الضربة المؤجَّلة على إيران مأزق الهيمنة الأميركية في عالم يتغيّر (2-2)
في القسم الأول، رأينا كيف يمكن لضربة على إيران أن تُعيد إشعال الشرق الأوسط لا بوصفها حربًا، بل بوصفها نمط حكم: تُدار فيه السياسة بالأمن، ويُدار فيه الاستقرار بالخوف، وتُدار فيه المنطقة كمساحة استنزاف دائم.
هنا نوسّع العدسة، لأن الضربة — إن وقعت — ليست اختبارًا لإيران ولا للإقليم وحده، بل اختبارًا لفكرة النظام الدولي نفسها: هل ما زال العالم قابلًا لأن يُدار من مركز واحد من دون أن ينفجر من أطرافه؟
ما نعيشه اليوم ليس مجرد صراع قوى، بل صراع نظم: نظام يريد أن يفرض نفسه لأنه الأقوى، ونظام يتشكل ببطء لأنه الأقدر على البقاء في عالم لم يعد يحتمل مركزًا واحدًا.
من هنا، لا يمكن قراءة الضربة بوصفها مجرد حدث عسكري، بل بوصفها لحظة كاشفة لانكسار المركز، وتسارع تشكّل عالم لم تُكتَب قواعده بعد.
مأزق الأحادية في عالم يتغيّر
لكن فرضية أن المركز الواحد قادر على إدارة العالم بدأت تنهار من داخلها، لا لأن القوة تراجعت، بل لأن كلفة استخدامها باتت أعلى من قدرتها على إنتاج النظام.
فالتدخلات الكثيفة لم تُنتج استقرارًا، بل مناطق مدمَّرة؛ ولم تُنتج نظمًا شرعية، بل فراغات سياسية؛ ولم تُنتج قبولًا، بل مقاومات تراكمت من بغداد إلى كابول، ومن غزة إلى صنعاء.
هنا يعود الفيلسوف الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي ليذكّرنا بأن الهيمنة ليست مجرد تفوق مادي، بل قدرة على جعل النظام القائم يبدو طبيعيًا ومقبولًا ومعقولًا في وعي من يخضعون له.
وحين تفقد الهيمنة هذه القدرة، تتحول إلى سيطرة، وتتحول السيطرة إلى عبء يحتاج إلى عنف متزايد للحفاظ عليه — وهذا بالضبط هو مأزق القوة الأميركية اليوم.
العالم في طور انتقال مضطرب: بين نظام ينهار وآخر لم يولد
عالم الاجتماع الأميركي إيمانويل والرشتاين وصف لحظات التحول الكبرى بأنها "مناطق اضطراب تاريخي"، حيث يموت نظام قديم قبل أن يولد نظام جديد — وهذا هو بالضبط الوصف الأقرب لما نعيشه اليوم.
نحن في هذه اللحظة تحديدًا: نظام أحادي لم يعد قادرًا على العمل، ونظام متعدد لم يكتمل بعد، وبينهما مساحة اضطراب مفتوحة على احتمالات الانفجار.
الضربة — إن وقعت — لن تحسم هذا الانتقال، بل ستدفعه إلى الأمام بطريقة أكثر عنفًا وتسارعًا، من دون أن تقدّم بديلًا منظمًا، ومن دون أن تُنتج قواعد جديدة لإدارة الصراع.
روسيا والصين: من الاعتراض إلى البناء
روسيا لم تعد ترى نفسها قوة معترضة فقط، بل قوة تسعى إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة: من أوكرانيا إلى سوريا، ومن الميدان إلى مجلس الأمن، رسالتها واحدة — لا شرعية لقرارات تُفرض بالقوة خارج أي توافق دولي.
الصين، من جهتها، لا تدخل هذا الصراع من بوابة السلاح، بل من بوابة الاقتصاد: عبر بناء شبكات تجارة ممتدة، ومبادرات بنية تحتية كبرى، وتوسيع التعامل بالعملات المحلية، وتقليص الاعتماد على الدولار بوصفه أداة سيطرة لا مجرد وسيلة تبادل.
أي ضربة أميركية لإيران ستُقرأ في موسكو وبكين لا بوصفها حدثًا عابرًا، بل بوصفها برهانًا إضافيًا على أن واشنطن غير مستعدة للتعايش مع عالم لا تكون فيه المركز الوحيد — وهو ما سيدفعهما إلى تسريع بناء البدائل بدل الاكتفاء بالاعتراض.
البريكس: من نادي اقتصادي إلى كتلة سياسية
دول البريكس لم تعد مجرد إطار تنسيقي اقتصادي، بل تتحول تدريجيًا إلى منصة اعتراض على قواعد النظام المالي والسياسي العالمي، خصوصًا بعد أن اختبرت دول عديدة منها معنى أن تُدار حياتها الاقتصادية بقرار سياسي يُتخذ خارج حدودها.
التوسع الأخير في عضويتها، وإدخال دول من الجنوب العالمي، والنقاش حول العملات البديلة والتسويات خارج الدولار، كلها مؤشرات على بحث جماعي عن مساحة سيادية في عالم شديد التمركز، يحاول أن يعيد تعريف نفسه قبل أن يُعاد تعريفه قسرًا.
الضربة، إن وقعت، ستمنح هذه الدول مبررًا إضافيًا لتسريع هذا المسار، لا بدافع الأيديولوجيا، بل بدافع الوقاية من تقلبات القوة الأحادية، ومن كلفة الارتهان لنظام لا يضمن الاستقرار بقدر ما يعيد إنتاج الخطر.
حين تتحول السوق إلى سلاح
المفكر الاقتصادي كارل بولاني حذّر، في كتابه "التحول الكبير"، من لحظة ينفصل فيها الاقتصاد عن المجتمع، وتتحول السوق إلى قوة مستقلة تُخضع السياسة بدل أن تخضع لها — وهي لحظة نكاد نراها اليوم تتجسّد على مستوى النظام العالمي.
ما نراه اليوم هو نسخة جيوسياسية من هذا التحذير: نظام عالمي تُدار فيه التجارة، والعملات، والطاقة لا بوصفها أدوات حياة، بل بوصفها أدوات ضغط وعقاب، وحدود غير مرئية تُرسم داخل الأسواق لا على الخرائط.
حين تتحول السوق إلى سلاح، يفقد الاقتصاد وظيفته التوفيقية ويصبح جزءًا من آلة الصراع، وتتحول القرارات العسكرية — كالضربة المحتملة على إيران — إلى أحداث اقتصادية عالمية قبل أن تكون أحداثًا ميدانية.
الدولار: من أداة هيمنة إلى عامل عدم استقرار
لفترة طويلة، كان الدولار عماد النظام العالمي: عملة تجارة، واحتياطي، وأداة تسوية، وضمان ثقة في آن واحد.
لكن حين تُستخدم العملة كأداة عقاب — عبر العقوبات، وتجميد الأصول، والحصار المالي — تتحول من ضمان إلى تهديد، ومن عنصر استقرار إلى عامل قلق دائم في حسابات الدول.
والعالم لا يقبل أن تُدار حياته الاقتصادية بعملة يمكن سحبها أو تجميدها بقرار سياسي يُتخذ في عاصمة واحدة.
حين يغيب النظام قبل أن يولد بديله
الانتقال التاريخي لا يكون عادةً سلسًا، بل يأتي مثقلاً بالاختلالات والصراعات — وهذه المرحلة ليست استثناءً بل نموذجًا.
غياب القواعد المستقرة يفتح المجال أمام أفعال انفرادية، محسوبة أو غير محسوبة، تزيد من هشاشة العالم — والضربة المحتملة على إيران مثال نموذجي على هذا النوع من الأفعال.
المشكلة أن هذه الأفعال لا تبني نظامًا جديدًا، بل تستهلك ما تبقى من القديم، وتُسرّع تفككه من دون أن تضع حجرًا واحدًا في أساس البديل.
حين تفشل القوة في أن تكون نظامًا
الضربة، إن وقعت، لن تكون ضربة على إيران فقط، بل ضربة في قلب الفكرة التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب الباردة: أن واشنطن قادرة على إدارة العالم بالقوة من مركز واحد.
وإن لم تقع، فإن مجرد التلويح بها يكشف أن الأحادية الأميركية لم تعد مشروع استقرار، بل مشروع خوف دائم، لا يُنتج نظامًا بل يستهلكه، ولا يبني شرعية بل يفرضها بالقسر.
العالم لا يغادر الأحادية لأنه يريد الفوضى، بل لأنه لم يعد يحتمل كلفة البقاء تحتها، ولا ثمن الدفاع عنها في كل مرة بالقصف، والعقوبات، والحصار، وتفجير الهشاشة في مناطق كاملة.
والشرق الأوسط هو المختبر الأوضح لهذا التحول: هنا تُستنزف القوة، هنا تتآكل الهيمنة، وهنا ينكشف أن ما تقدمه واشنطن باسم "النظام" ليس إلا إدارة دائمة للفوضى — فوضى تُدفع كلفتها من دم شعوب المنطقة، لا من موازنات القوة التي تصنعها.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً