13/02/2026
دولي 19 قراءة
"Waging Nonviolence" .. المقاومة الثابتة من مينيابوليس إلى فلسطين!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
يكتب راي أبيليا وكات زافيس، وهما حاخامان وعضوان في منظمة "حاخامات من أجل وقف إطلاق النار" وناشطان ضد عمليات القتل والترحيل التي تمارسها سلطات إنفاذ القانون الأميركية تجاه المهاجرين، يكتبان في موقع منظمة "Waging Nonviolence"، مقالاً يقارن بين النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي وبين مقاومة المجتمعات المحلية في مينيابوليس الأميركية لعنف عناصر إدارة الهجرة والجمارك، ويعرض كيف أن التجربتان متقاربتان وأن مناهضة العنف والاحتلال تأخذ أشكالاً متشابهة عبر التاريخ.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
على التوالي حفرت حادثتان قاسيتان من منطقتين متباعدتين مكانة في ضمير العالم. الأولى، للطفل ليام كونخو راموس (5 سنوات)، وهو يرتدي قبعة أرنب زرقاء حاملاً حقيبة ظهر مدرسية، حين اُختطف من الشارع، واُحتجز من قبل إدارة الهجرة والجمارك الأميركية. والثانية، صوت الطفلة هند رجب (5سنوات) الناعم المرعوب، وهي تصرخ طلباً للمساعدة من السيارة، بينما جثث أفراد عائلتها قتلوا بجانبها برصاص القوات الإسرائيلية التي قتلتها أيضاً.
في الأسبوع الماضي كانت الذكرى السنوية الثانية لرحيل طفلتها هند، كتبت والدتها وسام حمادة في صحيفة "نيويورك تايمز"، لقد "كان الاستماع إلى صوت ابنتي وهي محاصرة، تتوسل إليّ طلباً للمساعدة، ألماً لا ينبغي لأي أم أن تعانيه، فلا طفل يستحق أن يموت كما ماتت هند، ولا ينبغي لأي طفل أن يعيش تحت التهديد المستمر بالقصف والمجاعة والنزوح".
هذه ليست مآسي معزولة، بل هي منطق إرهاب الدولة، من مينيسوتا إلى مدينة غزة. ولهذا السبب عندما وجّه المنظمون المحليون نداءً لرجال الدين للتضامن مع مجتمع مينيابوليس، استجبنا نحن كقادة دين يهود، وكعائلات، وتوافد مئات رجال الدين إلى المدن في الوقت المناسب للإضراب الذي عمّ الولاية في يوم 23 من الشهر الماضي.
ولم نشارك فقط لأجل المسير والصلاة والمساعدة المتبادلة مع كنائس المجتمع اللاتيني والسكان الأصليين المحلية، بل أيضاً للانضمام إلى دوريات الأحياء التي تراقب مداهمات دائرة الهجرة وتوثيقها، ومحاولة تعطيل خطف أفراد العائلات من شوارع مينيابوليس.
وشاركنا مع مجموعة من السكان المحليين، التي يديرها المتطوعون، وانخرطنا في شبكة الاستجابة السريعة حسب الحاجة عندما يتصل أحدهم، ويبلغ عن رصده لتحركات دائرة الهجرة. واشتركنا في دوريات السيارات وقيادتها ببطء عبر الطرق الجليدية، ومسحنا المنطقة نراقب سيارات وضباط إدارة الهجرة والجمارك، مدركين أنَّ الخطر قد يظهر في أي لحظة، بينما غالباً ما كانت الشوارع باردة وصامتة بشكل مخادع حتى فجأة لم تعد كذلك، حين واجهنا عناصر دائرة الهجرة وأخذنا هواتفنا لنوثق بالصورة والصوت ونسجل.
لقد كان الاستماع إلى الاتصالات والصراخ في موقع الحدث يحمل تشابهاً غريباً مع صوت الطفلة هند رجب، وهي تصرخ طلباً للمساعدة. وبدلاً من الاعتماد على الجهات الحكومية لرعاية المجتمع، اجتاح المسعفون والمراقبون والنشطاء من أبناء المجتمع الشوارع لرعاية بعضهم البعض.
بعد دورية مشي هادئة في حي صومالي، تأمل راهب بوذي النشاط الدفاعي الذي نقوم به، ووصفه كأنه الوقوف دون معرفة واضحة بما نفعله. ومن بين دورية رجال الدين المكونة من 50 شخصاً والمنتشرة في شوارع الحي، لم يواجه معظمنا أي شيء على الإطلاق. لكن على بعد بضعة شوارع فقط، كان 4 من رجال الدين يشكلون حضوراً وقائياً، بينما هاجم 12 عنصراً من وكالة الهجرة امرأة لاتينية تحمل أوراقها مضطربة وخائفة، لكنها ممتنة بشدة للتوثيق والمرافقة التي أمنها لها المتطوعون.
هذا هو شعور الاحتلال. لقد شعرنا بذلك من قبل أثناء مرافقتنا للمزارعين وأطفال المدارس في الضفة الغربية الفلسطينية، حيث يجب أن تبقى اليقظة مستمرة، والتدقيق وحساب المخاطر. فالتهديدات يمكن أن تأتي من أي مكان، بسرعة وبعنف، وبنادق الجنود مستنفرة. فهكذا هم الفلسطينيون مضطرون لحمل كمية أوراق ثبوتية تحت تهديد الاختفاء، وهو واقع فلسطيني يومي، والآن أصبح واقعاً أميركياً أيضاً.
في مينيابوليس، هكذا يختطف الاحتلال أفراد العائلات ليلاً ونهاراً، حيث لم يعد الأطفال آمنين حتى في المدارس، والآباء يختبئون في منازلهم، حتى أنَّ الممرضات يعملن تحت الأرض لأنَّ إدارة الهجرة والجمارك تظهر في المستشفيات، حتى في وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة. كما شرحت إحدى الناشطات أنَّها نقلت حليب الثدي لطفل رضيع يبلغ من العمر 3 أشهر من أمه المسجونة بعد اختطافها تواً من قبل إدارة الهجرة والجمارك.
تكتيك إدارة الهجرة والجمارك الجديد في استخدام عروض الدعم الغذائي، كفخ يذكرنا بشكل مرعب بفخ المساعدات الغذائية المدعومة من الولايات المتحدة والذي تديره "مؤسسة غزة الإنسانية" حيث كانت القوات الإسرائيلية تطلق النار يومياً على سكان غزة الجائعين الباحثين عن الطعام.
سالي (اسم مستعار)، وهي امرأة بيضاء في منتصف العمر من الغرب الأوسط، بدأت قيادة الدوريات، لأن إحدى صديقاتها اللاتينيات اُختطفت. وبمجرد أن رأت الحقيقة، لم تستطع تجاهلها. مؤخراً كانت تقود بمفردها عندما رأت فرقة من ضباط إدارة الهجرة يقفزون من سياراتهم والأسلحة النارية ظاهرة، فأطلقت أبواق سيارتها لجذب الانتباه، حين استداروا نحوها ورفعوا أسلحتهم، ثم توقفت سيارة أخرى بينها وبينهم. مع ذلك استمرت في دورياتها، وقالت: "علي أن أستمر في المراقبة والتوثيق والمواجهة".
وأثناء تتبع سالي مركبة من إدارة الهجرة لتشهد، فحصت إدارة الهجرة لوحاتها، واتجهوا مباشرة إلى عنوانها، وتبعتهم هي أيضاً، وحين وصلوا أشاروا إلى منزلها كأنهم يقولون "نعرف أين تعيشين"، فهكذا هي آليات الإرهاب، وما يحدث في مينيابوليس يبدو على مستوى جديد لمدننا الأميركية.
ليست هذه المرة الأولى التي يجرى فيها المقارنة بين ظروف فلسطين وعنف الدولة ضد الأشخاص الملونين في الولايات المتحدة. ولطالما أطلق النشطاء السود والفلسطينيون أسماء مشتركة على الاعتداءات العسكرية. فقد أطلق عليهم الغاز المسيل للدموع ذاته، وقُتلوا بالأسلحة ذاتها، وفي الأسبوع ذاته من عام 2020، الذي قتل فيه جورج فلويد في مينيابوليس، قُتل إياد الحلاق، وهو رجل فلسطيني (32 عاماً) مصاباً بالتوحد، برصاص الشرطة في المدينة القديمة بالقدس، حيث رفع المحتجون الإسرائيليون والفلسطينيون لافتات تدين الجريمتين مطالبين بالعدالة لجورج وإياد.
المسؤولية والذاكرة اليهودية
كيهود أشكناز، لا نفكر فقط بفلسطين حين نفكر فيها، فنحن مطاردون بتاريخنا الخاص، حين كانت عائلاتنا تختبئ في برلين لتجنب الترحيل إلى معسكرات، والأشخاص يختطفون في الليل، والجيران يعاقبون لأنهم قدموا لنا أي مأوى، فمن المستحيل تجاهل التشابه بين ظروفنا آنذاك وأوضاع الفلسطينيين ومينيابوليس اليوم.
جو روغن صاحب أشهر بودكاست في أميركا، طرح السؤال عن مينيابوليس، "هل سنكون حقاً الغستابو؟" فنحن نعرف ما هذا الذي يجري، ونعرف مسؤوليتنا. لا يمكن أن تعني عبارة "لن يتكرر هذا أبداً" أنه "لن يتكرر هذا أبداً لليهود فقط". كما أشرنا مراراً في المظاهرات المؤيدة لغزة، ويجب أن يعني ذلك ألا يحدث ذلك مرة أخرى لأي أحد". كما ذكر القادة المحليون من رجال الدين، أنَّه رغم وجود مقارنات يمكن إجراؤها مع "الغستابو"، يجب أن نتذكر أنَّ نظام هتلر كان مفتوناً، وتعلم من التكتيكات التي استخدمتها دوريات العنصريين ضد السود في البلاد، وأيديولوجية الكونفدرالية، والعنصرية المؤسسية لقوانين "جيم كرو". فهذا ليس "شراً مستورداً"، ولا نحتاج إلى استيراد صور لنرى كيف يتكرر هذا النمط من القمع العنصري.
ويجب أن نذكر أنَّ مجتمعنا اليهودي منقسم بشدة حول الفصل العنصري المستمر في فلسطين والإبادة الجماعية في غزة. كما أن التجمع مع عشرات من قادة الديانة اليهودية الذين لا يتفقون ليس سهلاً. لكن كوني أحد أعضاء مجموعة تضم أكثر من 40 حاخاماً من أجل وقف إطلاق النار أوجدنا مساحة لنعيش قيمنا. وفي هذه اللحظة شعار "إخراج شرطة الهجرة من شوارعنا" يُشكّلُ رسالة يمكننا أن نتحد حولها.
في صباح يوم العمل الجماعي، أقمنا خدمة بين الأديان، وصلينا معاً، وذكرنا الحاخام يونان دوف بيسنر، مدير مركز العمل الديني لليهودية الإصلاحية، بقصة نينوى المدينة العظيمة التي نما شعبها لدرجة أنهم نسوا كيف يعتنون ببعضهم البعض، فخطيئتهم لم تكن العنف، بل إهمال المجاورة.
ليس من السهل الدخول إلى معابد قد تصمت بشأن الإبادة الجماعية. لكن الأمل هو هذا، عندما يتحدث القادة اليهود عن محبة جيراننا، ستمتد هذه المحبة إلى ما وراء حدودنا المباشرة، نحو أقاربنا الفلسطينيين.
ومن خلال الصلاة "نحب جيراننا"، وربما تفتح ثغرة تسمح لنا بالتفكير في كيف أنَّ جيراننا هم في مينيابوليس، وفي جنين، وفي الخليل، وفي مدينة غزة. ونحن نؤمن بعمق بقوة التجمع رغم التباينات من أجل قضية موحدة، فهكذا نبني معنى السلطة في زمن صعود الاستبداد.
قوة الحب والتجاور ستنتصر
من مينيابوليس إلى الضفة الغربية، نشهد صراعاً ينفجر بين وجهتي نظر. وهو صراع موجود منذ زمن التوراة وحتى يومنا هذا بين رؤية عالمية تحتضن حب السلطة، والهيمنة، وتسليح الخوف وشيطنة الآخرين، ورؤية تحتضن قوة الحب، والتجاور الاجتماعي المتنوع وغير الهرمي، والشجاعة الثابتة في مواجهة الخوف.
لقد رد شعب مينيابوليس على الإرهاب ببسالة ومقاومة استثنائية، تماماً كما فعل شعب غزة. في فلسطين، يسمونها الصمود. في مينيسوتا، الثبات. والمنطقتان تبدوان كجارين يتشاركان الطعام، ومرافقة الأطفال إلى المدرسة، والدوريات والرعاية بهدوء وبلا كلل. حين قتل رجال دائرة الهجرة رينيه غود، نظر كثير منا إلى صورتها، ورأى نفسه وفكر أنَّه كان يمكن أن يكون أي واحد منا، وكثير منا فكر بذلك من قبل، في عام 2003 حين قُتلت راشيل كوري بجرافة عسكرية إسرائيلية في غزة، ومؤخراً حين قُتل المواطن الأميركي أليكس بريتي، حين كان يوثق اعتداءات شرطة الهجرة محاولاً أن يكون جاراً صالحاً، لكن أُسكت صوته.
ومع ذلك، لا يمكننا التوقف عن المراقبة، أو التوقف عن إطلاق صافراتنا، كما يقول الكاتب والصحفي تي. نيهيسي كوتس: "إذا لم تستطع وضع خط تحت الإبادة الجماعية، فربما لا يمكنك وضع خط عند الديمقراطية". لدينا فرصة للمطالبة بأن يواصل مشرعنا الأميركي رسم الخط، مستندين إلى تصويت مجلس الشيوخ في نهاية الشهر الماضي معارضاً تجديد ميزانية دائرة الهجرة والجمارك دون أي شروط.
كما تواصل مئات الآلاف مع أعضاء مجلس الشيوخ وقالوا إنَّ لديهم مطالب قبل التصويت لهم في الانتخابات. ويجب أن نستمر في الضغط لوقف هذه الأفعال اللاإنسانية. ومينيابوليس تذكرنا بما يعنيه أن نكون جيراناً مرة أخرى. "أحب جارك"، فكرة قديمة وبسيطة، ومضادة للاعتداء والعنف والاحتجاز أو الترحيل القسري. "أحب جارك" فكرة نبيلة، يحاول أقاربنا الفلسطينيون تعليمنا إياها منذ أجيال. ومعاً عبر المدن، وعبر الحدود، وعبر القارات ننسج شبكة من الحماية والرعاية والمقاومة والمجتمع المحب. ليسمعوا صرخاتنا ودوي صفاراتنا، ولنستمر بمحبة الجيران التي يتطلبها إيماننا وأخلاقنا.
نقلها إلى العربية: حسين قطايا.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً