قبل 1 شهر
زياد خصن
38 قراءة

استمرار المذبحة الفلسطينية دليلاً: لا يوجد أمل قريب بنظام متعدد الأقطاب

إذا كانت الأزمة السورية قد ولدت الآمال بإمكانية ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب لا تهيمن عليه دولة واحدة أو حلف معين أو حتى مجتمع ما، فإن استمرار الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة رغم عملية الإبادة الممنهجة لأكثر من مليوني فلسطيني يثبت أن تلاشي هيمنة دولة واحدة على القرار الدولي لن يكون قريباً، وأن عملية ولادة ذلك النظام ستأخذ وقتاً طويلاً، بخلاف أمنيات الدول والشعوب المضطهدة التي عانت ولا تزال تعاني من تبعات انهيار الاتحاد السوفياتي واستفراد الولايات المتحدة الأميركية بالساحة الدولية.

المسألة هنا ليس مؤشرها تعطيل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الغربيين عمل مجلس الأمن في وقف المذبحة الفلسطينية، فالإدارة الأميركية تتهم أيضاً روسيا والصين عند استخدامهما حق النقض بأنهما يعطلان دور المجلس من وجهة نظرها، إنما جوهر المسألة هو في عدم قدرة الدول المرشحة لتكون قطباً عالمياً على القيام بكل ما يتطلبه هذا الدور من مهام ومواجهة ما يفرضه من تحديات.

مثلاً، تتلقى "إسرائيل" دعماً عسكرياً ومالياً وسياسياً من الولايات المتحدة والدول الغربية في عدوانها المستمر على قطاع غزة منذ 8 أشهر، فيما تجد فصائل المقاومة الفلسطينية نفسها "وحيدة" في هذه المعركة المصيرية، وهذا على خلاف ما حدث في سوريا التي تدخلت فيها روسيا عسكرياً لدعم الدولة السورية في مواجهة الفصائل المسلحة المدعومة تسليحاً ومالياً وبشرياً من واشنطن وحلفائها الغربيين والعرب، فما الذي جعل روسيا تواجه الولايات المتحدة في سوريا أو أوكرانيا ولا تواجهها في قطاع غزة؟

العبرة بوقف المعتدي
قد يكون الصراع العربي الإسرائيلي أحد أكثر التحديات الرئيسية التي تواجه الدول المرشحة لأداء دور عالمي يفضي إلى تشكيل نظام عالمي جديد، فالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، ومرجعية القرارات الدولية المعنية بحل هذا الصراع، وتحميل "إسرائيل" مسؤولية الجرائم والمجازر المرتكبة، ومطالبتها بالامتثال للقانون الدولي... هذا كله ليس كافياً للاطمئنان إلى ما يمكن أن يقدمه النظام متعدد الأقطاب للبشرية من أمن وسلام، فالعبرة تبقى بقدرة هذه الدول على إلزام "إسرائيل" بتنفيذ القرارات الدولية وإخضاعها للقانون ومحاسبتها على ما ارتكبته من جرائم بحق الإنسانية، وهو الأمر الذي لم يحدث طيلة 8 عقود من الزمن.

ولتحقيق هذا الهدف، فإن هناك مهمتين أمام الدول المرشحة لأداء دور عالمي مؤثر:

الأولى تتمثل في الانتقال من ممارسة دور المحايد أو الراغب في الوساطة في ملف الصراع العربي-الإسرائيلي إلى مراجعة العلاقة السياسية والاقتصادية والعسكرية القائمة مع "إسرائيل"، بما يسهم في زيادة الضغط عليها وإجبارها على إعادة حساباتها، إذ لا يمكن لوساطة بين مجرم وضحية أن تجعل الأول يتوقف عن إجرامه إلا إذا قدمت الضحية مزيداً من التنازلات والرشى.

ولو تمت تلك المراجعة، فإن كثيراً من الدول الأخرى ستفكر هي الأخرى في اتخاذ مثل تلك الخطوة، إذ لا يمكن الحديث عن إلزام "تل أبيب" بالقرارات الدولية في الوقت الذي تشهد علاقات هذه الدول مع الكيان الصههيوني تطوراً ملحوظاً في جميع المجالات والقطاعات، لا بل تعمل على إدخاله في مشروعات إقليمية ودولية كبرى.

أما المهمة الثانية، فهي في استثمار التغير الذي طرأ على الصورة الذهنية المتشكلة لدى الرأي العام الدولي عن "إسرائيل"، بغية تشكيل رأي عالمي ضاغط عليها.

الصورة التي ظلت لعقود طويلة تصورها على أنها الضحية التي يريد العرب قتلها ورميها في البحر، تهاوت اليوم لدى فئات شعبية كثيرة في الغرب بفضل ثورة المعلومات والاتصالات التي أتاحت للشعوب النفاذ إلى معلومات من خارج صندوق وسائل الإعلام الغربية المتحيزة لـ"إسرائيل"، والتعرف إلى حقيقة ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية من إبادة جماعية بحق شعب أعزل من كل شيء.

لكن إلى أي حد أسهمت وسائل الإعلام التقليدية والحديثة في الدول المناهضة لسياسة القطب الواحد في نشر حقيقة ما يجري في غزة؟ وهل تمكنت هذه الوسائل من تغيير سياستها التحريرية في التعاطي مع "إسرائيل" من "دولة" معها علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وتحظى بنوع من "الحصانة" إلى "دولة" احتلال عنصرية ترتكب جرائم إبادة جماعية وإنسانية لم يشهد لها العالم مثيلاً؟

المتصفح اليوم لتغطية معظم وسائل الإعلام الناطقة بالعربية للحدث الفلسطيني، والعائدة ملكيتها إلى حكومات دول كبرى، يخلص إلى أنها تتعامل مع الحدث بخجل شديد، وتتجنب في كثير من الأحيان تسمية الأمور بمسمياتها أو أنها تكتفي بنقل المواقف والتصريحات المحلية والخارجية، كما لو أنها تتبنى موقفاً إعلامياً وسياسياً محايداً، وإن كانت بعض تلك الوسائل تستخدم مصطلحات متداولة بكثرة في وسائل الإعلام العربية من قبيل "مجزرة رفح"، لكن هل هناك تسمية أخرى يمكن أن تصف ما حدث قبل أيام قليلة؟

الرصاصة الأولى عربياً
لكن قبل الحديث عن واجبات الدول الصاعدة والمرشحة لتكون قطباً دولياً، فإنَّ "الرصاصة" الأولى المفترض أن تطلق في عملية مواجهة "إسرائيل" يجب أن تنطلق من الدول العربية، التي لم تكن بمواقفها الرسمية والشعبية من العدوان على قطاع غزة متميزة عن غيرها من دول العالم، بل إن دولاً في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا كانت متقدمة كثيراً في مواقفها على معظم الدول العربية، ولا سيما تلك التي لا تزال تحتفظ بعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع "إسرائيل".

وعملية إطلاق "الرصاصة" التي نتحدث عنها ليست سهلة، فإعادة تفعيل إجراءات المقاطعة العربية الشاملة التي كانت مطبقة قبل اتفاقيات أوسلو ووادي عربة وتعليق العمل باتفاقيات السلام الموقعة مع "إسرائيل" وغير ذلك تعني ببساطة الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية، فأي من الحكومات العربية يمكن أن تجرؤ على ذلك؟ 

وبالتالي، ما دام الموقف العربي الرسمي على هذه الشكل الذي نراه اليوم خانعاً وجباناً وذليلاً، فإن الدول الكبرى ستبقى تحاول، في ظل افتقادها دعماً مباشراً وعملياً من أهل الضحية، مسك العصا من المنتصف في كل ما يحدث حالياً على أرض فلسطين والأراضي العربية المحتلة مع ميلها قليلاً أحياناً إلى مصلحة الفلسطينين بفعل محاولة التمايز عن الموقف الأميركي من جهة، وانسجاماً مع المزاج الشعبي العالمي الذي بدأ يتحول مطالباً بفلسطين حرة من جهة ثانية.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP