها "إسرائيل"، ومدعومة بحوافز حقيقية.
في الواقع، تُتيح خطة ترامب لغزة فرصةً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في الضفة الغربية. فهي فرصة تاريخية لتعديل بروتوكول باريس العتيق، الذي مضى عليه ثلاثون عاماً، والذي يمنح "إسرائيل" السيطرة على تحصيل وتحويل عائدات الضرائب الفلسطينية، ما يُعيق استقلال الاقتصاد الفلسطيني بربطه بسياسات "إسرائيل" التجارية وارتفاع تكاليف المعيشة، وهو بروتوكول لا يُناسب عالمنا الرقمي اليوم.
كما يُمكن لمجلس السلام الذي يُشكّله ترامب أن يجعل من الضفة الغربية مركزاً لوجستياً رئيسياً لإنتاج وتجميع الإمدادات الإنسانية، وفي وقت لاحق، البنية التحتية.
لا يوجد أي مبرر استراتيجي لإثراء إعادة إعمار غزة للجهات الخارجية على حساب الفلسطينيين، بمن فيهم سكان الضفة الغربية، الذين يُعانون من ركود اقتصادي.
إن اتخاذ هذه الخطوات الفورية لن يرقى إلى مستوى الدفاع عن الوضع الراهن غير المستدام في الضفة الغربية، بل على العكس تماماً، فهي ضرورية لإنقاذ الخيارات المتاحة مستقبلاً.
وتسعى حكومة الاحتلال جاهدةً لإغلاق جميع الخيارات، بوتيرة أسرع بكثير مما يمكن أن تُبطئه الانتخابات. ففي الشهر الماضي، طرحت الحكومة مناقصات بناء آلاف المنازل في ممر "E1"، ما سيؤدي إلى تقسيم الضفة الغربية إلى قسمين.
ورغم أن الإجراءات التي أُقرت في الـ8 من شباط/فبراير قُدّمت على أنها ضرورات إدارية، إلا أنها تُعزز بشكل كبير سلطة "إسرائيل" على الضفة الغربية، ولا سيما من خلال تقويض جوانب أساسية من سيطرة السلطة الفلسطينية المدنية، بما في ذلك إدارة قبر راحيل في بيت لحم وموقع الخليل المعروف لدى اليهود باسم مغارة البطاركة ولدى المسلمين باسم المسجد الإبراهيمي، وهما مكانان مقدسان لدى اليهود والمسلمين والمسيحيين.
يبدو أن اليمين المتطرف في "إسرائيل" يعتقد أن تدمير الحكم الفلسطيني سيمنح "إسرائيل" مزيداً من القوة.
على العكس تماماً، إنه خطأ فادح سيُصبح مكلفاً ودموياً ومدمراً للذات، إذ يُسرّع من وتيرة الاستياء والعنف.
كما أن واشنطن ستخسر الكثير بتجاهلها الوضع في الضفة الغربية: فانهيار السلطة الفلسطينية سيُزيل أي سبيل مُمكن نحو تحقيق الاستقرار الإقليمي والتسوية الفعّالة لما بعد الحرب، وهما السبيلان اللذان اعتمدت عليهما إدارة ترامب في جزء كبير من إرثها في السياسة الخارجية.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً