قبل 3 ساعە
مازن النجار
10 قراءة

فخ هرمز.. كارثة أخرى مُذلّة لأميركا!

مضى على الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران 4 أسابيع، وبدأت ملامح الكارثة تتضح. ما قُدِّم للجمهور كضربة حاسمة تهدف إلى شل الجمهورية الإسلامية، يظهر سريعًا حدود القوة الأميركية. الحرب غير شرعية، وغير متماسكة استراتيجيا، وتزداد خطورة على العالم أجمع. وتبدو المبادرة العسكرية الآن بيد إيران.

الخسائر البشرية المباشرة فادحة. فقد تعرّضت مدن إيران لقصف عنيف، ما أسفر عن مقتل وإصابة آلاف المدنيين الإيرانيين. وأدت هجمات "إسرائيل" على لبنان لمقتل وجرح آلاف المدنيين وتشريد مليون ونيف. تفاعلت أسواق الطاقة العالمية فورا مع هذا التصعيد. فارتفعت أسعار النفط ارتفاعات حادة ولا تزال، بينما شهدت الأسواق المالية تقلباتٍ وخسائر كبيرة، استجابة لتصريحات متضاربة من واشنطن حول مدى استمرار أو نهاية الحرب أو أنها في بدايتها.

التصريحات فوضى شاملة
تصدر معظم هذه التصريحات المتضاربة من الرئيس دونالد ترامب نفسه. ففي لحظةٍ يُعلن أن إيران قد هُزمت هزيمةً نكراء، وفي لحظة تالية يُلمّح إلى أن الولايات المتحدة قد تُصعّد الحرب. والنتيجة غرق أهداف العدوان واحدا تلو الآخر بمياه هرمز في مشهد ارتباك استراتيجي بات مألوفا ومؤرّقا لمن يتذكر أيام غزو العراق الأولى.

خلف هذه التصريحات، يلاحظ الكاتب والمحلل الإيرلندي، ديلان إيفانز، أن ساحة المعركة تتغير بطرقٍ لم يتوقعها المخططون الأميركيون. فقد انتقل الحرس الثوري الإيراني من رد دفاعي حذر إلى المبادرة والتصعيد الكامل. وبحسب السير أليكس وليم يونغر، رئيس الاستخبارات البريطانية السابق، باتت لطهران اليد العليا في الصراع الدائر الآن. أي أنها تمسك بزمام المبادرة عسكريا وسياسيا وإعلاميا. 

وشرع الأميركيون بهدوءٍ في استكشاف إمكانية التفاوض عبر أطرافٍ ثالثة، في حين رفض المسؤولون الإيرانيون هذه المبادرات رفضا قاطعا، لأن الهدنات المؤقتة تُتيح للأعداء إعادة تنظيم صفوفهم لجولةٍ أخرى من الهجمات. وتشير التقارير لتحولٍ ملحوظ في التوازن النفسي للصراع، فإيران الآن واثقة بما يكفي لرفض المفاوضات. 

إذلال هرمز 
حدث التطور الأكثر دراماتيكية بمضيق هرمز الضيق أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية ومثلها أو أكثر من إمدادات غاز الهيليوم والسماد الكيميائي. على مدى عقود، اعتبرت البحرية الأميركية السيطرة على هرمز حجر الزاوية في هيمنتها الاستراتيجية بالشرق الأوسط. إلا أن هذه الهيمنة تُواجَه اليوم بتحدٍ علني.

انخفضت حركة الشحن عبر المضيق بشكلٍ كبير. تتجمع ناقلات النفط خارج المضيق على كلا الجانبين وعلى متنها نحو 22 ألف بحار تقطعت بهم السبل بانتظار أي أنباء بشأن الوضع الأمني. وقد بدأت بعض شركات الشحن بتحويل مسارات سفنها بالكامل. فرضت إيران حصارا فعليا بالجمع بين الضربات الصاروخية والألغام البحرية وهجمات الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية.

تغير البيئة الاستراتيجية جذريا
ويبدو أن التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) قد عطّل أنظمة الملاحة بالمنطقة، مما أدى لارتباك حركة السفن الفعلية عبر المضيق. استهدفت هجمات صاروخية إيرانية منشآت وقواعد عسكرية أميركية وموانئ ومنشآت نفطية بأنحاء الخليج. وقد أثارت هذه الهجمات تساؤلات مقلقة حول كفاءة وموثوقية أنظمة الدفاع الجوي الأميركية التي يُفترض أن تحمي هذه المنشآت.

في الوقت نفسه، أفادت التقارير أن البحرية الأميركية رفضت طلبات متكررة من شركات الشحن التجاري لتوفير مرافقة بحرية عبر المضيق. لكن لماذا؟ يتساءل إيفانز.

التفسير الرسمي بسيط: خطر الهجوم مرتفع للغاية حاليا. هذا الموقف وحده يكشف مدى التغير الجذري الذي طرأ على البيئة الاستراتيجية. فالبحرية الأقوى في العالم باتت مترددة في العمل بحرية عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

تعتمد استراتيجية إيران على الحرب غير المتناظرة بدل المواجهة المباشرة. فالصواريخ الباليستية المضادة للسفن، وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة البحرية، وأسراب زوارق الهجوم السريع، تحوّل الممرات المائية الضيقة إلى مناطق كمائن مميتة.

كما يتباهى القادة الإيرانيون بامتلاكهم أسلحة متطورة تحت الماء قادرة على مهاجمة السفن بسرعات فائقة. وحتى لو زعم أحد أن هذه الادعاءات مبالغ فيها، فالمفهوم الأساسي واضح. لا تحتاج إيران لهزيمة البحرية الأميركية في معركة مفتوحة، بل يكفيها أن تجعل تكلفة العمليات في مضيق هرمز باهظة للغاية.

ويلكرسون يصدر حكمه
قدّم العقيد المتقاعد من الجيش الأميركي، لورنس ويلكرسون، رئيس أركان وزير الخارجية كولن باول، ربما أقوى نقد للحرب حتى الآن. ويلكرسون ليس شخصا هامشيا أو متطرفا أيديولوجيا، بل هو خبير مخضرم بمؤسسة الأمن القومي الأميركي، شهد حرب العراق من داخلها. كان حكمه على الصراع الحالي حاسما.

بحسب ويلكرسون، يُمثل اغتيال المرشد الأعلى الإيراني خلال مفاوضات دبلوماسية انتهاكا صارخا للقانون الدولي. ويضيف، على نطاق أوسع، أن سير الحرب يثير بالفعل تساؤلات جدية حول جرائم الحرب. وتظهر التقارير عن الغارات الأميركية على المستشفيات والمدارس والبنية التحتية المدنية أن الصراع ينزلق بسرعة خارج حدود الحرب المشروعة.

بل إن تقييم ويلكرسون للوضع الاستراتيجي أكثر إدانة. فهو يرى أن القادة الأميركيين استهانوا بإيران بشكل جوهري. فإيران ليست قوة إقليمية صغيرة يمكن إخضاعها بحملة جوية خاطفة. إنها دولة شاسعة يزيد عدد سكانها عن تسعين مليون نسمة، ذات تضاريس وعرة لطالما هزمت الجيوش الغازية. وأي محاولة جادة لغزو إيران ستتطلب غزوا بريا هائلا، بينما لا تمتلك الولايات المتحدة القوة البشرية اللازمة لمثل هذه العملية. وإذا أقدمت واشنطن على ذلك، يحذر ويلكرسون من أن النتيجة قد تكون خسائر فادحة وانهيارا كاملا للمكانة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.

يؤكد هذا الاستنتاج المؤرخ الفرنسي إيمانويل تود، ملاحظا أن الولايات المتحدة لم تنتصر انتصارا حاسما منذ الحرب العالمية الثانية في أي مواجهة عسكرية مع قوة عسكرية ذات شأن، واستهدفت غالبا أقزاما عسكريين مثل مانويل نورييغا (بنما)، وصدام حسين (العراق)، ونيكولاس مادورو (فنزويلا)؛ وأخفقت إخفاقا فادحا في كوريا وفيتنام وأفغانستان والصومال واليمن. 

في غضون ذلك، ألحق الرد الإيراني أضرارًا بالعديد من القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية بالمنطقة، ودُمرت منشآت الرادار وأنظمة الدفاع الصاروخي وشبكات الاتصالات. كما أفادت التقارير أن إحدى الضربات المكلفة بشكل خاص ألحقت أضرارًا بمقر الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية في البحرين. ويشير ويلكرسون إلى أن حجم هذه الخسائر (الفادحة) قد لا يكون واضحا تماما للرأي العام الأميركي.

مخاطر التصعيد
تتجاوز التداعيات الاقتصادية للحرب حدود ساحة المعركة. فقد تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار مع ردة فعل الأسواق على حالة عدم اليقين في الخليج. وتشهد تكاليف التأمين على الشحن عبر المنطقة ارتفاعًا حادًا. كما تهدد اضطرابات مضيق هرمز إمدادات الطاقة العالمية في حين لا يزال الاقتصاد العالمي هشا. 

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو احتمال امتداد الحرب لما وراء الخليج. وحذر ويلكرسون من أن الجماعات المتحالفة بالمنطقة قد تُصعّد تدخلها، وقد حدث ذلك في لبنان واليمن. وقد تُهدد حركة الحوثيين في اليمن طرق الشحن في البحر الأحمر، مما يُعطّل شريانا رئيسيا للتجارة العالمية. 

أما الاحتمال الأكثر إثارة للرعب فهو التصعيد النووي. لطالما فكرت إسرائيل في استخدام الأسلحة النووية في لحظات الخطر الوجودي. وخلال حرب 1973، ذُكر أن القادة الإسرائيليين ناقشوا نشر الأسلحة النووية، بل حملوا رؤوسا نووية في المقاتلات الحربية، عندما بدت القوات العربية على وشك اختراق خطوطهم. ويحذر ويلكرسون من تكرار سيناريو مماثل إذا انقلبت الحرب ضد إسرائيل بقوة.

في الوقت نفسه، يتشوه فهم الجمهور للحرب بسبب الرقابة الصارمة وحرب المعلومات. تحظر اللوائح العسكرية الإسرائيلية أي تقارير تكشف مواقع حساسة أو أضرار ناجمة عن ضربات العدو. وغالبًا ما تتجاهل التغطية الإعلامية الأميركية أي ذكر لهذه القيود، مما يترك الجمهور بصورة ناقصة للأحداث على أرض الواقع. كما يغرق كلا الجانبين وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو مضللة أو معاد نشرها من المعارك.

عواقب جيوسياسية هائلة
والنتيجة هي ضباب كثيف يكتنف الحرب، إذ تتضاءل المعلومات الموثوقة. ومع ذلك، بات من الصعب تجاهل استنتاج واحد: الحرب الأميركية الصهيونية لا تسير على ما يرام أو كما توقع مخططوها.

عقد ويلكرسون مقارنة غير مريحة أميركيا وإسرائيليا مع غزو العراق عام 2003. فقد كان حاضرا عندما ألقى كولن باول خطابه الشهير في الأمم المتحدة، مدعيًا امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل. وصف باول تلك اللحظة لاحقا بأنها وصمة عار دائمة في مسيرته الشخصية والمهنية. ومع ذلك، يعتقد ويلكرسون أن الصراع الحالي أخطر من حرب العراق. فهو يمثل خطأ استراتيجيا فادحا، وفشلا أخلاقيا أعمق، وخطرًا أكبر بكثير على الاستقرار العالمي. 

يلفت إيفانز إلى أن السياسة الخارجية الأميركية ارتكزت عقودا طويلة على فرضية أن التفوق التكنولوجي يضمن النصر. لكن إيران تختبر الآن هذه الفرضية بالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والألغام والجغرافيا والصمود الوطني.

إذا أصبح مضيق هرمز غير آمن فعليا للعمليات البحرية الأميركية، فستكون العواقب الجيوسياسية هائلة. لن يمثل ذلك مجرد انتكاسة تكتيكية، بل تحديا عميقا لأسس القوة العالمية الأميركية.

حرب أخرى بدأت بثقة مطلقة كشفت مرة أخرى عن حدود قوة الإمبراطورية وقدرتها وإنهاك توسعها المفرط. حرب أخرى كان من المفترض أن تُظهر قوة أميركا، فكشفت بدل ذلك نقاط ضعفها. حرب أخرى ظنت واشنطن أنها قادرة على السيطرة عليها تفلت من قبضتها.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP