"فورين أفيرز" تسأل.. ما المخاطر الجدية للخلاف السعودي الإماراتي؟

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

مجلة "فورين أفيرز" تنشر مقالاً يتطرق إلى الخلاف بين السعودية والإمارات العربية المتحدة وتصاعد التوترات بينهما، ويتحدث عن حالة التنافس بين البلدين، مشيراً إلى أن التوافق بينهما يساهم في استقرار المنطقة.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:

بات الخلاف بين السعودية والإمارات العربية المتحدة واضحاً للعيان. تصاعدت التوترات العام الماضي مع اشتباك المملكتين الخليجيتين حول اليمن، لكن العداء الكامن انفجر علناً في كانون الثاني/يناير، حين اتهمت وسائل الإعلام السعودية الإمارات بـ"الاستثمار في الفوضى" في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، والعمل كأداة لـ"إسرائيل" في المنطقة. من جانبها، امتنعت الإمارات عن الإدلاء بتصريحات مماثلة، لكن الخلاف الأخير ليس سوى غيض من فيض.

تخوض الرياض وأبو ظبي منافسة استراتيجية أوسع، تتنافسان فيها على القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية. ما كان في السابق منافسة ودية تحوّل إلى عداء. يكمن جذر هذه الأزمة في رؤية 2030؛ الخطة السعودية الطموحة لمستقبلها. إذا أرادت المملكة تحقيق الأهداف التي وضعها قائدها الفعلي، محمد بن سلمان (المعروف بـ"مبس")، فعليها أن تتحدى هيمنة الإمارات في مجالات المال والسياحة والتجارة. لم تُقرّ أيٌّ من الحكومتين علناً بهذا التوتر، لكنهما تُدركانه تماماً؛ فمثل هذه الإزاحة هو ما حققته الإمارات العربية المتحدة قبل عقود عندما حلّت محل البحرين كأهمّ فاعل تجاري في الخليج.

من غير المرجّح أن يتصاعد الخلاف الخليجي إلى حرب مباشرة بين السعودية والإمارات، أو حتى إلى إجراءات عسكرية أقلّ حدّة، كالحصار، لكن الرياض وأبو ظبي تخوضان صراعاً اقتصادياً داخلياً، إضافة إلى معارك عسكرية بالوكالة في الخارج.

وسيُشكّل هذا الخلاف ملامح المنطقة خلال العقد القادم، بما في ذلك كيفية تعاملهما مع العلاقات الأمنية مع القوى الغربية، وكيفية استقطاب استثمارات القطاع الخاص، وكيفية اختيارهما للانخراط في العديد من الصراعات الإقليمية القائمة والمتأجّجة.

تنافس محتدم
عام 2015، عندما أصبح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نائباً لولي العهد وبدأ بممارسة نفوذه على الحكومة السعودية، كانت الرياض وأبو ظبي متقاربتين للغاية بشأن أكبر مشكلات الشرق الأوسط. وعلى الصعيد الشخصي، كانت العلاقة بين ولي العهد والرئيس الإماراتي محمد بن زايد (المعروف بـ MBZ) ودية. وقدّمت الإمارات دعمها للحملة العسكرية السعودية ضد "أنصار الله" في اليمن.

كما أيّد البلدان حملة "الضغط الأقصى" التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران. وعام 2017، فرضا معاً حصاراً على قطر للضغط على الدوحة للنأي بنفسها عن إيران، وإغلاق قناة الجزيرة، وإنهاء دعمها لجماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة إقليمية عمرها قرن من الزمان، تروج لشكل من أشكال الإسلام السياسي الذي تعتبره بعض حكومات الخليج تهديداً، فالجماعة، على سبيل المثال، تدعم الديمقراطية. (وفي الشهر الماضي، صنّفت الولايات المتحدة الجماعة منظمة إرهابية).

لكن في غضون سنوات قليلة، بدأت هذه الأجندة المشتركة تظهر عليها علامات التوتر، فقد تخلت الدولتان عن حصارهما لقطر، رغم أن دعم الدوحة لجماعة الإخوان المسلمين وعلاقتها بإيران لم يتغير بشكل ملحوظ. كما فشلت حملة الضغط القصوى التي شنتها إدارة ترامب في إقناع طهران بتعديل سلوكها.

في ضوء هذه الإخفاقات، وبدءاً من عام 2021 تقريباً، بدأت السعودية تنأى بنفسها عن الإمارات، وبدأت بتحسين علاقاتها مع إيران وقطر وتركيا. وبحلول عام 2023، وافقت على تقارب رسمي مع طهران، بل إن مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى بدأوا يدّعون أن الإمارات هي من دفع السعودية إلى فرض حصار قطر قبل سنوات.

جاء هذا التحول السعودي نتيجة إعادة تقييم لأفضل السبل لتحقيق أجندتها الداخلية. وكان ولي العهد محمد بن سلمان قد تبنى في البداية سياسة خارجية عدائية تركز على استهداف الدول المرتبطة بالإسلام السياسي، لكنه أدرك في نهاية المطاف أن هذا النهج لا يُحقق هدفه الأسمى، ألا وهو تحقيق رؤية 2030، التي تهدف إلى تخليص المملكة من الاعتماد على النفط وتحويلها إلى مركزٍ للمال والأعمال والسياحة. ولتحقيق هذه الخطة، تحتاج المملكة إلى مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية، الأمر الذي يتطلب بدوره استقراراً وهدوءاً.

لذا، تسعى المملكة العربية السعودية إلى توطيد علاقاتها مع خصومها السابقين، ليس لتغيير نظرتها إلى تلك الدول، بل لاعتقادها الآن بأن التوافق معها استراتيجية أفضل. فالصراع في الشرق الأوسط أو على طول البحر الأحمر يُهدد بتعطيل الممرات التجارية أو يُثير مخاوف المستثمرين الأجانب.

في المقابل، لا تزال الإمارات العربية المتحدة مُتمسكة بالأولويات نفسها التي وجّهت سياستها الخارجية طوال العقد الماضي. فهي تسعى للحفاظ على نفوذها الإقليمي والعالمي، المدعوم بقوتها الاقتصادية والتجارية والاستثمارية المحلية، ومنع انتشار الإسلام السياسي.

اليوم، تتباين مواقف السعودية والإمارات بشأن "إسرائيل" والسودان وسوريا واليمن. ففي معظم هذه المجالات، تُعطي السعودية الأولوية للاستقرار - ما لم يكن هناك تهديد مُحدد للمملكة - فيما تسعى الإمارات عموماً إلى منع الإسلاميين من اكتساب نفوذ.

في السودان، الذي يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم، دعمت الرياض القوات المسلحة السودانية (التي تشتبه الإمارات العربية المتحدة في ارتباطها بجماعات إسلامية)، كما أرسلت الإمارات أموالاً وأسلحة إلى قوات "الدعم السريع" المنافسة، رغم نفيها ذلك.

في المقابل، وافقت السعودية على استثمار مليارات الدولارات في إعادة إعمار سوريا، لأنها ترى في زعيمها الجديد (الجهادي السابق) أفضل فرصة لتحقيق الاستقرار في البلاد، إلا أن الإمارات لم تقدم سوى مبالغ زهيدة، لشكوكها في قدرة الرئيس الجديد على توطيد سلطته واستعداده للتخلي عن جذوره الإسلامية. أما في ما يتعلق بـ"إسرائيل"، فقد عززت الإمارات علاقاتها التجارية والأمنية بهدوء، فيما ترفض السعودية تطبيع العلاقات دون تمهيد الطريق لإقامة دولة فلسطينية.

بلغت هذه التوترات الإقليمية ذروتها في أواخر عام 2025 في اليمن؛ فبعد سنوات من التعاون في قتال "أنصار الله" هناك، انزلقت الفصائل المدعومة من الرياض وأبو ظبي إلى الاقتتال الداخلي. وفي كانون الأول/ديسمبر، سيطرت جماعة انفصالية يمنية مدعومة من أبو ظبي على أراضٍ في اليمن كانت تسيطر عليها جماعات مدعومة من السعودية، وردت الرياض بقصف شحنة أسلحة إماراتية، ما دفع الإمارات إلى سحب قواتها من البلاد بالكامل.

رؤية 2030
من مصلحة كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة التقليل من شأن خلافاتهما علناً لطمأنة المستثمرين الأجانب بأن منطقة الخليج ملاذ آمن لأموالهم، إلا أن التوترات الإماراتية السعودية ستتفاقم على الأرجح، إذ يتنافس البلدان بشكل متزايد على الاستثمار في القطاعات نفسها.

ونظرًا إلى حجم رأس المال الأجنبي الذي تحتاجه المملكة العربية السعودية لتحقيق رؤية 2030، فمن المرجح أن يأتي نجاحها على حساب هيمنة الإمارات في مجالات التمويل والتكنولوجيا والسياحة والخدمات اللوجستية. ومن غير المرجح أن تتمكن الأسواق الإقليمية والعالمية من استيعاب كلا البلدين على نطاق واسع في آن واحد.

ويحرص القادة الإماراتيون على ألا تسلك الإمارات مسار البحرين. ففي عام 1932، كانت البحرين أول دولة في المنطقة تكتشف النفط، ولكن نظراً إلى احتياطياتها المحدودة، قامت بتنويع اقتصادها. وبحلول سبعينيات القرن الماضي، أصبحت مركزاً إقليمياً هاماً في مجالات التمويل والسياحة والخدمات اللوجستية وصهر الألومنيوم.

وفي مطلع التسعينيات، أنشأت دبي، ثم أبو ظبي لاحقاً، مراكز مالية ذات قيود تنظيمية أقل ورؤوس أموال أكبر. بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، رسّخت مشاريع ضخمة، من بينها نخلة جميرا، الجزيرة الاصطناعية المخصصة للمساكن الفاخرة والسياحة، وبرج خليفة، أطول مبنى في العالم، مكانة الإمارات العربية المتحدة كوجهة مفضلة للمغتربين، ثم كرّست الحكومة العقد الثاني من الألفية لتحويل قوتها الاقتصادية إلى نفوذ عالمي. ففي عام 1971، عام تأسيس دولة الإمارات، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للإمارات 940 مليون دولار، فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي للبحرين 422 مليون دولار. وبحلول عام 1990، وصل الناتج المحلي الإجمالي للإمارات إلى 308 مليارات دولار، فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي للبحرين 27 مليار دولار.

واليوم، تتبنى المملكة العربية السعودية هذه الاستراتيجية، ولكن بينما استغرقت الإمارات عقوداً لتتفوق على جارتها في قطاعات رئيسية، تسعى السعودية إلى تحقيق ذلك في فترة زمنية أقصر بكثير، مستفيدةً من كل ميزة تتمتع بها، فالسوق السعودي هو الأكبر في المنطقة.

وللتفوق على الإمارات في المنافسة، تستخدم الرياض حواجز غير جمركية لإخراج الشركات الإماراتية من سوقها المحلي. على سبيل المثال، تشترط المملكة العربية السعودية حصول الشاحنات الأجنبية على تصريح خاص لنقل المحاصيل والماشية داخل حدودها.

وعام 2021، بدأت المملكة بتطبيق رسوم جمركية أعلى على السلع المنتجة في المناطق الحرة، التي تتيح للأجانب التملك الكامل للشركات وتعفيهم من ضرائب الاستيراد والتصدير. وتُعدّ الإمارات العربية المتحدة أكبر مُصدّر في منطقة الخليج، حيث تضم أكثر من 40 منطقة حرة.

وعام 2024، بدأت المملكة العربية السعودية بمنح العقود الحكومية فقط للشركات التي تتخذ من المملكة مقراً إقليمياً لها، ما دفع العديد من الشركات متعددة الجنسيات إلى نقل مكاتبها من الإمارات إلى السعودية.

تتمتع المملكة العربية السعودية بقدرات صناعية وتصنيعية تفوق بكثير قدرة الإمارات العربية المتحدة، وتستثمر بكثافة في التعدين المحلي بفضل احتياطياتها من الفوسفات والذهب والبوكسيت والعناصر الأرضية النادرة. وتبلغ مساحتها 27 ضعف مساحة الإمارات، بل إنها تستغل حجمها ورأس مالها ومواردها من الطاقة لبناء مجمعات إنتاجية ضخمة تدعم أكبر صناعة ألبان في الشرق الأوسط.

كما تستفيد من السياحة الدينية والنفوذ الناجم عن رعايتها لأقدس مسجدين في الإسلام، مكة المكرمة والمدينة المنورة. وتعتقد الرياض، بفضل هذا الدور، أنها القائد الأوحد للعالم العربي والإسلامي، إلا أن كبر عدد سكان المملكة العربية السعودية سلاح ذو حدين، فهو يعني أن أمام البلاد مجالاً أوسع بكثير للنمو من حيث الاستهلاك المحلي، ولكنه يعني أيضاً أن عليها إعالة عدد أكبر بكثير من السكان. يبلغ عدد سكان المملكة العربية السعودية 35 مليون نسمة، منهم نحو 20 مليون سعودي، فيما يبلغ عدد سكان الإمارات 11 مليون نسمة، لكن نسبة الأجانب فيها أكبر بكثير عن ما يزيد قليلاً على مليون إماراتي. يُتيح صغر حجمها لدولة الإمارات العربية المتحدة التكيف بسرعة أكبر بكثير من جارتها، ولا سيما في الصناعات سريعة التطور مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية.

لطالما كانت الإمارات العربية المتحدة وجهة جاذبة للاستثمار الأجنبي والمواهب، فهي تتمتع بالفعل بميزة تنافسية راسخة في الخدمات المالية والطيران والرعاية الصحية والسياحة. كما تتميز بقيود اجتماعية أقل صرامة، حيث يُسمح، على سبيل المثال، لرجل وامرأة غير متزوجين بالعيش معاً دون زواج.

وتُعد قدرتها على إدارة التجارة والخدمات اللوجستية لا مثيل لها في المنطقة: ففي عام 2023، على سبيل المثال، تعاملت الإمارات مع ضعف عدد حاويات الشحن، واستقبلت ضعف حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الذي استقبلته المملكة العربية السعودية.

ومع هذا الاقتصاد المتنوع، لا تتجاوز نسبة النفط في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات 25%، ما يجعلها أقل تأثراً بتقلبات أسعار النفط مقارنةً بالمملكة العربية السعودية، إذ يعتمد ما يقارب 50% من الناتج المحلي الإجمالي على النفط.

تكمن المشكلة بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية في أن الإمارات، في سعيها لتنويع اقتصادها، لا تُبدي أي مرونة تُذكر. تنفق أبو ظبي مليارات الدولارات للمنافسة في القطاعات نفسها التي تدعو رؤية 2030 المملكة العربية السعودية إلى الهيمنة عليها بحلول نهاية العقد، مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجدّدة والخدمات اللوجستية العالمية.

هل يمكن التوصل إلى حل ودي؟
لا يزال بإمكان الرياض وأبو ظبي تخفيف حدة التوترات من خلال التعاون في قطاعات محددة، كإنشاء مراكز تكنولوجية ومراكز بيانات مشتركة. كما يمكن للبلدين، سواء بشكل ثنائي أو عبر وسطاء كالبحرين أو عُمان، محاولة الاتفاق على النتائج المرجوة في مناطق النزاع المختلفة، والعمل معاً لتحقيقها، لكن يبدو أن تصاعد التوترات بات مرجحاً.

في ضوء هذا الواقع، ينبغي للولايات المتحدة وأوروبا توخي الحذر من الانحياز لأي طرف في التنافس الخليجي. فالموقع الجغرافي لكل من السعودية والإمارات يمنحهما نفوذاً كبيراً على أسواق النفط وممرات التجارة الحيوية؛ ومن المهم الحفاظ على علاقات طيبة مع كليهما. إذا أبدت واشنطن أو العواصم الأوروبية تفضيلاً لأحد الطرفين، فستفقد نفوذها وفرص الاستثمار مع الطرف الآخر. والأسوأ من ذلك، أنها قد تُقوّض الاستقرار الإقليمي، فإذا شعرت إحدى دول الخليج بتراجع مكانتها، فقد تميل نحو الصين، ما قد يمنحها معاملة تفضيلية في الشحن والاستثمار وحقوق القواعد العسكرية.

تعهد الرؤساء الأميركيون الأربعة السابقون بتقليص تدخلهم في الشرق الأوسط، لكنهم استمروا في نشاطهم. من الحكمة أن يُبقي ترامب على وجود أميركي قوي في المنطقة. عليه، بالتعاون مع القادة الأوروبيين، أن يتبنى نهجاً متوازناً بين دولتي الخليج. كما ينبغي له أن يُدرك أن رأب الصدع بينهما قد يتطلب نهجاً شخصياً أكثر.

يقول بعض المراقبين إن ولي العهد محمد بن سلمان، في بدايات ولايته، كان من المقربين إلى محمد بن زايد. ورغم أن هذا قد يكون مبالغة، فإن الرجلين كانا على علاقة جيدة. أما اليوم، فيرى كل منهما الآخر غير مُحترم بما فيه الكفاية، وتُغذي مشاعر الغيرة بينهما التنافس الأوسع. إن التقارب بين هذين الرجلين من شأنه أن يُسهم بشكل كبير في استقرار المنطقة.

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء والتوصيفات المذكورة.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP