قبل 22 ساعە
الهامي المليجي
16 قراءة

من ديمونة يهدد العالم: نتنياهو يحوّل مأزق الردع إلى مقامرة نووية

ديمونة هي التي تكلّمت، ولم يكن بنيامين نتنياهو سوى لسان المشروع الذي أراد أن يبعث منها برسالته. فلم تكن المدينة مجرّد مكان لإلقاء خطاب، ولم تكن زيارته موقع لجنة الطاقة الذرية، الذي لا يزال قادة الكيان يسمّونه ساخرين "مصنع النسيج"، تفصيلاً عابراً في جدول رئيس حكومة مولع بصناعة مشاهد القوة. كان المكان جزءاً من التهديد، وربما كان أكثر خطورة من الكلمات نفسها.

من هناك، توعّد نتنياهو قادة إيران بألّا "يراهنوا على الهدوء" إذا هاجموا كيانه، وألّا يتوقّعوا تكراراً لما جرى في الجولات السابقة؛ لأنّ الردّ المقبل، على حدّ قوله، سيكون "مختلفاً وأشدّ قوة بكثير". ثم أعلن أنّ الأيام التي كان يتعرّض فيها الكيان للهجوم من دون أن يردّ "بضربة مضاعفة" قد ولّت.

لكنّ الخطاب، إذا جُرّد من ضجيج القوة، يكشف أكثر مما يريد صاحبه إخفاءه. فهو صادر من ديمونة، المدينة التي تحتضن المفاعل النووي غير الخاضع للرقابة الدولية الشاملة، وموجّه إلى دولة لم يثبت امتلاكها سلاحاً نووياً. ويأتي بعد حروب زعم نتنياهو أنها دمّرت القدرات الإيرانية وغيّرت معادلات المنطقة، فإذا به يستعدّ لـ"كلّ السيناريوهات"، ويحذّر من هجوم إيراني جديد.

غير أنّ الخطر لم يعد محصوراً في إيران ومحور المقاومة. فما ارتكبه الكيان، من غزة والضفة إلى لبنان وسوريا وإيران، يكشف مشروعاً يرى في القوة المنفلتة وسيلة دائمة لإعادة رسم المنطقة وإخضاع شعوبها. ومن ثمّ، تحوّل نتنياهو واليمين الصهيوني من خطر على دولة أو محور بعينه إلى تهديد مباشر لأمن المنطقة والسلم الدوليّين.

صاحب القنبلة يحاكم إيران
تكمن المفارقة الأولى في أنّ نتنياهو اختار رمز المشروع النووي الصهيوني ليهدّد إيران باسم الأمن ومنع انتشار السلاح النووي. فالكيان هو الطرف الوحيد في "الشرق الأوسط" الذي لم ينضمّ إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولا يُخضع منشآته للرقابة الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويتمسك بسياسة "الغموض النووي"، على الرغم من أنّ الغموض لم يعد قائماً إلا في لغة دبلوماسية تحوّلت إلى غطاء للتواطؤ.

ويقدّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أنّ ترسانة الكيان تضمّ نحو تسعين رأساً نووياً، وأنه يواصل تحديث قدراته ووسائل إيصالها. في المقابل، تظل إيران، مهما تكن الخلافات بشأن مستويات التخصيب ونطاق التعاون مع الوكالة الدولية، دولة طرفاً في معاهدة عدم الانتشار، ولم تعلن أيّ جهة دولية مختصة أنها امتلكت قنبلة نووية. ومع ذلك، يُعامل البرنامج الإيراني باعتباره التهديد النووي الأكبر، بينما تحظى ترسانة الكيان بحصانة سياسية تكاد تساوي حصانتها العسكرية.

إنه نفاق نووي دولي كامل الأركان: يُحاصر من يخضع للمعاهدة، ويُحمى من يقف خارجها؛ تُقصف المنشآت النووية الإيرانية باسم منع الخطر، بينما يُمنح مفاعل ديمونة حقّ العمل في الظلام، وتُمنح ترسانته حصانة من الرقابة والمساءلة، بل وحقّ تهديد شعوب المنطقة.

لا يتعلّق الأمر، إذاً، بمنع الانتشار، بل باحتكار القوة. فالكيان لا يريد "شرقاً أوسط" خالياً من السلاح النووي، وإنما "شرقاً أوسط" لا يمتلك فيه هذا السلاح سواه، ولا تملك فيه الدول الأخرى حتى القدرات العلمية والتقنية التي قد تقلّص الفجوة الاستراتيجية معه.

ومن هذه الزاوية، لم تكن ديمونة مجرّد خلفية للخطاب؛ كانت تلويحاً بما يمتلكه الكيان ولا يعترف بامتلاكه. غير أنّ نتنياهو، وهو يستدعي المفاعل إلى معركة التهديد، أضعف بنفسه سياسة الغموض التي احتمى بها المشروع النووي الصهيوني لعقود. فالغموض يفقد معناه عندما يتحوّل الموقع النووي إلى منصة لإرسال رسائل الحرب.

حرب لم تُحسم وتسوية يخشاها نتنياهو
تكمن المفارقة الثانية في أنّ تهديد نتنياهو، الذي قُدّم بوصفه استعراضاً للقوة، يحمل في داخله اعترافاً بفشل الحسم.

فإذا كانت الضربات الأميركية - الصهيونية قد دمّرت البرنامج النووي الإيراني، وشلّت القدرات الصاروخية، وكسرت ما يسميه نتنياهو "محور الشر"، فلماذا يتوقّع هجوماً إيرانياً جديداً؟ ولماذا يعلن الاستعداد لكلّ السيناريوهات؟ ولماذا يحتاج إلى التعهّد بأن يكون الردّ المقبل أشدّ من سابقه؟

الطرف الذي حسم الحرب لا يقف أمام جمهوره ليهدّده بحرب أخرى، والطرف الذي استعاد ردعه كاملاً لا يحتاج إلى المبالغة في وصف ما سيفعله إذا اختُبر هذا الردع من جديد.

لقد أثبتت جولات المواجهة أنّ امتلاك التفوّق العسكري والتكنولوجي لا يساوي امتلاك القدرة على الحسم. فقد استطاعت إيران، رغم ما تعرّضت له من ضربات وخسائر، أن تحتفظ بإرادة الردّ وبجزء مؤثّر من أدواته، وأن تنقل الحرب إلى العمق الصهيوني والقواعد الأميركية في المنطقة. ومن ثمّ، فإنّ تهديد نتنياهو لا ينفي بقاء القدرة الإيرانية على الردّ، بل يؤكّدها؛ لأنه يقوم أصلاً على افتراض أنّ طهران ما زالت قادرة على إيقاع ضرر يستوجب رداً "أشد قوة".

ويحاول نتنياهو كذلك قلب تسلسل العدوان والردّ. فالكيان الذي شارك في شنّ الحرب على إيران، واستهدف أراضيها ومنشآتها وعلماءها وقادتها، يعيد تقديم نفسه باعتباره الطرف المهدّد، ويطالب طهران بألّا تردّ، وإلّا عُدّ ردّها اعتداءً جديداً يستوجب "ضربة مضاعفة". وبذلك يمنح نفسه حرية بدء الحرب واستئنافها، بينما يحوّل دفاع الطرف الآخر عن نفسه إلى ذريعة لتوسيع العدوان.

غير أنّ التهديد يتجاوز الميدان إلى طاولة التفاوض. فقد نصّت مذكّرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، الموقّعة في السابع عشر من حزيران/يونيو، على مسار تفاوضي مدّته الأولية ستون يوماً، يتناول وقف العمليات العسكرية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات. والكيان ليس طرفاً مباشراً في هذه المفاوضات، لكنه يريد امتلاك حقّ النقض على نتائجها.

لذلك، يخاطب نتنياهو واشنطن بقدر ما يخاطب طهران. ومضمون رسالته أنّ أيّ تفاهم أميركي - إيراني لا يستجيب للشروط الصهيونية لن يمنع الكيان من العودة إلى الحرب. إنه يريد رفع سقف المطالب الأميركية، والحيلولة دون اتفاق يعترف لإيران بحقوقها، أو يبقي لها قدرات صاروخية وردعية، أو يحدّ من حرية الكيان في شنّ الهجمات متى شاء.

إنّ نتنياهو واليمين الصهيوني لا يخشيان القنبلة الإيرانية المفترضة بقدر ما يخشيان قيام توازن إقليمي يضع حدّاً لاحتكار الكيان القوة وقرار الحرب. ولذلك، يريدان للمنطقة أن تبقى على حافة الاشتعال، وللتفاوض أن يجري تحت أزيز الطائرات، ولواشنطن أن تظل أسيرة الرواية الصهيونية وشروطها.

حين يصبح المفاعل تهديداً للعالم
أما أخطر ما فعله نتنياهو، فهو تحويل ديمونة من مساحة للغموض النووي إلى عنصر ظاهر في خطاب الحرب.

لا يمنح استخدام المفاعل خلفيةً للتهديد أيّ طرف شرعية قانونية أو أخلاقية لاستهدافه، لكنه يُسقط وهم بقائه خارج حسابات التصعيد. فمن يهاجم المنشآت النووية لخصومه، ثم يستند إلى رمزية منشأته النووية لإعلان استعداده لجولة أشدّ عنفاً، يفترض أنّ خصومه سيظلون ملتزمين قواعد لا يلتزمها هو، وأنّ ديمونة ستبقى خارج النار، بينما تُقصف المنشآت النووية في الدول الأخرى.

إنها مقامرة لا تقتصر عواقبها على الكيان وإيران؛ فأيّ استهداف مباشر للمفاعل، أو خطأ في الحسابات، أو سقوط صاروخ في محيطه، قد يفتح الباب أمام كارثة إشعاعية عابرة للحدود، تطاول فلسطين والأردن ومصر، وتمتدّ ارتداداتها إلى ما هو أبعد. ولن ينجو من عواقبها من أشعل النار أو توهّم أنّ أسوار المفاعل تستطيع حمايته من قوانين الجغرافيا والطبيعة.

الخطر هنا أكبر من تهديد عسكري عابر. فنتنياهو، ومعه يمين صهيوني تحكمه أساطير التفوّق والاصطفاء التوراتية، يدفع المنطقة نحو مواجهة قد تتجاوز كلّ قواعد الردع والسيطرة. وديمونة ليست خطراً على إيران ومحور المقاومة وحدهما؛ إنها قنبلة مزروعة في جغرافيا المنطقة كلّها، تحت سلطة قيادة تتعامل مع الحرب باعتبارها قدراً دائماً ووسيلة لإعادة تشكيل الإقليم.

لم تعد مواجهة هذا الجنون مسؤولية إيران أو قوى المقاومة وحدها، بل باتت ضرورة أمن قومي لجميع دول المنطقة، مهما اختلفت حساباتها ومواقفها. وهذا يستوجب تنسيقاً سياسياً وأمنياً إقليمياً، وإعادة فتح ملف الترسانة النووية الصهيونية أمام المؤسسات الدولية، والعمل على إخضاعها للرقابة، بدلاً من ترك مستقبل شعوب المنطقة رهينة مغامرات نتنياهو وحلفائه.

كما لم يعد الصمت الدولي ازدواجية معايير فحسب؛ بل أصبح تواطؤاً يوفّر الغطاء لكيان يملك وسائل الدمار الشامل، ويتبنّى عقيدة الحرب الوقائية، ويرفض الحدود والقرارات الدولية. وبذلك، يغدو نتنياهو ويمينه خطراً على السلم والأمن الدوليّين، لا مجرّد طرف في مواجهة إقليمية.

لقد أراد نتنياهو أن يجعل ديمونة شاهداً على قوة الردع الصهيوني، فجعلها شاهداً على مأزقه وعلى النفاق الدولي المحيط به. وأراد إقناع جمهوره بأنّ الحروب السابقة حقّقت أهدافها، فكشف أنّ إيران ما زالت قادرة على الرد. وأراد تهديد طهران، فأرسل إلى واشنطن رسالة ابتزاز ضدّ أيّ تفاهم لا يخضع لشروطه. وأراد استعراض القوة مستنداً إلى رمزية المفاعل، فكشف أنّ الخطر الصهيوني لم يعد محصوراً في جبهة أو دولة، بل بات يهدّد المنطقة والعالم.

ديمونة تتكلّم، وما تقوله ليس إنّ الكيان مطمئن إلى تفوّقه، بل إنه يخشى تآكله. وليس إنّ الحرب حُسمت، بل إنّ نتنياهو يحتاج إلى إبقائها مفتوحة. وليس إنّ المشروع النووي الصهيوني مجرّد "مصنع نسيج"، بل إنه سلاح مسكوت عنه يحرس مشروع الهيمنة، ويمنح صاحبه حقّ تهديد الآخرين ومنعهم من امتلاك أسباب القوة.

وحين يستند التهديد إلى رمزية المفاعل، لا يعود السؤال: من سيردّ بصورة أشدّ؟ بل: متى تدرك دول المنطقة والعالم أنّ وقف نتنياهو واليمين الصهيوني لم يعد تضامناً مع إيران أو محور المقاومة، وإنما دفاع عن بقاء المنطقة وسلام العالم، قبل أن يشعلا حرباً لن ينجو الكيان من دمارها، ولن تبقى المنطقة أو مصالح العالم الحيوية بمنأى عن ارتداداتها؟

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP