08/02/2026
تقاریر 29 قراءة
المفاوضات الإيرانية - الأميركية قبل الحرب وبعدها .. ما الذي تغيّر هذه المرة؟
.png)
الاشراق
الاشراق | متابعة.
على عكس ما سعت الولايات المتحدة و"إسرائيل"، دخلت إيران المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، متمسّكة بحقوقها المشروعة، محدّدة إيقاع التفاوض ومكانه، وهو ما اعترف به الإعلام الإسرائيلي صراحة قائلاً: "إيران لا تزال واقفة على رجليها بعد الحرب وتفرض شروطها وهذا ما يعزّز مكانتها في المنطقة".
حاولت واشنطن الضغط على طهران لوضع ملف قدراتها الصاروخية ودعم حلفائها على الطاولة، لكنّ الجمهورية الإسلامية رفضت وبشدة، وأصرّت على أن تقتصر المحادثات على ما يخصّ الملف النووي فقط، فإذا كان المطلب الرئيسي للغرب هو الحؤول دون حصول إيران على سلاح نووي، فإنّ الاتفاق ممكن تؤكّد إيران، وفي فترة وجيزة.
إيران التي دعت على لسان وزير خارجيتها عباس عراقتشي قبيل انطلاق جولة التفاوض إلى التركيز على الأمور الممكنة وعدم إضاعة فرصة التوصّل إلى اتفاق عادل ومنصف، أرسلت بالتوازي رسالة ردع من نوع آخر، عشية انطلاق العملية الدبلوماسية، إذ كشفت النقاب عن أحد أكثر صواريخها الباليستية الجديدة تطوراً، "خرمشهر4" الفرط صوتي، كرسالة واضحة وصريحة للعالم أجمع أنّ "قدراتنا الصاروخية – الدفاعية والهجومية – ليست للمفاوضات ولا المساومة"، وأنّ أيّ تهديد يطالها يعني ردّاً حازماً.
إيران تدخل المفاوضات بسقف عالٍ: نثق بقدراتنا
بالنفس المعهود نفسه تدخل الجمهورية الإسلامية مفاوضات اليوم كما دخلتها قبل الحرب؛ حكمة، وصبر استراتيجي، وقيادة حكيمة، وتحديد واضح للأهداف، مع إضافات جديدة أبرزها ما يتعلّق بفقدان الثقة التامّ، وازدياد مفهوم القوة وعناصرها، فما قبل الحرب ليس كما بعدها.
ويأتي ذلك بعدما نجحت إيران في فرض معادلات القوة وتثبيت قوة الردع عبر اجتيازها عدة تحدّيات، كان آخرها محاولة إسقاط النظام من خلال أعمال الشغب المسلّح، التي شهدتها شوارع المدن الإيرانية، والتي قال عنها قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران إنها فتنة أميركية الهدف منها ابتلاع إيران، ناهيك بقدرة حلفائها في محور المقاومة على الصمود وإيلام "إسرائيل" والولايات المتحدة على الرغم من الضربات القاسية.
محمّلة بعناصر القوة هذه، ذهبت طهران بإرادتها للمفاوضات، تحت شعار "نحن للدبلوماسية كما للحرب"، إذ هدّدت علناً القواعد الأميركية في المنطقة بالقصف في حال تعرّضت لأيّ عدوان، وأكدت أنّ ضرباتها ستشمل الأراضي المحتلة أيضاً، بمعنى أنّ الحرب لن تكون محدودة، وتداعياتها ستشمل المنطقة.
ويحذّر رئيس هيئة الأركان العامّة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء عبد الرحيم موسوي، كما غيره من المسؤولين الإيرانيين، من أنّ أيّ إجراء عسكري ضدّ إيران "سيحمّل الأعداء تكاليف باهظة لا يمكن تعويضها".
ويقول المحلّل السياسي الإيراني عماد أبشناس إنّ الدبلوماسيين الإيرانيين يذهبون إلى المفاوضات مدعومين بالقدرات التسليحية والميدانية الإيرانية، مؤكّداً أنّ حرب الـ12 يوماً أعطت ثقة إضافية للإيرانيين.
وأشار أبشناس إلى أنّه "إضافة إلى كلّ ذلك، فكلّ دول المنطقة اليوم تصطف إلى جانب إيران على عكس ما كان قبل الـ7 من أكتوبر".
واشنطن في العلن تريد الحرب.. أما خلف الكواليس؟
قدرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الصمود والمواجهة خلال فترة الحرب فاجأ الولايات المتحدة، التي أدركت أنّ القوة العسكرية وحدها لا تنفع مع الحالة الإيرانية، وبعد فشل أوراقها الداخلية، قرّرت الذهاب إلى المفاوضات تحت مبدأ خيار الضرورة.
إذ يفكّر الأميركي اليوم مرتين، قبل التورّط بحملة عسكرية على إيران، ويعود ذلك أولاً لعدم ضمان نجاح هذا الخيار، إضافة إلى اكتشاف حدود القوة لدى إيران، كما تعاني الولايات المتحدة من وضع داخلي هشّ ومتضعضع، هذا فضلاً عن انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، فأيّ قرار من شأنه أن يؤثّر على خيارات الناخبين، خاصة في ظلّ الاستياء الذي عبّر عنه بعض النواب الأميركيين بعد اختطاف إدارة ترامب للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كون القرار اتخذ بعيداً عن تفويض "الكونغرس".
في هذا السياق، سأل أبشناس "في حال فشلت المفاوضات وذهبنا إلى جولة حرب بين إيران والولايات المتحدة، هل باستطاعة واشنطن أن تتحمّل إغراق حاملة طائرات تابعة لها؟
وأضاف أبشناس أنّ "الأميركي يعلم أنّ الخسارة ستكون أكثر من الربح إذا أقدم على توجيه ضربة لإيران".
ناهيك عن كلّ ذلك، فالهوة تتسع بين الأميركيين والأوروبيين نتيجة الاختلافات على عدد من الملفات، كغرينلاد وحلف "الناتو" وأوكرانيا، وهو ما يشكّل عامل قوة لإيران أيضاً.
أما دور الأوروبيين في مفاوضات اليوم فمعدوم بعد تفعيلهم "آلية الزناد" في آب/أغسطس 2025، على عكس ما كان قبل الحرب.
"إسرائيل" ليست بمأمن
وأكد أبشناس أنّ "إسرائيل" لن تكون بمنأى عما سيحصل وستتساقط آلاف الصواريخ عليها.
ويؤكّد ذلك، القلق الإسرائيلي حيال ما يقوم به الأميركي في المفاوضات، إذ طلب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تقريب موعد لقائه مع ترامب، إلى الأربعاء، لمناقشة المحادثات مع إيران.
ويرى نتنياهو أنّ أيّ مفاوضات يجب أن تتضمّن الحدّ من الصواريخ الباليستية وإنهاء الدعم لمحور حلفائها في المنطقة، وهو ما لم تتطرّق إليه المحادثات.
مصير المفاوضات.. مجهول؟
وعن مصير المفاوضات، رأى أبشناس أنّ مصلحة الرئيس الأميركي دونالد ترامب هي التوصّل إلى اتفاق مع إيران، لأنّ الحرب ليست لمصلحة أيّ طرف، فالجانبان يعلمان أنّ الخسائر ستكون كبيرة.
في الوقت نفسه، لم يستبعد أبشناس أن يغدر الأميركي فجأة، نتيجة التجارب السابقة، أو التوقيع على اتفاق من دون الالتزام به.
من الجانب الإيراني، قال أبشناس إنه بالنسبة لطهران لم يتغيّر شيء بالمفاوضات عن ما قبل الحرب، لكنّ الجديد هو وجود شرط حصول ضمانات من الولايات المتحدة و"إسرائيل" بعدم توجيه ضربة إليها.
ويقابل التصريحات التحذيرية، كلام مطمئن من الطرفين بعض الشيء، إذ وصفت إيران بداية المفاوضات بـ"الإيجابية"، كما قال ترامب إنّ واشنطن ستجتمع مجدّداً خلال أيام لبحث الملف الإيراني.
لكن رغم ذلك، يبقى مصير المفاوضات الإيرانية–الأميركية مفتوحاً على كلّ الاحتمالات، خصوصاً في ظلّ التقلّبات التي طبعت مواقف ترامب منذ بداية ولايته، وطريقة تعاطيه غير المستقرة حتى مع أقرب حلفائه في حلف شمال الأطلسي، ما يجعل أيّ رهان على مسار تفاوضي ثابت محفوفاً بالشكوك.
للكاتب حسين صالح